دراسات

تحولات الفكر السياسي الروسي: من الدولة القوية إلى المشروع الحضاري

post-img

د. دينا شحاتة (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)

تعيد المواجهة مع الغرب اليوم تشكيل السرديات السياسية الروسية حول هوية البلاد وموقعها في العالم. فمع الحرب في أوكرانيا وتعمق المواجهة مع أوروبا والولايات المتحدة، يزداد حضور تصورات تقدم روسيا بوصفها حضارة أوراسية تمتلك مرجعيتها التاريخية والثقافية، وتسعى إلى بناء مسار مستقل للتطور. وفي هذه السرديات، يتسع معنى الصراع ليشمل حق روسيا في تحديد القيم والمؤسسات التي تنظم حياتها، والمشاركة في صياغة نظام دولي تتعدد فيه مراكز القوة ومسارات التنمية.

وقد دفعت هذه المواجهة إلى توثيق الصلة بين أفكار تبلورت خلال العقود الماضية. فاستعادة قوة الدولة تُطرح بوصفها شرطًا لاستقلال القرار الروسي والحد من التبعية للخارج. ويقترن الدفاع عن الهوية والتقاليد بالتأكيد على مسئولية الدولة عن حماية المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية؛ إذ يجد هذا الاتجاه في الموروث الديني والوطني أساسًا للتضامن وتقديم الصالح العام على المصالح الفردية. وفي هذا التصور، تُقدَّم روسيا بوصفها حضارة لها تجربتها التاريخية وقيمها التي تستند إليها في اختيار مؤسساتها ومسار تنميتها. وهكذا، يتحول مركز الاهتمام من الاندماج مع الغرب والاقتراب من نموذجه، وهو الأمل الذي صاحب نهاية الاتحاد السوفيتي، إلى صياغة مشروع روسي مستقل يجمع بين السيادة والخصوصية الحضارية والمسئولية الاجتماعية للدولة.

ولفهم هذا التحول، يتناول المقال التيارات التي أسهمت في إعادة صياغة التصورات الروسية للدولة والمجتمع والعالم، بدءًا من تجربة الانهيار واضطرابات التسعينيات، مرورًا بمشروع استعادة السيادة، وصولًا إلى مفهوم "الدولة الحضارية". ويبرز المقال كيف أعادت هذه التيارات قراءة الموروث الديني والقومي والسوفيتي، وما أنتجته من تصورات تجمع بين المحافظة الثقافية والمسئولية الاجتماعية للدولة. فمن خلال هذا المسار، تتضح الخلفية الفكرية للمواجهة الراهنة، وكيف تدفع بدورها إلى إعادة تعريف ما تريد روسيا أن تكونه.

أولًا: الانهيار السوفيتي والسيادة الجريحة

مثّل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 بالنسبة إلى روسيا تجربة تفكك وفقدان للمكانة، قرأتها تيارات فكرية وسياسية عديدة باعتبارها هزيمة تاريخية. فقد انقسمت دولة امتدت عبر أوروبا وآسيا إلى جمهوريات مستقلة، وتفككت الروابط التي جمعت شعوبها ومؤسساتها واقتصاداتها لعقود. ووجدت روسيا، التي كانت مركز هذا الكيان، نفسها أمام حدود جديدة ومجال سياسي أضيق، فيما انتهى المشروع السوفيتي الذي منحها دورًا عالميًا ووعدًا ببناء مستقبل مختلف للبشرية. وأصبح تحديد ما تبقى من هذا التاريخ المشترك جزءًا من البحث عن هوية الدولة الجديدة.

وتزامن هذا التفكك مع اضطراب داخلي واسع. فقد ارتبط الانتقال السريع إلى اقتصاد السوق بارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاج والدخول وفقدان أشكال من الحماية الاجتماعية. كما أفضت الخصخصة إلى صعود قلة من رجال الأعمال جمعت بين الثروة والنفوذ، بينما ضعفت قدرة المؤسسات على ضبط المصالح وحماية المواطنين. وفي نظر منتقدي هذه التجربة، بدت الدولة عاجزة عن التحكم في مواردها، وأصبحت مكاسب النخب الجديدة منفصلة عن أحوال المجتمع. ومن ثم، ارتبطت ذاكرة الانهيار بفقدان الأمان والعدالة، إلى جانب تراجع القوة والمكانة.

وامتد الإحساس بالخسارة إلى موقع روسيا في النظام الدولي. فقد راهنت قطاعات من نخبتها على أن التخلي عن الشيوعية والتقارب مع الغرب سيفتحان الطريق أمام شراكة متكافئة. غير أن هذه التطلعات اصطدمت، في قراءتها، بنظام يعامل نهاية الحرب الباردة باعتبارها انتصارًا غربيًا، ويطلب من روسيا التكيف مع قواعد لم تشارك في صياغتها. واقترنت الحاجة إلى المساعدة المالية الخارجية بشعور بأن استقلال القرار أصبح مقيدًا، وأن التقارب مع الغرب لم يمنح البلاد الاعتراف الذي تطمح إليه.

وقد خلّفت هذه التجربة ما يمكن وصفه بـ"السيادة الجريحة"، أي الشعور بأن روسيا، رغم احتفاظها باستقلالها القانوني، فقدت جانبًا مهمًا من قدرتها على التحكم في شؤونها وصون مكانتها الدولية. ولذلك اكتسبت الدعوة إلى استعادة السيادة معنى يتصل باسترداد السيطرة على الموارد والقرارات، وربط مسئولية النخب بمصالح المجتمع، واستعادة القدرة على التأثير في الشئون الدولية. وبهذا المعنى، تداخلت الكرامة الوطنية مع المطالب الاجتماعية، وأصبح الخروج من الأزمة مرتبطًا بوجود دولة تستطيع حماية المجتمع والتعبير عن إرادته.

يساعد هذا الإرث على تفسير مركزية الدولة والسيادة في الفكر الروسي المعاصر. فقد اكتسبت الدعوة إلى إعادة بناء السلطة العامة جاذبيتها من وعد تجاوز التفكك والعجز، وتوفير أساس للاستقرار والتنمية. وكانت الأولوية في هذه المرحلة استعادة القدرة على اختيار المسار الوطني، مع بقاء إمكان التعاون مع الغرب وتبني اقتصاد السوق. وعلى هذه الأرضية تبلور مشروع استعادة الدولة في مطلع الألفية، ثم اتسع النقاش حول مضمون السيادة وعلاقتها بالديمقراطية.

ثانيًا: استعادة الدولة وسؤال السيادة

بدأ مشروع استعادة الدولة في مطلع الألفية بوعد الجمع بين الاستقرار والتحديث واستقلال القرار. ففي مقاله "روسيا عند مطلع الألفية" عام 1999، قدّم فلاديمير بوتين الدولة القوية أساسًا لتجاوز الأزمة وإنجاز الإصلاح، مع التمسك باقتصاد السوق ووصف الدولة المنشودة بأنها ديمقراطية وقانونية. وكان هذا التوجه يترك مجالًا للتعاون مع الغرب، ضمن سعي روسيا إلى استعادة مكانتها كشريك متكافئ.

وفي هذا الإطار، طرح فلاديسلاف سوركوف، أحد أبرز منظّري الكرملين، مفهوم "الديمقراطية السيادية". ففي مقاله "تأميم المستقبل" عام 2006، ربط حرية المواطن باستقلال الوطن، معتبرًا أن الشعب لا يستطيع حكم نفسه إذا كانت قراراته مرهونة بقوى خارجية أو بمصالح قلة من أصحاب الثروة. وتعني السيادة هنا امتلاك المجتمع القدرة على اختيار سلطاته وتوجيهها لخدمة الحرية والرفاه والعدالة. كما تتطلب تعليمًا وبحثًا علميًا واقتصادًا منتجًا، يمنح الاستقلال السياسي مقوماته العملية.

وظل هذا الطرح يستند إلى تصور لروسيا بوصفها جزءًا من الحضارة الأوروبية وشريكًا في تطويرها. فالمطلوب هو المشاركة في صنع التقدم، والتعلم من الآخرين مع الاحتفاظ بحق اختيار المسار الوطني. وكانت الديمقراطية، في هذا التصور، مشروعًا يمكن تطويره وفق التجربة الروسية، بينما يظل التعاون مع أوروبا مصدرًا للمعرفة والتنمية. ومن ثم، جمعت صيغة سوركوف الأولى بين رفض التبعية والإبقاء على أفق التحديث الديمقراطي والشراكة الأوروبية.

غير أن هذا الأفق أخذ يضيق مع تعثر التطور الديمقراطي في الداخل وتدهور العلاقات مع الغرب، خاصة بعد أزمة أوكرانيا عام 2014. وفي هذا السياق، تغيرت أولويات حجة سوركوف. ففي مقال "دولة بوتين المديدة" عام 2019، أصبح التركيز على صيغة حكم روسية خاصة، تستمد مشروعيتها من التجربة التاريخية للبلاد وقابليتها للاستمرار. ويحتل مفهوم "الشعب العميق"، أي المجتمع بخبراته وقيمه وتطلعاته المتراكمة، موقعًا محوريًا في هذا التصور؛ إذ تقوم شرعية القيادة على قدرتها على فهم هذا المجتمع والتعبير عنه، وعلى الثقة التي يمنحها لها.

ويكشف الانتقال بين النصين عن تغير في العلاقة بين السيادة والديمقراطية. ففي النص الأول، يتيح الاستقلال للشعب اختيار سلطاته والمشاركة في صنع المستقبل؛ أما في النص الثاني، فتستند الشرعية إلى الثقة بقيادة تجسد هوية المجتمع وتحمي استمراره. ويمكن قراءة هذا التحول في ضوء تراجع آفاق الانفتاح والشراكة مع الغرب، وتزايد التأكيد على خصوصية النظام الروسي واستقلال معاييره السياسية. وهكذا اتسع مشروع استعادة الدولة ليشمل البحث عن أسس تاريخية وثقافية تمنحه غايته ومضمونه.

ثالثًا: التقاليد والعدالة الاجتماعية

تسعى تيارات روسية معاصرة إلى إعطاء الدولة القوية مضمونًا أخلاقيًا واجتماعيًا، يجمع بين الحفاظ على التقاليد والالتزام بالعدالة. ويستند هذا التوجه إلى إعادة قراءة الماضي الروسي، بحيث يصبح الموروث الديني والثقافي والإنجاز الاجتماعي السوفيتي مصادر يمكن الاستفادة منها معًا. ورغم الصراع الذي خاضه النظام السوفيتي مع الدين والتقاليد، يرى أصحاب هذا الاتجاه أن التجربتين حملتا قيمًا تتعلق بالتكافل وخدمة الجماعة وحماية الضعفاء. ومن ثم، تشمل المحافظة على الموروث صون المكاسب الاجتماعية التي أصبحت جزءًا من حياة الروس وتوقعاتهم.

ويقدم الفيلسوف ألكسندر بانارين أساسًا أخلاقيًا لهذا الربط من خلال قراءته للمسيحية الأرثوذكسية. ففي كتابه "الحضارة الأرثوذكسية في العالم المعولم"، يحتل مفهوم "العطاء" مكانًا مركزيًا: يتلقى الإنسان الرعاية واللغة والمعرفة قبل أن يستطيع تقديم مقابل لها، وتقوم حياة المجتمع على جهود لا يمكن قياسها بالربح المباشر. ويترتب على ذلك التزام تجاه الآخرين، خاصة من لا يستطيعون النجاح في المنافسة الاقتصادية. فاستحقاق الإنسان للحماية، في هذا التصور، يرتبط بكرامته وانتمائه إلى الجماعة، ويظل قائمًا حتى حين يعجز عن الإنتاج أو الكسب.

ويصوغ ألكسندر شيبكوف هذا التقارب في مفهوم "التقليدية الاجتماعية"، الذي يجمع بين شكلين من التضامن. أولهما تضامن المواطنين بعضهم مع بعض، بما يقتضيه من عدالة وتقاسم للأعباء وحماية من الفقر. وثانيهما التضامن بين الأجيال، من خلال نقل الخبرة والحفاظ على الذاكرة والقيم المشتركة. وتصبح التقاليد، بهذا المعنى، التزامًا بحياة الناس واستمرار مجتمعهم. كما تكتسب العدالة الاجتماعية جذورها في الموروث الوطني والديني، وهو ما يمنحها أساسًا يتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة.

وتظهر خصوصية طرح شيبكوف في إدراج الضمانات الاجتماعية السوفيتية ضمن ما يستحق الحفاظ عليه. فالتعليم والصحة والتطلع إلى المساواة تمثل، في قراءته، جزءًا من التراث الروسي إلى جانب الدين والثقافة. ويتيح ذلك تقاربًا بين اليمين واليسار: تستوعب المحافظة مطالب العدالة والحد من نفوذ رأس المال الكبير، بينما يجد الاشتراكيون في التقاليد الدينية والوطنية موارد تدعم مشروعهم الاجتماعي. ويقوم هذا التقارب على انتقاء عناصر من التجربة السوفيتية وإعادة تفسيرها، مع التخلي عن مطلب استعادة عقيدتها ونظامها بكاملهما.

ويتخذ الجمع بين هذه الموروثات طابعًا إمبراطوريًا أوضح لدى الكاتب ألكسندر بروخانوف. ففي تصوره لـ"الإمبراطورية الخامسة"، تتجدد روسيا عبر مشروع يجمع الإيمان الأرثوذكسي والقدرات العلمية والصناعية السوفيتية والدولة القوية. ويقرأ الانقطاعات الكبرى في تاريخها باعتبارها مراحل يعقبها نهوض جديد، ويمنح القيادة مهمة تعبئة المجتمع حول عمل مشترك. ويتجاوز طموحه التنمية الداخلية إلى إعادة جمع شعوب وأقاليم ربطها التاريخ الروسي والسوفيتي، ضمن كيان يستعيد لروسيا دورها ومهمتها التاريخية.

وتكشف هذه المحاولات عن بحث في الأسس التي تمنح المجتمع تماسكه والدولة غايتها. ويختلف بانارين وشيبكوف وبروخانوف في أولوياتهم وتصوراتهم، لكنهم يشتركون في وصل المستقبل بموروث تعاد قراءته لخدمة مشروع جديد. وتقدم أطروحاتهم معايير للدور الاجتماعي والأخلاقي الذي ينبغي أن تضطلع به الدولة.

رابعًا: روسيا بوصفها مشروعًا حضاريًا

تنطلق الرؤية الحضارية لروسيا من هويتها الأوراسية، أي من انتمائها إلى مجال تاريخي وثقافي يجمع أوروبا وآسيا. فقد تشكلت تجربتها عبر التفاعل بين الموروث السلافي والمسيحي الأرثوذكسي وشعوب آسيا وثقافاتها، بما فيها الشعوب التركية والإسلام وتقاليد دينية أخرى. ومن هذا المنظور، يتجاوز تعريف روسيا امتدادها الجغرافي بين القارتين إلى اعتبارها حضارة نشأت من تفاعلهما. ويمنحها هذا التكوين أساسًا لتحديد مسارها، بدلًا من النظر إليها باعتبارها مجتمعًا أوروبيًا تأخر في اللحاق بالنموذج الغربي.

وتقدم "الأوراسية" إحدى أهم الصيغ الفكرية لهذا التصور. وقد تبلورت في أوساط مهاجرين روس خلال عشرينيات القرن الماضي، انطلاقًا من أن الحياة المشتركة بين شعوب المجال الروسي أنتجت روابط ومؤسسات وقيمًا تمنحه وحدته. وتستمد هذه الحضارة هويتها من إسهامات مكوناتها المتعددة، بما يتجاوز تعريف الأمة على أساس عرقي واحد. وتصبح الدولة الإطار الذي يحفظ هذا التنوع ويجمعه حول مشروع مشترك، فيما يرتبط استقلالها بقدرتها على تطوير مؤسسات تعبر عن تجربتها التاريخية.

ويقدم ألكسندر دوغين صيغة أكثر جذرية لهذا الاتجاه. ففي "النظرية السياسية الرابعة"، يدعو إلى تجاوز الليبرالية والشيوعية والفاشية، وهي الأيديولوجيات الكبرى التي تنافست خلال القرن العشرين. ويرى أن انتصار الليبرالية جعل افتراضاتها بشأن الفرد والسوق والتقدم تبدو كأنها حقائق نهائية، وأضعف القدرة على تصور بدائل. ولذلك يدعو إلى إعادة النظر في فهم الإنسان باعتباره فردًا مستقلًا يسعى إلى تحقيق مصالحه، وإلى الانطلاق من وجوده داخل عالم من اللغة والتاريخ والعلاقات والمعتقدات.

ويمتد اعتراضه إلى تصور التقدم باعتباره طريقًا واحدًا تسير فيه جميع المجتمعات. فلكل حضارة، في رأيه، مواردها الروحية والتاريخية التي تسهم في تحديد معنى الحياة وغاياتها. ويمنح ذلك الدين والتقاليد دورًا في بناء المستقبل. وعلى المستوى السياسي، يقترح تنظيم العالم حول أقطاب حضارية كبرى، تكون روسيا مركز القطب الأوراسي، بحيث تمتلك هذه الأقطاب القوة والموارد اللازمة لحماية خياراتها. وتتحول الحضارة بذلك إلى أساس لمشروع سياسي يتجاوز حدود الدولة الروسية القائمة.

ويطرح الفيلسوف أندريه سميرنوف مدخلًا إلى التعدد الحضاري يركز على إسهام الثقافات المتنوعة في بناء المعرفة والحياة المشتركة. وفي الحالة الروسية، تقتضي هذه الرؤية الاعتراف بمكانة المسلمين والبوذيين وغيرهم داخل الحضارة التي يشاركون في تشكيلها. وتستمد وحدة روسيا معناها من مشاركة هذه المكونات مع احتفاظها باختلافها. كما يصبح التفاعل مع أوروبا جزءًا من تبادل أوسع بين الحضارات، تسهم فيه روسيا انطلاقًا من تكوينها الأوراسي وتجربتها الخاصة.

وهكذا تمنح الفكرة الحضارية السيادة مضمونًا يتصل بحق روسيا في تحديد القيم والغايات التي توجه تطورها، إلى جانب استقلال قرارها السياسي. وقد اكتسب انتقال هذه الأفكار إلى تعريف الدولة لنفسها أهمية أكبر مع الحرب في أوكرانيا، وما صاحبها من إعادة صياغة موقع روسيا وعلاقتها بالغرب.

خامسًا: الحرب في أوكرانيا وإعادة صياغة المشروع الروسي

دفعت الحرب في أوكرانيا منذ عام 2022، وما صاحبها من اتساع المواجهة مع الغرب، النقاش حول هوية روسيا ومستقبلها إلى مرحلة جديدة. فقد منحت الأفكار المتعلقة بالسيادة والخصوصية الحضارية وظيفة مباشرة في تفسير المواجهة وتعبئة المجتمع وتحديد وجهة الدولة. وفي هذا الإطار، اتسع تعريف الصراع في الخطاب الروسي ليشمل موقع البلاد في النظام الدولي وحقها في اختيار مسارها. وأصبح الدفاع عن استقلالها مرتبطًا بالاعتراض على نظام يمنح الغرب سلطة تحديد القواعد والمعايير التي تخضع لها بقية المجتمعات.

وقد ظهر هذا التحول بوضوح في وثيقة مفهوم السياسة الخارجية الروسية الصادرة عام 2023، التي تبنت تعريف روسيا بوصفها "دولة حضارة". فمع انتقال هذا التصور إلى وثيقة تحدد أهداف الدولة وعلاقاتها الدولية، اكتسبت الهوية الحضارية دورًا في صياغة سياستها. وأصبح الاعتراف بمكانة روسيا، وفق هذه الرؤية، يتضمن الاعتراف بمرجعيتها التاريخية والثقافية وبحقها في تطوير مؤسساتها وقيمها. ويصل هذا التعريف بين الداخل والخارج: فالدولة تحمي الاستقلال الذي يتيح للمجتمع الحفاظ على خصوصيته، بينما تمنح هذه الخصوصية الاستقلال غايته ومضمونه.

وفي الداخل، عززت المواجهة الحاجة إلى وصل الدفاع عن الدولة بمشروع يجمع المجتمع حول مستقبل مشترك. وهنا تكتسب الأفكار التي تجمع بين الانتماء الوطني والتقاليد والمسئولية الاجتماعية أهمية سياسية أكبر؛ إذ توفر أساسًا لفهم التضامن والالتزامات المتبادلة في مواجهة الضغوط. كما أعادت الحرب إبراز الصلة بين السيادة وقدرة الدولة على الإنتاج والتنظيم وتوفير احتياجات المجتمع. وأصبحت استعادة المبادرة مرتبطة ببناء اقتصاد ومؤسسات تستطيع دعم الاستقلال على المدى الطويل، بما يمنح النقاش حول دور الدولة بعدًا عمليًا يتصل بشروط استمرار المشروع الروسي.

ويتضح هذا البعد في تقرير "سياسة روسيا تجاه الأغلبية العالمية"، الصادر عام 2023. ويربط التقرير الاستقلال بتنويع مصادر التمويل والتكنولوجيا والمعرفة وشبكات التجارة، إلى جانب تطوير القدرات التعليمية والبحثية والإدارية داخل روسيا. فالاعتماد على مركز واحد في هذه المجالات يمنحه قدرة واسعة على التأثير في القرار الوطني، بينما يتيح تعدد الشركاء والموارد مساحة أوسع للاختيار. وتصبح قيمة العلاقات الخارجية مرتبطة بما تضيفه إلى قدرة البلاد على التنمية وحماية قرارها.

ويعبر مفهوم "الأغلبية العالمية" عن إعادة النظر في موقع روسيا خارج إطار العلاقة مع الغرب. فهو يوجه الاهتمام إلى دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بوصفها أطرافًا تمتلك مصالحها وتجاربها وأولوياتها. ويطرح التقرير التعاون معها على أساس توسيع البدائل المتاحة، مع احتفاظها بعلاقاتها الأخرى واختياراتها المستقلة. ومن هذا المنظور، تتصل جاذبية الشراكة مع روسيا بما توفره من فرص وموارد، وبقدرتها على الاستجابة لاحتياجات شركائها. ويتسع المشروع الروسي بذلك من المطالبة بمكانة أكبر إلى المشاركة في بناء ترتيبات دولية تسمح بتعدد مسارات التنمية ومراكز القرار.

وهكذا سرّعت الحرب انتقال الأفكار التي تبلورت على مدى العقود السابقة إلى مشروع تسعى الدولة إلى تنظيم سياساتها حوله. فقد اجتمعت استعادة السيادة، وتأكيد الهوية الأوراسية، والدفاع عن التقاليد، وتنويع الشراكات داخل تصور أوسع لمستقبل روسيا. وأصبح الانتقال من الاعتراض على هيمنة النموذج الغربي إلى بناء مقومات مسار مستقل محورًا لهذا المشروع، بما يربط مكانة روسيا الدولية بقدرتها على تجديد اقتصادها ومؤسساتها وصياغة علاقات تعاون تدعم هذا الاستقلال.

خاتمة

يكشف مسار الفكر السياسي الروسي منذ التسعينيات عن اتساع معنى السيادة: من استعادة قدرة الدولة على الحكم وحماية المجتمع، إلى تأكيد حق روسيا في تحديد نموذج تطورها والقيم التي توجهه. ومع تراجع آفاق الشراكة مع الغرب، اكتسبت الخصوصية التاريخية والحضارية وزنًا أكبر في تعريف هذا الحق. وقد سرّعت الحرب في أوكرانيا هذا التحول، وجعلت الأفكار المتعلقة بالدولة الحضارية أكثر ارتباطًا بتوجهات الدولة وسياساتها.

وتبرز في هذا المسار محاولات إعادة تركيب الموروث الروسي، بما يجمع بين التقاليد الدينية والقومية ومطالب العدالة والتضامن المستمدة من التجربة السوفيتية. وتكمن أهمية هذه المحاولات في تقديم المحافظة على الهوية والمسئولية الاجتماعية للدولة باعتبارهما ركيزتين لمشروع واحد. كما يمنح التكوين الأوراسي هذا المشروع تصورًا للانتماء يتسع لشعوب وثقافات متعددة. وبذلك تتشكل اتجاهات يصعب فهمها من خلال التقسيم التقليدي بين اليمين واليسار، أو افتراض أن التحديث يقتضي تبني النموذج الغربي.

وعلى المستوى الدولي، يقترن هذا التحول بالمطالبة بتعدد يتجاوز توزيع القوة إلى الاعتراف بمسارات مختلفة للتنمية والتنظيم السياسي. وتكشف الحالة الروسية، بهذا المعنى، عن ترابط إعادة بناء الدولة في الداخل وإعادة تصور النظام العالمي. وقد جعلت المواجهة مع الغرب ترجمة هذه الأفكار إلى قدرات اقتصادية ومؤسسات وشراكات أكثر إلحاحًا. وهكذا، تتبلور ملامح بديل روسي للنموذج الليبرالي، قوامه دولة قوية تربط السيادة بالهوية والعدالة الاجتماعية، ونظام دولي يتسع لتعدد الحضارات وتنوع سبل التقدم.

المراجع

1- Vladimir Putin. “Russia at the Turn of the Millennium.” 30 December 1999. English text hosted by the University of Oregon.  Source

2- Vladislav Surkov. “Nationalization of the Future: Paragraphs pro Sovereign Democracy.” Russian Studies in Philosophy 47, no. 4 (2009): 8–21. English translation of the 2006 essay.  Source

3- Alexander Dugin. The Fourth Political Theory. Translated by Mark Sleboda and Michael Millerman; edited by John B. Morgan. Arktos, 2012.  Source

4- Alexander Dugin. The Theory of a Multipolar World. Translated by Michael Millerman. Arktos, 2021.  Source

5- Russian Federation. The Concept of the Foreign Policy of the Russian Federation. 31 March 2023. English text published by Russia’s Permanent Mission to the UN, labelled “Unofficial translation.”  Source

6- Sergei A. Karaganov, executive editor; Dmitry V. Trenin, lead author. Russia’s Policy Towards World Majority. Moscow: Higher School of Economics and Council on Foreign and Defense Policy, 2023. English edition.  Source

7- Paul Robinson. Russian Conservatism. Northern Illinois University Press, 2019.  Source

8- Richard Sakwa. Russia against the Rest: The Post-Cold War Crisis of World Order. Cambridge University Press, 2017.  Source

9- Marlène Laruelle. Russian Eurasianism: An Ideology of Empire. Translated by Mischa Gabowitsch. Woodrow Wilson Center Press / Johns Hopkins University Press, 2008.  Source

10- Paul Robinson. Russia’s World Order: How Civilizationism Explains the Conflict with the West. Northern Illinois University Press / Cornell University Press, 2025.  Source

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.