هداية محمد التتر (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)
في كل صيف، كانت سماء قطاع غزة تتزين ببطولة هادئة تقودها أيدي الأطفال على امتداد الشريط الساحلي، إذ تتلقف الرياح البحرية أوراقاً ملونة وخيوطاً مشدودة في طقس موسمي متوارث منذ عقود، فلم تكن الطائرة الورقية، التي تُعرف في فلسطين بأسماء شعبية كـ "الطيارة" أو "الطبق"، مجرد لعبة عابرة في الذاكرة الجمعية للغزيين، بل أيضاً كانت مساحة للاستجمام والابتكار، ووسيلة لاستعادة التقاليد الشعبية التي نشأت عليها أجيال متتابعة بين الأحياء العتيقة وشواطئ البحر، فهي إحدى أقدم الألعاب التراثية الشعبية التي يتوارثها الأطفال والأجيال وأشهرها.
هندسة الميزان
في منطقة النصيرات، وأمام مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، عُرف منتصر النادي (43 عاماً)[1] لأعوام طويلة بكونه صاحب مكتبة ومصمماً متمرساً للطائرات الورقية التي احترف صناعتها لأكثر من 20 عاماً، ومع اشتداد الحرب وإغلاق محله التجاري، لم تندثر الحرفة، إنما انتقلت من رفوف المكتبات إلى بسطة صغيرة على قارعة الشارع، ثم إلى حافة غرفة ضيقة تتشاركها عائلته في ظل النزوح.
ويستعيد النادي بداياته وعلاقته بهذه الحرفة الشعبية بقوله: "إن صناعة الطائرات الورقية بالنسبة إليَّ مهنة قديمة نشأت عليها منذ طفولتي، إذ تربينا في غزة على هذه اللعبة الصيفية الممتعة. بدأتُ احترافها سنة 2005، عندما كنت أملك مكتبة للقرطاسية والألعاب أمام مدارس الأونروا، وكانت الحرفة خفيفة ومحبوبة، فكنت أستخدم فيها الورق الشفاف الملون والصمغ والخيطان القوية والبوص المأخوذ من سعف النخيل، ومع حلول الصيف، يبدأ موسمها الرئيسي، إذ تتوجه العائلات والأطفال نحو الشاطئ والساحات الواسعة لإطلاقها."
ومع اشتداد الحرب والتغييرات القاسية التي طرأت على الحياة الاقتصادية والمكانية في القطاع، أُغلق المحل التجاري، وتوقفت الواردات تماماً، فلم يجد النادي أمام هذا الانسداد سوى التكيف مع الواقع الجديد والتفكير في كيفية إدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال المنتشرين في مخيمات النزوح، مستغلاً خبرته الطويلة في إعادة تدوير المواد المتاحة. وفي هذا الصدد، قال: "في بداية الحرب، توقفت الصناعة تماماً لعدم توفُّر المواد الأولية، لكن مع حلول الصيف ودخول بعض المستلزمات، لاحظتُ وجود أكياس النايلون المخصصة للنفايات ذات الأحجام الكبيرة والألوان المتعددة التي دخلت مع كابونات المنظفات، فقفزت إلى ذهني الفكرة مجدداً، واشتريت تلك الأكياس، واستخدمت أعواد الشواء الخشبية، وربطتها بخيطان خفيفة متاحة، وكانت النتيجة ممتازة، فالنايلون مادة خفيفة تساعد الطائرة في الارتفاع بسهولة."
وتتحول العائلة في عملية التصنيع داخل مجتمع النازحين إلى خلية نحل تتحدى ضيق المكان، إذ يمارس النادي حرفته على عتبة بيته الضيق، مستعيناً بأبنائه وزوجته لتلبية الطلب المرتفع، ويقول: "أصنع الطائرات اليوم رفقةَ أبنائي الذين تعلموا المهارة مني، فننتج نحو 20 طائرة يومياً من شدة الإقبال، فليس لدى الأطفال أي لعبة أُخرى أو وسيلة ترفيه سواها في ظل منع إدخال الألعاب المتعددة."
ويلفت النادي الانتباه إلى أن السر الحقيقي للطائرة الورقية ليس في المادة فقط، بل أيضاً في "الميزان"، وهو ضبط الخيوط المركزية التي تحدد زوايا اتزان الطائرة أمام الرياح، ويبين أن ذلك "يتطلب خبرة ونَفَساً طويلاً، فلا يتقنها الأطفال بسهولة، لذا يأتون إليَّ لمساعدتهم في ضبط موازين طائراتهم لضمان تحليقها جيداً."
تناقل الحرفة بين أزقة النزوح
لم تقتصر هذه الصناعة التراثية على الحرفيين الكبار، بل أيضاً امتدت لتصبح مهارة يتوارثها ويتداولها الفتية واليافعون داخل أزقة النزوح لمساعدة أقرانهم وصناعة مساحة عيش مشتركة، ويجسد الفتى إبراهيم الدريملي (16 عاماً)[2] هذا البعد التكافلي، إذ ينشط في صناعة الطائرات لنفسه ولأطفال جيرانه في خان يونس بعدما تعلم أصولها من جيرانه في المخيم.
ويروي إبراهيم تجربته بالقول: "بدأت تعلُّم صنع الطائرات الورقية محاولاً إتقانها بنفسي في أثناء تجربة النزوح في خان يونس، بعدما رأيت إقبال الأطفال الكبير عليها، فتعلمت أسرارها من جيراننا في المخيم الذين يعتبرونها جزءاً أصيلاً من التراث الشعبي الفلسطيني، وفي ظل حرب الإبادة وانعدام الألعاب ومنع الاحتلال إدخالها، إلى جانب تدمير الملاعب والأماكن الترفيهية، عدنا إلى هذه اللعبة كي نشعر بشيء من الحياة التي حُرمنا منها، ولننعش الذاكرة الجمعية التي تتوارثها الأجيال."
ولا يقف دور إبراهيم عند حدود اللعب الفردي، بل أيضاً يحرص على إشراك أطفال جيرانه وتزويدهم بطائرات تحمل صبغة وطنية ونفسية خاصة، فيقول: "أصنع الطائرات بنفسي لإخواني وأبناء الجيران للترفيه عنهم، وفي الوقت نفسه للحفاظ على تراثنا، فكنت أتعمد، حرصاً وحباً، تصميمها بألوان علم فلسطين، لتكون أداة للفرح ورسالة صمود في وقت واحد."
الأثر النفسي والتواصل عبر الأجيال
تتجاوز الطائرة الورقية حدود اللعبة العابرة لتمس أبعاداً نفسية واجتماعية عميقة لدى أطفال غزة، وتؤكد الأخصائية النفسية والاجتماعية صابرين الشاعر[3] أن فعل التصنيع والتحليق يمنح الطفل استجابة نفسية إيجابية تعيده إلى منطقة الفاعلية والقدرة على الاختيار بعد فترات طويلة من الشعور بفقدان السيطرة.
وتوضح الشاعر هذا البعد النفسي بقولها: "عندما يتولى الطفل جمع المواد البسيطة من خشب ونايلون وخيوط، ثم يركبها ويصلح عيوبها ويطلقها في الهواء، فإنه ينخرط في نشاط إيجابي يشتت ذهنه موقتاً عن الضغوط البيئية وأصوات الخوف، ويمنح نجاح الطائرة في الارتفاع الطفل إحساساً بالفخر والإنجاز، في محاولة فطرية لاستعادة الطفولة المسلوبة، فالأطفال يملكون حاجة غريزية إلى اللعب والحركة والخيال، وهي حاجات لا تتوقف مهما تبلغ قسوة الواقع."
وعلى الصعيد الاجتماعي والتراثي، تشير الشاعر إلى أن استعادة هذه اللعبة الشعبية يُساهم في تعزيز التماسك الاجتماعي ونقل الذاكرة الجمعية بين الأجيال، وتقول: "عندما يتعلم الأطفال أصول الصناعة من الكبار، تتحول اللعبة إلى جسر لنقل الذاكرة والتراث، فيتبادل الكبار والصغار الأحاديث بشأن شواطئ غزة قديماً، وكيف كانوا يلعبون، وهو ما يكسر حالة العزلة النفسية التي يفرضها النزوح، ويشكِّل حالة من التعاون والمشاركة بين الأطفال، فتراهم يتشاركون الأدوات، ويتساعدون في إطلاق الطائرات مع حلول الصيف."
وتضيف الأخصائية النفسية أن إصرار الأطفال والفتية على استخدام ألوان علم فلسطين يحمل دلالة رمزية واعية، يمتزج فيها الشغف باللعب مع التعبير الفطري عن الانتماء إلى الهوية والأرض، الأمر الذي يحول السماء إلى لوحة تعبيرية حية تُعلن تمسك الصغار بمركزاتهم الثقافية.
وعلى الرغم من القيمة الرمزية والترفيهية العالية للطائرات الورقية، فهي في الواقع الراهن لقطاع غزة لم تَسْلَمْ من تعقيدات المشهد الميداني والتهديدات المستمرة، إذ تحول هذا الفعل الطفولي البسيط إلى مصدر قلق وتوجس لدى الأهالي في إثر إعلان قادة الاحتلال الإسرائيلي استهدافهم المناطق التي يتم إطلاق الطائرات الورقية منها.
ويستشهد الفتى إبراهيم الدريميلي بهذه المفارقة الميدانية بأسى قائلاً: "كنا نتخذ من هذه اللعبة ملاذاً للتسلية والحفاظ على التراث، لكن مع الأسف لم يترك الاحتلال لنا حتى هذه اللعبة، وأعلن استهداف مَن يقوم بإطلاقها في السماء."
وفي هذا الصدد، تسلط صابرين الشاعر الضوء على التأثير النفسي لهذه المحاذير بالقول: "تظهر المفارقة المؤلمة عندما يتحول النشاط الذي ارتبط في الذاكرة بالحرية والبهجة إلى مصدر للمخاطر"، وتوضح: "الطفل الذي يحمل طائرته ليركض بها نحو الشاطئ أو الساحة قد يواجَه بنظرات القلق من الكبار أو نداءات الحذر الشديد، خوفاً من استهداف الطائرات الورقية أو الشك فيها في فضاء مكشوف. هذا التداخل بين اللعب والترقب يقلص المساحات الآمنة التي يُفترض أن ينعم فيها الطفل بالراحة."
إن قصة الطائرات الورقية في غزة ليست مجرد خبر صحافي بشأن لعبة صيفية عابرة، بل أيضاً هي وثيقة حية تعكس قدرة الإنسان الفلسطيني على ابتكار أدوات بقائه وصون تراثه الاجتماعي بجميع الأساليب المتاحة، من أكياس النايلون البسيطة وعيدان الشواء المربوطة بخيوط متواضعة، يُعيد بها أطفال غزة وصنَّاعها رسم علاقتهم بالبحر والسماء، مؤكدين أن التراث والذاكرة الشعبية أصعب من أن تندثر.
[1] صانع الطائرات الورقية منتصر النادي، مقابلة أجرتها الصحفية والباحثة هداية محمد التتر بتاريخ 3/9/2026.
[2] صانع الطائرات الورقية إبراهيم الدريملي، مقابلة أجرتها الصحفية والباحثة هداية محمد التتر بتاريخ 5/9/2026.
[3] الأخصائية النفسية والاجتماعية صابرين الشاعر، مقابلة أجرتها الصحفية والباحثة هداية محمد التتر بتاريخ 3/9/2026.