د. شاهر الشاهر (المركز الديمقراطي العربي)
زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الرياض في السادس من تشرين الأول/أكتوبر لم تكن زيارة ثنائية منفصلة عن التحولات العسكرية التي تضرب الإقليم. جاءت الزيارة بعد يوم واحد من اجتماع اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لاتفاق مكة، الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان، وقرر الانتقال إلى التطبيق العملي للالتزامات الدفاعية، بما في ذلك توفير قوات وقدرات عسكرية ونشرها سريعاً في السعودية. [1]
في هذا التوقيت تحديداً، يصبح السؤال عن موقع سوريا في المنظومة الجديدة أكثر أهمية من السؤال عن نتائج زيارة الرياض نفسها. فدمشق تقف أمام معادلة دقيقة: دولة خارجة من حرب طويلة، تعيد بناء مؤسساتها وجيشها، وتواجه تحديات داخلية في الجنوب والشمال، بينما تتعرض أراضيها لضغوط عسكرية إسرائيلية متواصلة، وفي الوقت نفسه تريد أن تستعيد موقعها كدولة فاعلة في البيئة العربية.
السؤال الحقيقي إذن ليس ما إذا كانت سوريا ستصبح غداً عضواً رابعاً في تحالف مكة، وإنما أي نوع من الشراكة تستطيع دمشق أن تقيمها مع هذا التحالف من دون أن تتحول إلى طرف في حرب لا تملك بعد أدواتها السياسية والعسكرية لخوضها.
أولاً: تحالف مكة ليس مفتوحاً بالضرورة لسوريا
اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب/أغسطس 2026 يقوم على قاعدة واضحة: أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجوماً على الجميع، مع تطوير التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية والتنسيق السياسي والأمني. وفي نهاية آب/أغسطس بدأت الدول الثلاث بالفعل في بناء الأمانة المؤسسية للاتفاق وتطوير آليات التعاون الدفاعي. [2]
هذه النقطة مهمة لأن التحالف، حتى الآن، ليس إطاراً إسلامياً عاماً يمكن لأي دولة أن تنضم إليه بمجرد التقارب السياسي مع أعضائه. هو اتفاق دفاعي ثلاثي له التزامات محددة، وقد بدأ يتحول إلى مؤسسة أمنية لها هياكلها وآلياتها. ولذلك فإن الحديث عن انضمام سوريا إليه يحتاج إلى التمييز بين ثلاثة مستويات: عضوية رسمية، وشراكة أمنية، وتنسيق سياسي وعسكري من دون عضوية.
لا توجد، حتى الآن، مؤشرات رسمية معلنة على أن السعودية أو تركيا أو باكستان قررت دعوة سوريا إلى العضوية. وما صدر عن الرياض بعد زيارة الشرع ركز على العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والتعاون الذي يخدم الأمن والاستقرار، وليس على إعلان عضوية سورية في اتفاق مكة. [3]
لكن غياب الدعوة العلنية لا يعني أن دمشق خارج الحسابات. فسوريا تمتلك موقعاً جغرافياً لا يمكن تجاهله في أي هندسة أمنية جديدة للشرق الأوسط. حدودها مع تركيا، وقربها من العراق والأردن وشرق المتوسط، واتصالها الجغرافي بالمشرق، تجعل استقرارها جزءاً من الأمن الإقليمي حتى لو لم تكن عضواً في أي تحالف دفاعي.
وهنا تكمن مصلحة الدول الثلاث في سوريا: ليست بالضرورة في الحصول على جيش سوري يقاتل إلى جانبها، بل في وجود دولة سورية مستقرة، قادرة على ضبط حدودها، ومؤسساتها الأمنية والعسكرية تعمل تحت سلطة مركزية، ولا تتحول أراضيها إلى مساحة مفتوحة للجماعات المسلحة أو القوى الإقليمية المتنافسة.
السعودية تحديداً لديها مصلحة في استقرار سوريا وإعادة إدماجها عربياً. وقد دعمت الرياض خلال العام الحالي خطوات توحيد المؤسسات السورية، ورحبت باندماج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة، كما رحبت بقرار الولايات المتحدة إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب. [4]
من هذه الزاوية، يمكن أن تكون سوريا شريكاً استراتيجياً لتحالف مكة من دون أن تكون عضواً فيه. وقد يكون هذا الشكل أكثر ملاءمة لدمشق في المرحلة الحالية.
ثانياً: ماذا تقدم سوريا وماذا تحصل عليه؟
إذا كان هناك مسار لتوسيع التعاون بين سوريا والسعودية وتركيا وباكستان، فإن قيمة سوريا بالنسبة إلى هذا المسار لن تكون في حجم قواتها فقط. الجيش السوري نفسه لا يزال في طور إعادة البناء بعد سنوات الحرب، وعملية دمج الفصائل المسلحة السابقة في مؤسسة عسكرية وطنية لم تكتمل بصورة نهائية، كما أن ملفي السويداء والمناطق الكردية ما زالا يمثلان اختباراً لمدى قدرة الدولة المركزية على توحيد المجال الأمني والسياسي. [5]
لهذا السبب، سيكون من الخطأ التعامل مع سوريا باعتبارها قوة عسكرية جاهزة لتصدير آلاف الجنود إلى ساحات أخرى.
ما تستطيع دمشق تقديمه في المرحلة الأولى هو شيء مختلف: الموقع الجغرافي، المعلومات الأمنية، ضبط الحدود، مكافحة تنظيم الدولة والجماعات العابرة للحدود، التعاون الاستخباراتي، وإعادة بناء شبكة عربية للتنسيق الأمني. كما يمكن لسوريا أن توفر عمقاً سياسياً عربياً لأي ترتيبات تستهدف حماية أمن المنطقة من دون أن تكون مهمتها الأساسية خوض حروب بالوكالة.
وفي المقابل، تستطيع السعودية تقديم ما تحتاجه دمشق بشدة: التمويل والاستثمار، الدعم السياسي العربي، المساعدة في إعادة الإعمار، وتوسيع شبكة العلاقات العربية والدولية التي تحتاج إليها الدولة السورية في مرحلة الانتقال.
أما تركيا فتملك أدوات مختلفة: الخبرة الأمنية والعسكرية، النفوذ على الفصائل السورية السابقة، الحدود الطويلة مع سوريا، والقدرة على المساهمة في إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية والأمنية السورية. وهي في الوقت نفسه صاحبة مصلحة مباشرة في ألا تعود سوريا إلى حالة الفوضى التي تسمح بظهور كيانات مسلحة مستقلة على حدودها.
أما باكستان، فإن دورها سيكون أقل اتصالاً بالداخل السوري وأكثر ارتباطاً بالبعد العسكري الأوسع للتحالف، ولا سيما في مجال التدريب والخبرة العسكرية والتعاون الدفاعي. وهذا يجعل العلاقة السورية مع الدول الثلاث مختلفة في طبيعتها، وليس من الضروري أن تكون متطابقة مع طبيعة العلاقة التي تجمع أعضاء التحالف بعضهم ببعض.
لكن مقابل كل هذه المكاسب توجد محاذير واضحة. دخول سوريا في تحالف دفاعي في هذه المرحلة قد يضعها أمام التزامات عسكرية أكبر من قدرتها، ويجعل أي مواجهة في اليمن أو الخليج أو البحر الأحمر ذات انعكاس مباشر على الأمن السوري. كما أن دمشق لا تستطيع أن تبني سياستها الخارجية الجديدة على قاعدة الدخول المتزامن في عدة صراعات إقليمية بينما لم تستكمل بعد بناء توازن داخلي مستقر.
ثالثاً: اليمن هو الاختبار الأصعب
التقارير التي ظهرت بعد زيارة الشرع إلى الرياض تحدثت عن بحث إمكانية تقديم سوريا مساعدة عسكرية للسعودية في مواجهة الحوثيين، بل تحدث بعضها عن احتمال إرسال قوات سورية إلى اليمن. لكن دمشق نفت أن تكون الرياض قد طلبت منها إرسال قوات، وقال مسؤول سوري إن أي تعاون عسكري محتمل سيكون عبر القنوات الرسمية وفي إطار الاتفاقات الثنائية بين البلدين. [6]
هذه التفاصيل مهمة، لأنها تكشف أن فكرة المشاركة السورية في اليمن موجودة في النقاش السياسي، لكنها لم تتحول إلى قرار معلن.
من الناحية العسكرية، تستطيع سوريا نظرياً إرسال مقاتلين. لكن السؤال السياسي والاستراتيجي مختلف تماماً: هل تستطيع الدولة السورية تحمل كلفة ذلك؟
الجيش السوري الجديد لم يُبنَ بعد على نموذج مؤسسة عسكرية مستقرة لها عقيدة قتالية موحدة وسجل طويل من العمل المؤسسي. هو نتاج عملية دمج لقوى مسلحة مختلفة خرجت من الحرب، وبعض الترتيبات الخاصة بالمؤسسة العسكرية والأمنية لا تزال في طور التشكيل. إرسال قوة سورية كبيرة إلى اليمن يعني إخراج جزء من هذه القوة من البيئة التي يفترض أن تقوم فيها بمهمة بناء الدولة السورية نفسها.
وهناك محاذير أخرى. الحرب اليمنية ليست حرباً تقليدية يمكن اختصارها في مواجهة بين جيشين. الحوثيون يمتلكون خبرة طويلة في حرب الصواريخ والطائرات المسيّرة والقتال الجبلي، وقد أثبتوا قدرتهم على استنزاف خصوم أقوى عسكرياً. كما أن التدخل السوري سيضيف بعداً جديداً إلى علاقة دمشق بإيران وحلفائها، حتى لو كانت العلاقات السورية الإيرانية قد تغيرت جذرياً بعد سقوط النظام السابق.
لهذا يبدو الفرق كبيراً بين إرسال خبراء دفاع جوي أو وحدات محدودة لحماية منشآت سعودية، وبين إرسال آلاف الجنود إلى الأراضي اليمنية.
الأول يمكن تقديمه باعتباره مساهمة في الدفاع عن السعودية، وهو ما يتوافق مع الخطاب الذي تبنته تركيا داخل اتفاق مكة. أما الثاني فيعني أن سوريا أصبحت طرفاً مباشراً في حرب اليمن، وهي خطوة تحمل أثماناً سياسية وعسكرية أكبر بكثير.
وهنا تبرز المقارنة مع تركيا وباكستان. أنقرة أعلنت في 8 تشرين الأول/أكتوبر أنها تبحث تقديم دعم دفاعي وتقني للسعودية، مثل الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والدعم الفني، مع تأكيد وزير خارجيتها هاكان فيدان أن تركيا لا تعتزم القيام بعمليات هجومية أو إرسال قوات لخوض هجوم. [7]
هذه الصيغة قد تكون أقرب إلى ما تستطيع دمشق القيام به في المرحلة الحالية: مساعدة دفاعية محدودة، تبادل معلومات، حماية منشآت، أو مساهمة تقنية، بدلاً من تحويل الجيش السوري إلى قوة برية تعمل في اليمن.
أما باكستان، فإن مشاركتها تقع ضمن التزام اتفاق مكة بالدفاع الجماعي عن السعودية، وليس بالضرورة ضمن قرار الدخول في حرب برية مفتوحة في اليمن. وهذا التفريق هو الذي ينبغي أن يحكم التفكير في الدور السوري أيضاً.
رابعاً: إسرائيل تجعل المعادلة السورية مختلفة
هناك سبب آخر يجعل انتقال سوريا بسرعة إلى دور عسكري خارجي أمراً معقداً: إسرائيل. ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن احتمال إرسال قوات سورية إلى اليمن، ما تزال إسرائيل تنفذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية، ولا سيما في الجنوب، كما تحتفظ بقوات في مناطق من جنوب غربي سوريا سيطرت عليها بعد سقوط بشار الأسد. وقد حذرت لجنة تابعة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر من أن العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا أصبحت أكثر استمراراً وترسخاً، فيما تستمر الاتصالات السورية الإسرائيلية بوساطة أمريكية حول ترتيبات أمنية. [8]
وهذا يضع دمشق أمام مفارقة استراتيجية صعبة. كيف يمكن لدولة تواجه اعتداءات وتوغلات عسكرية على حدودها الجنوبية أن تنقل جزءاً من قدراتها إلى حرب في اليمن؟
من منظور الأمن القومي السوري، الأولوية الطبيعية هي بناء القدرة على حماية الدولة والحدود، لا توزيع القوة المحدودة على أكثر من مسرح.
لكن المسألة لا تتعلق فقط بالقدرة العسكرية. فالسعودية وتركيا وباكستان نفسها أدانت في آب/أغسطس الضربات الإسرائيلية على سوريا، وطالبت باحترام سيادة الأراضي السورية والعودة إلى ترتيبات فض الاشتباك لعام 1974. [9] وهذا يعني أن قضية سوريا ليست منفصلة عن الأمن الذي يحاول تحالف مكة بناءه، حتى لو لم تصبح دمشق عضواً فيه.
ربما يكون أحد أهم الأدوار التي يمكن أن تلعبها سوريا في المرحلة المقبلة هو تحويل قضية أمنها إلى قضية أمن إقليمي، بحيث يصبح استمرار الضربات والتوغلات داخل الأراضي السورية مشكلة عربية وإسلامية ودولية، وليس ملفاً سورياً إسرائيلياً منفرداً. وهذا يتطلب من دمشق أن تمتلك شبكة علاقات واسعة، لا أن تدخل في محور مغلق.
خامساً: تركيا وباكستان والسعودية تريد سوريا مستقرة أكثر مما تريد سوريا مقاتلة
إذا نظرنا إلى المصالح الفعلية للدول الثلاث، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً. السعودية تحتاج إلى محيط عربي مستقر، وتركيا تحتاج إلى حدود سورية مستقرة ودولة سورية موحدة، وباكستان معنية بتعزيز منظومة الدفاع التي ترتبط بها مع الرياض. أما تحويل سوريا إلى قوة قتالية إضافية في اليمن، فهو خيار له فوائد محتملة، لكنه يحمل أيضاً مخاطر كبيرة على الدولة السورية نفسها.
لهذا من الصعب افتراض أن أعضاء تحالف مكة يريدون بالضرورة إدخال سوريا كعضو كامل في الاتفاق في هذه المرحلة. قد يكون ما تحتاجه الرياض وأنقرة وإسلام آباد من دمشق هو التعاون وليس العضوية؛ الشراكة وليس الالتزام التلقائي بالدفاع عن كل عضو؛ والتنسيق وليس فتح جبهة جديدة.
وهذه الصيغة قد تكون أيضاً أكثر فائدة لسوريا. فدمشق تحتاج إلى السعودية كمصدر دعم عربي واستثماري، وإلى تركيا بوصفها قوة إقليمية مجاورة وصاحبة نفوذ مباشر في الملف السوري، وإلى الولايات المتحدة باعتبارها لاعباً حاسماً في العقوبات والملف الإسرائيلي والكردي، لكنها لا تستطيع في الوقت نفسه أن تسمح لأي طرف من هؤلاء بأن يصبح صاحب القرار الوحيد في سياستها الخارجية.
سادساً: أين تقف واشنطن؟
الموقف الأمريكي عنصر حاسم في كل هذه المعادلة. واشنطن اتخذت منذ 2025 خطوات كبيرة باتجاه إعادة دمج سوريا في النظام الدولي، وألغت معظم العقوبات الأمريكية على الدولة السورية، مع الإبقاء على إجراءات تستهدف تنظيم الدولة والجهات المرتبطة بالإرهاب والكيماويات وانتهاكات حقوق الإنسان. كما أعلنت أن هدفها هو دعم سوريا موحدة ومستقرة لا توفر ملاذاً للتنظيمات المسلحة وتحافظ على أمن الأقليات. [10]
وفي الملف اليمني، أفادت تقارير بأن الإدارة الأمريكية أُبلغت بالنقاش السعودي السوري حول المساعدة العسكرية ولم تعترض من حيث المبدأ على احتمال تقديم سوريا دعماً للسعودية. لكن هذا لا يعني أن واشنطن أعطت دمشق تفويضاً للانخراط في حرب اليمن، ولا يعني أن الولايات المتحدة ستقبل بأي تحرك سوري يمكن أن يهدد الترتيبات التي تعمل عليها في سوريا أو مع إسرائيل.
الموقف الأمريكي يريد، في جوهره، سوريا قابلة للاستقرار والتعاون، لا سوريا جديدة تتحول إلى ساحة تنافس عسكري بين القوى الإقليمية.
وهنا تصبح زيارة الرياض ذات دلالة أكبر. فالسعودية لا تتعامل مع دمشق باعتبارها ملفاً سورياً داخلياً، بل باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب المنطقة. وتركيا تنظر إلى سوريا من زاوية أمنها القومي المباشر. أما واشنطن فتريد أن تمنع انهيار الانتقال السوري، وتدير في الوقت نفسه ملف إسرائيل والأكراد ومكافحة تنظيم الدولة. وبين هذه المصالح تتحرك دمشق.
الخلاصة: سوريا ليست أمام خيار التحالف أو العزلة
الاحتمال الأكثر واقعية في المدى القريب ليس دخول سوريا تلقائياً في اتفاق مكة كعضو رابع، ولا ابتعادها عن المنظومة الجديدة. المسار الأكثر احتمالاً هو بناء شراكة تدريجية مع السعودية وتركيا وباكستان، تبدأ بالتنسيق السياسي والأمني، وقد تتطور إلى تعاون دفاعي محدود، بينما تبقى العضوية الرسمية في اتفاق مكة مسألة منفصلة تحتاج إلى حسابات أخرى.
أما إرسال قوات سورية إلى اليمن، فسيكون اختباراً مختلفاً تماماً. إذا حدثت مشاركة، فإن حجمها وطبيعتها سيحددان معناها السياسي: قوة صغيرة للدفاع عن منشآت سعودية شيء، وإرسال تشكيلات برية كبيرة إلى اليمن شيء آخر. الأول يمكن أن يندرج في سياسة التضامن مع السعودية، بينما الثاني قد يعني دخول سوريا في حرب إقليمية خارج حدودها في لحظة لا تزال فيها الدولة نفسها تعيد بناء مؤسساتها.
لذلك فإن القيمة الحقيقية لسوريا في النظام الإقليمي المقبل قد لا تكون في عدد الجنود الذين تستطيع إرسالهم إلى اليمن، وإنما في قدرتها على أن تصبح دولة مركزية مستقرة في المشرق، تسيطر على حدودها، وتعيد بناء جيشها، وتمنع تحول أراضيها إلى ساحة صراع، وتفاوض إسرائيل من موقع الدولة، وتحافظ في الوقت نفسه على شبكة علاقات متوازنة مع السعودية وتركيا والولايات المتحدة والدول العربية.
زيارة الرياض يمكن أن تكون بداية لهذا الدور، لكنها لا تحسمه. فالمنطقة التي تتشكل الآن لا تبحث فقط عن جيوش أكثر، وإنما عن دول تستطيع أن تبقى واقفة داخل نظام إقليمي شديد الاضطراب. وسوريا، بعد سنوات الحرب، أمام فرصة لاستعادة موقعها إذا استطاعت أن تميز بين المشاركة في الأمن الإقليمي وبين استنزاف نفسها في حروبه.