مقالات

الأمم المتحدة في عالم بلا قواعد.. أي مستقبل؟

post-img

أ. د. حمدي عبد الرحمن حسن (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)

مع انتهاء الولاية الثانية لأنطونيو غوتيرش في 31 ديسمبر 2026 تستعد الأمم المتحدة لاختيار أمينها العام العاشر وفي سباق قد ينتهي للمرة الأولى باختيار امرأة لقيادة المنظمة. لكن السؤال الأهم يتمثل في طبيعة أزمة الأمم المتحدة: هل تكمن فيمن يقودها أم في منظومة دولية فقدت قدرتها على التعامل مع التحولات والصراعات الكبرى؟

من المعلوم أن المنظمة الأممية دخلت عقدها التاسع وقد وصلت إلى حالة لم يكن من المتصور أن يتخيلها مؤسسوها في سان فرانسيسكو خلال الفترة من 25 أبريل إلى 26 يونيو 1945: فهي اليوم محاصرة مالياً، وعاجزة سياسياً، وتتعامل معها القوى التي أنشأتها -بشكل متزايد- باعتبارها عبئاً ثقيلاً وليس أداة فاعلة في تحقيق السلم والأمن الدوليين. وقد أقر الأمين العام بأن مجلس الأمن أصيب بالشلل فعلاً بسبب الانقسامات الجيوسياسية التي شهدتها السنوات العشر الماضية؛ وهو شلل يتجلى بوضوح في استخدام حق النقض مراراً وتكراراً بشأن قضايا بالغة الحساسية مثل أوكرانيا وغزة، وفي أزمة المتأخرات المالية، حيث أن واشنطن وحدها مدينة للمنظمة الدولية بمليارات الدولارات، فضلاً عن انسحابها -كلياً أو جزئياً- من أكثر من ثلاثين هيئة تابعة للمنظمة، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، واليونسكو، ومجلس حقوق الإنسان.

ولم يعد السؤال المطروح في الندوات والحوارات المتعلقة بمستقبل التنظيم الدولي -من ساو باولو إلى بريتوريا ونيودلهي- يدور حول ما إذا كانت الأمم المتحدة تعاني من عيوب يمكن إصلاحها، فهذا أمر لم يكن محل شك قط، بل عما إذا كان بإمكانها الصمود أصلاً في عالم مضطرب توقف عن التظاهر بالإيمان بالقواعد التي أُنشئت المنظمة لدعمها والحفاظ عليها.

وفي هذا السياق، أود أن أطرح وجهة نظر مفادها أن أزمة الأمم المتحدة ليست، في جوهرها، أزمة تتعلق بالتصميم المؤسسي والإداري، بل هي أزمة تمثيل وتعبير عن حقيقة ميزان القوى الدولي الراهن. فقد تأُسست المنظمة عام 1945 على يد القوى المنتصرة في حرب دارت رحاها - إلى حد كبير- بين الدول الغربية بما في ذلك الاتحاد السوفيتي، ولم يُعاد بناؤها بشكل جوهري لتعكس العالم الذي نعيش فيه ويشهد صعود آسيا وقوى الجنوب العالمي. ويشير بعض كتّاب التنظيم الدولي إلى طغيان الجوانب السياسية التي تعبر عن مصالح الدول الأعضاء وذلك على حساب منظومة القيم الطموحة التي تجسد مُثُل وقيم الميثاق، وأن المنظمة –تاريخياً - لم تكن قادرة على فعل أي شيء في النزاعات التي تتورط فيها القوى العظمى سواء بشكل مباشر أو غير مباشر إلا ما يتوافق مع مصالح تلك القوى. لقد كان هذا صحيحاً خلال الحرب الباردة الأولى، ولا يزال صحيحاً -وبشكل أكثر حدة- في المرحلة الحالية من تطور النظام الدولي.  

 معادلة حسابية لم تعد مقبولة

إن الأمر هو جد مختلف اليوم، حيث أن وهم القواعد العالمية أصبح من الصعب الحفاظ عليه؛ إذ تشغل القوى الغربية - بالإضافة إلى روسيا - أربعة مقاعد دائمة تتمتع بحق النقض، مقابل عدم وجود أي مقعد لأفريقيا أو أمريكا اللاتينية، وهناك مقعد واحد فقط يمثل قارة آسيا بأكملها. لقد وصف غوتيريش نفسه هذه المعادلة الحسابية بأنها غير قابلة للتبرير؛ إذ يشير إلى أن أوروبا لا تشكل ثلاثة أخماس العالم. ومع ذلك، تظل هذه المعادلة قائمة لأن إصلاحها يتطلب موافقة الأطراف المستفيدة منها تحديداً. فالقوة -كما عبّر عنها بصراحة لافتة- لا تُمنح أبداً، بل يجب انتزاعها غلابا. والسؤال الذي ينبغي أن يشغل بال دارسي العلاقات الدولية في دول الجنوب العالمي هو هذا السؤال بالذات: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يوحد جهوده من أجل انتزاع ما لا يُتوقع أن يُمنح له طواعية؟

لننظر في نمط استخدام حق النقض أو الفيتو ذاته؛ فقد حمت روسيا نفسها من الإدانة بسبب احتلالها لأراضٍ أوكرانية، بينما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض مراراً لحماية إسرائيل من إجراءات مجلس الأمن المتعلقة بقطاع غزة. لقد كان يكفي وجود عضوين دائمين يعملان وفقاً لمصالحهما المباشرة لشلّ عمل الهيئة المنوط بها حفظ السلم والأمن الدوليين؛ وهي النتيجة ذاتها التي كان ينبغي لواضعي ميثاق الأمم المتحدة توقعها، لكنهم اختاروا -لأسباب تتعلق بمصالحهم الخاصة عام 1945- السماح بحدوثها. والنتيجة - كما لاحظ الأمين العام نفسه - هي شعور بالإفلات من العقاب يتجاوز الآن الأطراف التي حظيت بالحماية المباشرة؛ فإذا كان بوسع موسكو وواشنطن حماية حلفائهما من التبعات، فلماذا قد تتوقع الخرطوم، أو أطراف الحرب في السودان، أو السلطات العسكرية في ميانمار، شيئاً مختلفاً؟

وهنا، يستحق "توافق إيزولويني" الصادر عن الاتحاد الأفريقي والذي تم إقراره في سوازيلاند (إسواتيني حالياً) عام 2005 اهتماماً أكبر مما يتلقاه عادةً في التحليلات الغربية. فالمطالبة بمقعدين دائمين على الأقل لأفريقيا -مع كامل حقوق النقض- إلى جانب مقاعد إضافية غير دائمة، ليست مجرد لفتة رمزية؛ بل هي إقرار بحقيقة أن أربعاً وخمسين دولة -وهي الكتلة الإقليمية الأكبر في الجمعية العامة- لا يمكن مطالبتهما إلى ما لا نهاية بقبول قرارات تتعلق بالحرب والسلم والقانون الدولي دون أن يكون لها صوت مؤسسي في صياغتها. إن الاستعداد المتزايد لدى هذه المجموعة للتحدث بصوت موحد -أو ما يقارب ذلك- ورفضها الاكتفاء بترديد مواقف القوى الاستعمارية السابقة، يُعدان من أهم التحولات في دبلوماسية الأمم المتحدة خلال العقد الماضي، حتى وإن لم تتصدر هذه التحولات عناوين الأخبار التي تستحوذ عليها عادةً قرارات استخدام حق النقض في مجلس الأمن. وإلى جانب المقترح الأفريقي، توجد مقترحات أخرى تستحق أن ينظر إليها بجدية عند التعامل معها: ولعل من بين المبادرات الرامية إلى الحد من استخدام حق النقض، المبادرة الفرنسية المكسيكية التي تدعو الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن إلى الالتزام طوعاً وجماعياً بالامتناع عن استخدامه في حالات الفظائع الجماعية. كما اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يقضي بعقد مناقشة رسمية في الجمعية العامة كلما استخدم أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن حق النقض. وكلا المقترحين لا يقتضيان تعديل ميثاق الأمم المتحدة. إذ يعمل كلاهما، بدأب، على تقويض ثقافة الإفلات من العقاب التي سمح بند "حق النقض" الوارد في الميثاق بترسيخها وتدعيم أركانها.

إنجازات الدبلوماسية الهادئة في الماضي

لا شيء يمكن أن يعفي القوى الكبرى من مسئوليتها عن حالة الشلل التي تسببت هي نفسها فيها. ولكن ثمة درساً يمكن تعلمه من سيرة الأمم المتحدة. على سبيل المثال كانت دبلوماسية حقبة الحرب الباردة الأولى تدرك طبيعة عمل الأمم المتحدة بشكل أفضل مما ندركه في وقتنا الراهن؛ إذ لم تتحقق إنجازات الأمم المتحدة الحقيقية عبر المناشدات العلنية أو الوعظ الأخلاقي. وتُظهر الخبرة التاريخية للأمم المتحدة أن فاعلية المنظمة في تسوية النزاعات لم تعتمد دائماً على القرارات العلنية لمجلس الأمن، بل ارتبطت في حالات مهمة بقدرة ممثليها وأمنائها العامين على ممارسة الوساطة والدبلوماسية الهادئة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الدور الذي اضطلع به رالف بانش، بصفته وسيط الأمم المتحدة بالإنابة في فلسطين، في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948. فقد أدار بانش مفاوضات مكثفة مع الأطراف المتحاربة، جمعت بين اللقاءات المنفصلة والمشاورات غير الرسمية والاجتماعات المشتركة، وأسهمت في التوصل إلى اتفاقيات الهدنة لعام 1949 بين إسرائيل وكل من مصر ولبنان والأردن وسوريا. وقد أبرزت هذه التجربة قدرة الوساطة الأممية على توفير مساحة تفاوضية أكثر مرونة من المواجهات الدبلوماسية العلنية وحده.

وتجلى هذا الدور مرة أخرى خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، عندما تدخل الأمين العام يو ثانت في لحظة بلغت فيها المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي مستوى بالغ الخطورة. فقد وجّه نداءات مباشرة إلى الرئيس الأمريكي جون كينيدي والزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف، واقترح وقفاً مؤقتاً للإجراءات التصعيدية بهدف إتاحة الوقت للتفاوض. وأسهمت اتصالاته ومقترحاته، إلى جانب القنوات الثنائية بين واشنطن وموسكو، في توفير حيز دبلوماسي ساعد الطرفين على تجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية أوسع.

كما برز دور الأمين العام في إنهاء الحرب العراقية الإيرانية. فبعد سنوات من القتال وتعثر جهود التسوية، تبنى مجلس الأمن القرار 598 عام 1987، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار وتسوية النزاع بالوسائل السلمية. وتولى الأمين العام خافيير بيريز دي كوييار، من خلال مفاوضات واتصالات مكثفة مع الحكومتين الإيرانية والعراقية، العمل على تنفيذ القرار وتقريب مواقف الطرفين، إلى أن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 20 أغسطس 1988، بعد ما يقرب من ثماني سنوات من الحرب.

تكشف هذه الحالات عن جانب مهم من الدور السياسي للأمين العام للأمم المتحدة: فإلى جانب القرارات الرسمية والمداولات العلنية، يستطيع الأمين العام أن يؤدي دوراً أكثر مرونة من خلال ما يُعرف بـالمساعي الحميدة، أي استخدام موقعه واستقلاليته النسبية وقنوات الاتصال المتاحة له لتسهيل الحوار، ونقل المقترحات، وتقريب المواقف، وتهيئة الظروف للتسوية. وكما تناول  الكتاب دور المساعي الحميدة للأمين العام، تكمن أهمية هذا الدور في قدرة الأمين العام على العمل، عند الضرورة، بعيداً عن ضغوط المواقف العلنية، من دون أن يعني ذلك الاستغناء عن مجلس الأمن أو المؤسسات الرسمية للأمم المتحدة، بل استكمال عملها بأدوات دبلوماسية أكثر مرونة وسرية.

في المقابل، ووفقاً لروايته الشخصية وتقييم معظم المراقبين، تصرف غوتيريش فيما يصفه البعض بأنه دور "البابا العلماني": سيل من التصريحات وشحّ في التنفيذ. فقد أطلق -بحسب أحد التقديرات- أكثر من اثنتي عشرة "خطة عمل" خلال فترة ولايته، لم يحرز سوى القليل منها تقدماً ملموساً نحو التنفيذ. ولا يعود الأمر إلى قصور شخصي بقدر ما ينبع من إغراء هيكلي؛ إذ يجد الأمين العام -الذي يفتقر  إلى وجود موقف موحد من مجلس الأمن- في المناصرة العلنية وسيلةً أكثر إرضاءً وأكثر بروزاً من العمل البطيء -وغالباً غير المُقدَّر- المتمثل في الوساطة الهادئة، رغم أن هذا العمل الأخير هو الذي أثمر نتائج حقيقية تاريخياً. ويقدم التباين مع الولاية الأولى المنضبطة لكوفي عنان، أو مع فترة ولاية بان كي مون التي اتسمت بتجنب الأضواء عمداً، دروساً مهمة؛ فكوفي عنان، حين انتقل إلى مرحلة الإدانة العلنية لغزو العراق عام 2003، وجد نفسه على خلاف مع واشنطن طوال ما تبقى من ولايته، وواجه صعوبة بالغة بعد ذلك في التوسط لإبرام أي اتفاق. أما بان كي مون -الذي تعرض لانتقادات في بعض الأوساط لكونه شخصية باهتة- فقد غادر منصبه دون أن يشهد أي قطيعة مماثلة؛ وهو إنجاز قد يبدو متواضعاً، لكنه حقيقي.

 من إعلان المبادئ إلى تجديد صناعة القواعد الدولية

ليس بخافٍ أن ميثاق المستقبل، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2024، يواجه اختباراً يتجاوز أهمية التوافق السياسي الذي صاحب إقراره إلى قدرة المنظمة والدول الأعضاء على تحويل التزاماته إلى نتائج مؤسسية وقانونية ملموسة. فقد تضمن الميثاق تعهدات واسعة تتعلق بمنع النزاعات وبناء السلام، وضمان احترام القانون الدولي، وتطوير عمليات الأمم المتحدة للسلام لتصبح أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات التي يشهدها النظام الدولي. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الالتزامات ستتوقف على تنفيذها بصورة متكررة ومستدامة، من خلال إصلاحات عملية قد تكون أقل وضوحاً من البيانات والقمم الدولية، لكنها أكثر قدرة على إحداث تغيير مؤسسي طويل الأمد.

وينطبق الأمر نفسه على وظيفة الأمم المتحدة في التطوير التدريجي للقانون الدولي وتقنينه. فقد أدت اللجنة السادسة للجمعية العامة ولجنة القانون الدولي تاريخياً دوراً أساسياً في بلورة العديد من المبادئ التي أصبحت جزءاً من البنية القانونية للنظام الدولي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك إسهام أعمال لجنة القانون الدولي في تطوير مفهوم القواعد الآمرة في القانون الدولي العام، الذي وجد تعبيراً قانونياً بارزاً في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، ثم عاد ليكون موضوعاً مستقلاً لعمل اللجنة، التي اعتمدت في عام 2022 استنتاجات بشأن كيفية تحديد هذه القواعد وآثارها القانونية.

ولا يعني ذلك أن نشاط التقنين الدولي توقف منذ سبعينيات القرن العشرين. فقد واصلت لجنة القانون الدولي عملها في موضوعات جوهرية، من مسئولية الدول وتحديد قواعد القانون الدولي العرفي إلى الجرائم ضد الإنسانية وحماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة. بيد أن المشكلة الأكثر إلحاحاً تكمن في اتساع الفجوة بين إنتاج الصيغ القانونية والمبادئ التفسيرية من جهة، وبين تحويلها إلى قواعد تعاهدية ملزمة تحظى بقبول سياسي واسع النطاق من جهة أخرى. ومن ثم، فإن التحدي لا يتمثل في غياب النشاط القانوني بقدر ما يتمثل في قدرة مؤسسات الأمم المتحدة على مواكبة التحولات السريعة في بنية القوة الدولية وصياغة توافقات جديدة حول مضمون القواعد المشتركة.

وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة في ظل تزايد الخلاف حول معنى النظام الدولي القائم على القواعد نفسه. فروسيا، التي باتت تقدم نفسها رسمياً بوصفها  دولة حضارة  ذات مسار تاريخي وقيمي متميز، والصين، التي تركز في خطابها الدولي على تنوع الحضارات ورفض فرض نموذج سياسي أو قيمي واحد، تدفعان باتجاه تصور أكثر تعددية للنظام الدولي. وتؤكد الدولتان في الوقت نفسه تمسكهما بميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، إلا أنهما تعترضان على تفسير بعض القيم والمعايير الليبرالية باعتبارها قواعد عالمية ملزمة، وترفضان ما تصفانه باستخدام الديمقراطية وحقوق الإنسان لفرض نماذج سياسية أو التدخل في الشئون الداخلية للدول.

وهنا تبرز معضلة جوهرية: فالنظام القائم على القواعد لا يستطيع الحفاظ على شرعيته بمجرد تكرار الإشارة إلى قواعد صيغ كثير منها في مراحل سابقة من تطور النظام الدولي. بل يحتاج إلى عملية مستمرة لتطوير هذه القواعد وتفسيرها وإعادة بناء التوافق حولها في ضوء التحولات السياسية والتكنولوجية والاقتصادية الجديدة. وفي غياب مثل هذه العملية، تتسع المساحة أمام القوى الكبرى لتقديم تفسيرات متنافسة لمضمون النظام الدولي، بحيث يتحول الخلاف من مسألة الالتزام بالقواعد إلى صراع أعمق حول من يملك سلطة تعريف هذه القواعد وتحديد نطاق عالميتها.

ملامح المستقبل

إذن، كيف ينبغي أن تبدو الأمم المتحدة في العقد المقبل؟ من خلال تركيزي على قضايا الاقتصاد السياسي للجنوب العالمي خلال الفترة الماضية يمكن تصور ثلاثة أمور ستكون أكثر أهمية من أي إعادة هيكلة شاملة أو كبرى للمنظمة الدولية:

أولاً، يتعين على الأمم المتحدة ألا تعامل الهيئات الإقليمية - وعلى رأسها الاتحاد الأفريقي، وكذلك اللجان الآسيوية والأمريكية اللاتينية - باعتبارها مجرد جهات منفذة لمهام حفظ السلام التي تعاني من نقص التمويل، وهو المسار الذي انحرفت إليه مقترحات غوتيريش حتى ولو عن غير قصد، بل كشركاء حقيقيين لهم حق متزايد في المشاركة في صنع القرار، وليس فقط في تحمل التكاليف. إن تحميل الاتحاد الأفريقي أعباء تكاليف حفظ السلام مع حرمانه من صوت موازٍ في مجلس الأمن يقلب رأساً على عقب طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تتمخض عنها عملية الإصلاح.

ثانياً، يجب استئناف عملية تعزيز ودعم القانون الدولي، التي ظلت جامدة طوال جيل كامل؛ فالمؤسسات التي أُنشئت لترسيخ التوافق الدولي لا يمكنها العمل بشكل تلقائي ومستمر دون توجيه، وإذا تُركت معطلة، فإنها تفسح المجال للدول الراغبة في إعادة صياغة مفاهيم "القواعد" بما يخدم مصالحها الخاصة.

ثالثاً، وهو الأمر الأكثر جوهرية، لا بد وأن تتغيّر الحسابات الهيكلية لمجلس الأمن - ليس لأن الأعضاء الدائمين الحاليين راغبون في ذلك، بل لأن الإبقاء على الوضع الراهن سيحوّل المجلس تدريجياً إلى هيئة تتحدث باسم شريحة متقلصة في عالم متعدد الأقطاب، وهو مصير أشد إذلالاً وأطول أمداً من أي أزمة منفردة قد تعصف به.

ختاماً، يمكن القول إن الأمم المتحدة نجت من قبل في ظل ظروف عالمية معادية؛ فقد صمدت خلال الحرب الباردة التي دأب خلالها أقوى عضوين فيها علناً على تقويض مبادرات بعضهما البعض، وتجاوزت مرحلة التهميش التي تلت غزو العراق عام 2003، كما نجت - وإن بصعوبة بالغة - من غياب التمويل الأمريكي شبه الكامل الذي يصفه غوتيريش الآن بأنه انهيار مالي وشيك. ولم يتحقق البقاء في كل تلك الحالات بفضل الوضوح الأخلاقي، بل بفضل العمل الدبلوماسي الدؤوب وغير البراق الذي مارسته أطراف تحلت بالصبر الكافي لانتظار تحول موازين القوى لصالحها. إن أفريقيا وآسيا - اللتين يفوق مجموع سكانهما وثقلهما الاقتصادي اليوم وبشكل كبير القوى المؤسسة عام 1945 - تمتلكان أوراق ضغط في هذا الصراع البطيء، شريطة أن تكونا مستعدتين لاتخاذ مسار الإصلاحات الداخلية كركيزة للمطالبة بمجلس أمن وأمم متحدة يعكسان أخيراً صورة العالم الذي تزعم المنظمة أنها تخدمه.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.