تقارير

اقتصاد الأحلام في سورية.. فقرٌ متصاعد وغلاءٌ يبدّد وعود السلطة

post-img

د. بسام أبو عبدالله (The Cradle)

ليست المشكلة أن تحلم سورية باقتصاد يبلغ حجمه مئتي مليار دولار، ولا أن تكون قادرة على إطعام 75 مليوناً، أو 100 مليون مع التقنيات الحديثة، ولا أن تستعيد موقعها الاقتصادي الإقليمي، كما قال أحمد الشرع، رئيس السلطة المؤقتة، في منتدى دبي الإعلامي قبل أيام، بل إن المشكلة حين تتحول الأحلام إلى بديل عن الحقائق، وأن تُستخدم الدعاية لتغطية واقع معيشي يزداد قسوة، فالاقتصاد لا يُقاس بحجم الوعود، وكثرة المؤتمرات والوفود، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج الثروة، وتوفير العمل، وحماية الدخل، وضمان الخدمات الأساسية.

في سورية اليوم، تتسع الفجوة بين الخطاب الذي يبشر بمستقبل وردي، والواقع الذي يواجه فيه المواطن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وضعف الخدمات، وهذه ليست فجوة إعلامية فحسب، بل أزمة في المصداقية والسياسة العامة، وفي قدرة السلطة المؤقتة القائمة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات دولة فاعلة.

أرقام الفقر ودخل المواطن

ولبيان الواقع الصعب للمواطن السوري، تقدم بيانات مركز البحوث السياسية السورية مؤشرات صادمة عن الوضع المعيشي. ففي مايو/أيار 2026، بلغ خط الفقر المدقع للأسرة المرجعية نحو 3.437 ملايين ليرة سورية قديمة شهرياً، أي ما يعادل تقريباً 254 دولاراً، بينما وصل خط الفقر الأدنى إلى 5.407 ملايين، أي ما يعادل 400 دولار، والأعلى إلى 7.464 ملايين، أي ما يعادل 552 دولاراً، وتفاوت خط الفقر المدقع بين المحافظات، إذ بلغ نحو 4.742 ملايين ليرة في دمشق، ما يعادل 351 دولاراً، مقابل 2.176 مليوناً في السويداء، ما يعادل 162 دولاراً.

كما أشار المركز إلى أن راتب موظف حكومي يحمل شهادة جامعية كان يغطي في أبريل/نيسان 2026 نحو 33.3% من خط الفقر المدقع للأسرة المرجعية، ولا تعني هذه المقارنة أن راتب الموظف يساوي دخل الأسرة بأكملها، لكنها توضح اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة. فحين لا يستطيع الدخل الثابت تغطية الاحتياجات الأساسية، تصبح أي زيادة في أسعار الطاقة أو الغذاء ضربة مباشرة للاستقرار الاجتماعي.

المحروقات.. صدمة تمتد إلى الاقتصاد كله

في 13 سبتمبر/أيلول الجاري، رفعت وزارة الطاقة السورية سعر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة للتر، بنسبة 40%، كما ارتفع بنزين أوكتان 95 إلى 195 ليرة، وأوكتان 90 إلى 185 ليرة. وبررت الوزارة القرار بارتفاع تكاليف تأمين المشتقات النفطية عالمياً، وبأعمال الصيانة في مصفاة بانياس التي زادت الاعتماد على الاستيراد، لكن المحروقات ليست سلعة استهلاكية معزولة، فهي تدخل في تكاليف النقل، والزراعة، والري، والتصنيع، والمولدات، والتدفئة، وسلاسل التوزيع، ولذلك تنتقل الزيادة إلى أسعار الخضار والمواد الغذائية، وأجور النقل، وكلفة الخدمات، وربما إلى انخفاض الإنتاج حين يعجز المنتج عن تمرير التكاليف إلى مستهلك فقد جزءاً كبيراً من قدرته الشرائية.

وقد رصدت الجزيرة، وهي قناة داعمة للسلطة المؤقتة في دمشق، في تقرير لها بتاريخ 16 أيلول/سبتمبر الجاري بعنوان «الناس لا تملك المال: ارتفاع أسعار الوقود السوري يعمق المعاناة الاقتصادية»، أن أجور بعض وسائل النقل في دمشق قد ارتفعت من 30 إلى 45 سنتاً، بينما نقلت عن تجار في سوق المزة بدمشق أن ارتفاعاً حاداً في تكاليف نقل المنتجات قد تم مؤخراً. كما أشارت إلى أن سورية تنتج نحو 100 ألف برميل من النفط الخام يومياً، مقابل احتياجات تقدر بنحو 300 إلى 325 ألف برميل من النفط والمنتجات النفطية، وفق تصريحات وزارة الطاقة، التي شكك عدد من الخبراء في صحة أرقامها نتيجة تناقض الأرقام التي أطلقها وزير الطاقة محمد البشير قبل أشهر، وأرقام مدير الشركة السورية للنفط يوسف قبلاوي - الأمريكي الجنسية.

ويكشف هذا الوضع تحدياً مزدوجاً: الاعتماد على واردات مكلفة من جهة، وضعف القدرة على حماية الأسر والقطاعات المنتجة من جهة أخرى. وليس كافياً إعلان أن الزيادة مؤقتة، لأن الصدمة المؤقتة قد تكون مدمرة لعائلة لا تملك مدخرات، أو لمزارع لا يستطيع تمويل موسم جديد، أو لمعمل صغير يعمل بهامش ربح محدود.

الكهرباء وفاتورتها.. كلفة تتجاوز العداد

تقدم الكهرباء مثالاً آخر على خطورة الإصلاحات السعرية حين تنفصل عن جودة الخدمة والقدرة الشرائية، فقد أشار مركز البحوث السياسية السورية إلى ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز والوقود بنسبة 48.9% على أساس سنوي في مايو/أيار 2026، كما سجلت مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود ارتفاعاً بلغ 58.5%، ولا تقتصر كلفة الكهرباء على الفاتورة الرسمية. فالانقطاعات تدفع الأسر وأصحاب الأعمال إلى شراء الوقود للمولدات، وتحمل تكاليف الصيانة، وتعويض ساعات العمل الضائعة، وفي الصناعة والزراعة، تؤدي الطاقة غير المستقرة إلى زيادة كلفة الإنتاج، وتعطيل المعدات، وتقليص القدرة على المنافسة.

وكنا قد تناولنا هذا الموضوع في التحقيق المنشور في ذا كريدل بتاريخ 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بعنوان: «صدمة الكهرباء في سورية».

يجادل العديد من الخبراء في أنه إذا كانت الدولة تسعى إلى إصلاح قطاع الكهرباء، فعليها نشر بيانات واضحة حول كلفة التوليد، والفواقد الفنية والتجارية، والتعرفة، وحجم الدعم، وجودة التغذية. أما رفع الفاتورة دون تحسين الخدمة ودون حماية ذوي الدخل المنخفض، فيحول المرفق العام إلى عبء إضافي على المواطن.

الشركات الأجنبية والاقتصاد الموعود

تحتاج سورية إلى رأس المال الأجنبي والتكنولوجيا والخبرات لإعادة الإعمار وتنشيط قطاعاتها الإنتاجية، لكن الاستثمار الأجنبي لا يصبح نجاحاً اقتصادياً بمجرد الإعلان عنه، ولا تكفي قيمة الاتفاقيات لإثبات تدفق رأس المال أو خلق فرص العمل، لأن المعيار الحقيقي هو: ما الذي ينتجه المشروع؟ كم فرصة عمل يوفر؟ ما نسبة القيمة المضافة المحلية؟ وما شروط العقد، وحقوق الدولة، والالتزامات الضريبية، والآثار البيئية والاجتماعية؟ كما إن غياب الشفافية في العقود الكبرى قد يخلق اقتصاداً يستفيد فيه أصحاب النفوذ والشركات المرتبطة بهم، بينما يتحمل المجتمع تكاليف الخصخصة أو استغلال الموارد، لذلك يجب نشر الاتفاقيات الأساسية، وإخضاعها للرقابة، وتحديد قواعد المنافسة ومنع الاحتكار، ويلاحظ أن الكثير من الاتفاقيات التي وقعت ليست سوى مذكرات تفاهم لا ترقى إلى مستوى اتفاقات ملزمة للأطراف.

اقتصاد السوق ليس انسحاباً للدولة

من المتعارف عليه أن اقتصاد السوق يعني الاعتماد على الأسعار والمنافسة والمبادرة الخاصة في تخصيص الموارد، لكنه لا يعني تخلي الدولة عن وظائفها الأساسية، فالدولة ليست شركة تجارية تسعى إلى تعظيم الإيرادات، بل مؤسسة عامة مسؤولة عن حماية القانون، وتوفير التعليم والصحة والبنية التحتية، وتنظيم المنافسة، وحماية الفئات الهشة، وهو رد على ما روجه بعض وزراء السلطة والاقتصاديين المقربين منها، خاصة أنه إذا أرادت السلطة الانتقال إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً، فعليها بناء قضاء موثوق، ومؤسسات رقابة مستقلة، وقواعد واضحة للملكية والاستثمار، وشبكات حماية اجتماعية. أما رفع الدعم أو تحرير الأسعار في بيئة تفتقر إلى المنافسة الفعلية، فقد يحول اقتصاد السوق إلى رأسمالية محاسيب، وهو ما يحدث بالفعل على أرض الواقع.

فائض القوة والسلوك الإطفائي

يجادل أحد الاقتصاديين السوريين الذين تواصلت معهم ذا كريدل - وطلب عدم الكشف عن هويته - أن الأزمة الاقتصادية في سورية تتجاوز مسألة الأرقام لتصل إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، ويضيف أن فهم «فائض القوة» بسبب الاحتضان الدولي والإقليمي باعتباره حالة سياسية تُعامل فيها أدوات السيطرة والنفوذ وكأنها بديل عن بناء الشرعية المؤسسية والاستجابة للمطالب الاجتماعية، هو فهم خاطئ تماماً، ومبالغ فيه، وقد كشفت احتجاجات أسعار الوقود قبل أيام عن اتساع الاحتقان في مناطق متعددة، وسجلت منظمة مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، المعروفة اختصاراً بـ ACLED، وفق تحليل نشرته في 17 سبتمبر/أيلول، 36 مظاهرة مرتبطة بزيادة أسعار الوقود في 13 سبتمبر/أيلول وحده.

ويتابع الاقتصادي السوري تصريحه لذا كريدل أن «السلوك الإطفائي» لن يساعد في معالجة مظاهر الاحتقان من خلال إجراءات مؤقتة، دون إصلاح الأسباب البنيوية التي أنتجته، وأشار للتدليل على ذلك إلى قرار الحكومة المؤقتة لاحقاً بطرح أسعار مدعومة للمازوت المخصص للتدفئة والزراعة وبعض القطاعات الإنتاجية، في محاولة لتخفيف آثار الزيادة. لكن هذه الخطوات، مهما كانت ضرورية، لا تعوض سياسة اجتماعية واقتصادية متكاملة. فالمواطن يحتاج إلى دخل قابل للعيش، وكهرباء مستقرة، وخدمات عامة، وقواعد عادلة لتوزيع الموارد.

التنمية لا تُبنى بالوعود

لا تُبنى الاقتصادات بالأمنيات، ولا تستعاد ثقة المجتمعات بالخطاب الدعائي، ولا تتحول الاتفاقيات الاستثمارية إلى تنمية بمجرد الإعلان عنها. فالفارق بين اقتصاد يتعافى واقتصاد يُدار بالأوهام يكمن في القدرة على إنتاج نتائج ملموسة، لا في حجم الوعود التي تُقدَّم للمواطن، والسلطة التي تطلب من مجتمع فقير أن يتحمل كلفة الإصلاح، بينما تعجز عن تقديم بيانات شفافة، وخدمات مستقرة، وأجور تحفظ الحد الأدنى من الكرامة، لا تواجه أزمة اقتصادية فحسب، بل تواجه أزمة في مفهوم المسؤولية العامة. فالدولة ليست شركة لتحصيل الإيرادات، ولا جهازاً لإدارة الاحتقان، ولا منصة علاقات عامة لتسويق مستقبل لم تُبنَ شروطه بعد، وإذا كان «فائض القوة» يتيح للسلطة تأجيل الاستحقاقات، فإن الواقع الاقتصادي يفرض امتحاناً لا يمكن احتواؤه إلى ما لا نهاية بالحلول الإطفائية. فالفقر المتراكم، واتساع الفجوات التنموية، وانهيار القدرة الشرائية، وتدهور الخدمات، ليست أزمات منفصلة يمكن إخمادها واحدة تلو الأخرى، بل مؤشرات على خلل بنيوي في طريقة إدارة الدولة والاقتصاد، كما إن الانتقال من اقتصاد الأحلام إلى اقتصاد الواقع يتطلب الاعتراف بحجم الانهيار، والكف عن تقديم التوقعات بوصفها إنجازات، وإخضاع الموارد والعقود والسياسات للمساءلة. أما الاستمرار في بيع صورة وردية لمواطن يواجه كلفة الغذاء والطاقة والنقل من دخله المتآكل، فلن ينتج نهضة اقتصادية، بل سيعمّق الفجوة بين السلطة والمجتمع.

فالمستقبل الاقتصادي لسورية لن تصنعه الدعاية، بل مؤسسات قادرة على تحويل القوة إلى مسؤولية، والاستثمار إلى إنتاج، والإيرادات إلى خدمات، والنمو إلى حياة أفضل. وحين يصبح الواقع أكثر قسوة من الأحلام، فإن أول شروط الإنقاذ ليس تجميل الصورة، بل مواجهة الحقيقة.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.