د. محمد أحمد صالح (مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم)
تتناول الورقة حضور إيدي كوهين على منصة "إكس" خلال 2025م-2026م بوصفه نموذجًا لدراسة أنماط التأثير المعلوماتي الموجه إلى الجمهور العربي، من خلال تحليل عينة من منشوراته والتحقق من عدد من المواد التي نُسبت إليه. وتكشف الحالات المدروسة استخدام تقنيات متعددة، أبرزها إعادة تدوير الصور ومقاطع الفيديو القديمة، وتغيير سياقها الزمني أو الجغرافي، ونسبة هويات غير صحيحة إلى أشخاص، والاستفادة من المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب السخرية والاستفزاز واستثمار القضايا السياسية والهوياتية العربية. وتؤكد الورقة أن التضليل لا يعتمد دائمًا على اختلاق مادة كاملة، بل قد يقوم على مزج حقيقة جزئية بتفسير مضلل، ما يجعل التحقق من المصدر والسياق والتاريخ والمكان أمرًا أساسيًا. وتقترح الدراسة تحويل هذه الحالة إلى أداة لبناء "الحصانة المعلوماتية" عبر تدريب الشباب على التفكير النقدي والتحقق الرقمي، وتعزيز الاتصال المؤسسي الشفاف، ودعم الإعلام المهني، وإنشاء قواعد بيانات لرصد أنماط التلاعب والتأثير.
تمهيد
تسعى هذه الدراسة إلى تحليل حضور الصحفي والباحث الإسرائيلي إيدي كوهين على منصة "إكس" خلال عامي 2025م و2026م، بوصفه حالة تطبيقية يمكن من خلالها فهم بعض أنماط الاتصال السياسي والتأثير المعلوماتي الموجه إلى الجمهور العربي. ولا تنطلق الدراسة من فرضية أن كل ما ينشره كوهين زائف أو مضلل، كما لا تفترض مسبقًا وجود إدارة استخباراتية مباشرة لكل منشور. وإنما تعتمد على التمييز بين مستويات مختلفة من المحتوى: الخبر، والرأي، والتعليق السياسي، والاستفزاز، وإعادة نشر مادة خارج سياقها، والادعاء غير الموثق، والمعلومة التي ثبت خطؤها عبر جهات تحقق مستقلة.
وهذا التمييز ضروري؛ لأن الهدف ليس إصدار حكم شامل على شخصية أو حساب، وإنما اكتشاف الأدوات الإعلامية التي تجعل بعض الرسائل أكثر قدرة على الانتشار والتأثير في الجمهور العربي. كما أن مصطلح "حروب الجيل الخامس" يستخدم هنا بالمعنى التحليلي الواسع، وليس باعتباره تصنيفًا عسكريًا متفقًا عليه بصورة محددة. والأدق في بعض الحالات هو استخدام مفاهيم "التلاعب المعلوماتي"، و"التأثير الإدراكي"، و"الحرب المعرفية"، و"التدخل والتلاعب بالمعلومات الأجنبية".
لماذا يمثل إيدي كوهين حالة دراسية مهمة؟
تنبع أهمية كوهين من الجمع بين عدة خصائص في حساب واحد، فهو إسرائيلي، لكنه يخاطب الجمهور العربي باللغة العربية بصورة مباشرة؛ ويظهر بوصفه باحثًا ومعلقًا في شؤون الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه يستخدم منصة اجتماعية سريعة الإيقاع تعتمد على الصورة والفيديو والعبارة القصيرة والسخرية والاستفزاز. وبحسب بيانات حسابه المتاحة في 2026م، يصف كوهين نفسه بأنه صحفي وباحث أكاديمي وخبير في الشؤون العربية، ويملك مئات الآلاف من المتابعين، ما يجعل حسابه منصة جماهيرية وليست مجرد صفحة شخصية محدودة التأثير.
الأهم أن الحساب لا يعمل في مجال واحد. فهو ينتقل بين مصر، وسوريا، ولبنان، وفلسطين وغزة، وإيران، والعراق، والسعودية والخليج، والأكراد، والأقليات، والعلاقات العربية الإسرائيلية، والتطبيع، والصراعات الداخلية العربية، والقضايا الاجتماعية والثقافية، والأحداث الأمنية الطارئة.
وبالتالي فإن تأثيره المحتمل لا يعتمد فقط على تقديم "الرواية الإسرائيلية" بشأن إسرائيل، وإنما على الدخول إلى النقاشات الداخلية العربية نفسها. وهنا تكمن أهمية الحالة.
فالمحتوى الأكثر قدرة على الانتشار قد لا يكون منشورًا يقول "إسرائيل جيدة"، وإنما منشورًا يقول للمصري إن "بلده فاشل"، أو للسوري إن "مجتمعه منقسم"، أو للعراقي إن "دولته خاضعة لإيران"، أو للكردي إن إسرائيل هي الطرف الأكثر تفهمًا لقضيته، أو للعربي إن حكومته تخفي عنه الحقيقة، أي أن الرسالة قد تصل إلى الجمهور من الباب المحلي لا الإسرائيلي.
من "نشر المعلومات" إلى "هندسة السياق"
أهم ما تكشفه عينة 2025م-2026م هو أن المشكلة ليست دائمًا في اختلاق الصورة. في عدد من الحالات كانت المادة البصرية موجودة فعلًا، لكنها أُعيد استخدامها في سياق مختلف. وهذه آلية أكثر ذكاءً من اختراع صورة كاملة؛ لأن الجمهور يستطيع البحث عن الصورة والعثور عليها بالفعل، ثم يعتقد أن المنشور صحيح.
هنا يجب التفريق بين أصالة المادة وصحة الرواية التي تقدمها المادة. قد تكون الصورة حقيقية، ولكن المكان خاطئ، وقد يكون الفيديو حقيقيًا، ولكن التاريخ خاطئ، وقد يكون الشخص الموجود في الصورة حقيقيًا، ولكن هويته غير صحيحة، وقد يكون الحدث حقيقيًا، لكن تفسيره غير صحيح. وبالتالي فإن أحد أهم دروس دراسة كوهين هو أن التحقق من الصورة لا يساوي التحقق من المنشور.
الحالة الأولى في 2025م.. فيديو حرائق الغابات
في مايو 2025م، نشر كوهين فيديو قال إنه يُظهر فلسطينيًا يشعل النار في غابة داخل إسرائيل، ووصف الشخص بأنه "إرهابي"، لكن التحقيق في الفيديو أظهر أن المادة لا علاقة لها بفلسطين أو إسرائيل؛ إذ سبق أن نشرتها رويترز عام 2021م باعتبارها مشهدًا من إيطاليا يظهر شخصًا يشعل النار في منطقة ريفية قرب مونتارشيو. إذن نحن أمام نموذج واضح لما يمكن تسميته: "إعادة توطين الحدث"، أي نقل مادة حقيقية من إيطاليا إلى إسرائيل/ فلسطين، ثم إعطاؤها تفسيرًا سياسيًا جديدًا. وهذه التقنية خطيرة لأنها تستفيد من حقيقة أن الفيديو حقيقي. المتلقي قد يقول: "الفيديو موجود، إذن الخبر صحيح"، لكن السؤال الصحيح هو: أين وقع الفيديو؟ ومتى؟ ومن يظهر فيه؟، وهنا يتحول التحقق من سؤال: "هل الفيديو حقيقي؟" إلى أربعة أسئلة: أين؟، ومتى؟، ومن؟، وماذا كان يحدث أصلًا؟
الحالة الثانية.. فيديو إيرلندا ومخيمات الفلسطينيين
في فبراير 2025م انتشر فيديو قيل إنه يظهر قيام إيرلندا ببناء مساكن لاستقبال فلسطينيين من قطاع غزة. وكان كوهين من الحسابات التي أعادت نشر الادعاء. لكن التحقيق أظهر أن الفيديو كان مرتبطًا بمساكن مخصصة للاجئين الأوكرانيين في إيرلندا، وليس بمشروع لاستقبال فلسطينيين من غزة.
هذه الحالة تكشف تقنية أخرى: "الاستثمار في الحدث السياسي الراهن" فالادعاء لم يظهر في فراغ، لقد كان مرتبطًا بمناقشة شديدة الحساسية حول مستقبل غزة وتهجير الفلسطينيين، وبالتالي يصبح أي فيديو لمساكن أو مخيمات أو وحدات سكنية قابلًا للربط فورًا بهذه القضية.
أي أن قوة الشائعة لا تأتي من الفيديو وحده، إنما تأتي من فيديو، وحدث سياسي ساخن، وجمهور قلق، وتفسير جاهز. هذه معادلة أساسية في الحرب المعلوماتية.
الحالة الثالثة.. صورة أحمد الشرع المفبركة بالذكاء الاصطناعي
في يناير 2026م ظهرت صورة قيل إنها تُظهر أحمد الشرع على سرير مستشفى بعد إصابته في كمين. وأشارت جهة تحقق فلسطينية إلى أن الصورة نُشرت عبر حساب كوهين، وأنها ليست صورة حقيقية للشرع، بل صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي. وأظهر التحقيق أن الصورة الأصلية تعود إلى صورة قديمة لمريض في العناية المركزة، ثم أعيد تركيبها وإخراجها في سياق سياسي جديد.
هذه الحالة مهمة للغاية لأنها تمثل انتقال التضليل من إعادة استخدام مادة قديمة، إلى إعادة تصنيع الواقع نفسه. وهنا يصبح المواطن أمام مشكلة جديدة. فإذا كان في السابق يستطيع البحث العكسي عن الصورة والعثور على مصدرها، فإن الصور الاصطناعية قد لا تمتلك أصلًا صحفيًا حقيقيًا.
ولهذا يجب أن يتطور الوعي الإعلامي من "ابحث عن الصورة الأصلية" إلى "افحص الصورة، ومصدرها، وسياقها، واحتمال إنتاجها اصطناعيًا".
الحالة الرابعة.. فيديو درعا والقنيطرة
في فبراير 2026م، نشر كوهين فيديو على أنه يوثق سيطرة القوات الإسرائيلية على منطقة في درعا ومطالبتها السكان بالإخلاء. لكن منصة "مسبار"- المتخصصة في التحقق من الأخبار والمعلومات والمحتوى الرقمي، ومكافحة التضليل المعلوماتي- خلصت إلى أن الفيديو يعود إلى عام 2024م، وكان يوثق اقتحامًا إسرائيليًا للمربع الخدمي في مدينة السلام بمحافظة القنيطرة، وليس حدثًا جديدًا في درعا.
هذه الحالة تكشف تقنية: "التدوير الزمني"، أي استخدام حدث حقيقي سابق لإنتاج إحساس بوقوع حدث جديد، وهي من أخطر التقنيات في بيئات الأزمات؛ لأن الجمهور يكون في حاجة إلى الأخبار العاجلة، ولا يمتلك الوقت للتحقق من تاريخ كل فيديو. هنا يتحول الفيديو القديم إلى "خبر جديد" بمجرد تغيير الجملة المرافقة له.
الحالة الخامسة.. فيديو السفير السعودي في كربلاء
في يوليو 2026م، نشر كوهين فيديو ادعى أنه يظهر السفير السعودي لدى العراق عبد العزيز الشمري متجهًا إلى كربلاء لتقديم العزاء في المرشد الإيراني علي خامنئي. لكن منصة "مسبار" تحققت من المادة وخلصت إلى أن الفيديو يعود إلى زيارة للسفير السعودي إلى كربلاء عام 2024م، وليس إلى المناسبة التي زعم المنشور ارتباطه بها. هنا تظهر تقنية أكثر تطورًا: "إعادة تفسير الصورة السياسية"، فالفيديو ليس مزيفًا، والشخص ليس مزيفًا، والمكان ليس مزيفًا، لكن الحدث المنسوب إلى الفيديو غير صحيح. هذا النوع من التضليل أكثر خطورة من الصورة المزيفة أحيانًا؛ لأنه يخلق لدى الجمهور شعورًا بأنه "رأى بعينيه".
الحالة السادسة.. المظاهرات السورية في سبتمبر 2026م
في سبتمبر 2026م، تداولت حسابات مقاطع فيديو على أنها توثق مظاهرات حديثة في سوريا تطالب بإسقاط أحمد الشرع. وأشارت منصة "مسبار" إلى منشور لكوهين يتضمن أحد هذه المقاطع، وخلصت إلى أن الفيديو يعود إلى مظاهرة في إدلب عام 2024م ضد الجولاني، وليس إلى الاحتجاجات الجديدة. كما وثقت منصة "تأكد"- السورية المتخصصة في تدقيق الأخبار والمعلومات ومكافحة التضليل الإعلامي- إعادة تدوير مقطع آخر قديم من احتجاجات 2024م، وتقديمه ضمن سياق احتجاجات سبتمبر 2026م.
هنا تظهر إحدى أخطر أدوات الحرب المعلوماتية: "اختطاف الحدث"، فالحدث الحقيقي هو وجود احتجاجات، لكن المادة القديمة تجعل الجمهور يعتقد أن الاحتجاجات الحالية أكبر وأوسع وأشد مما هي عليه، وهذا قد يؤدي إلى تضخيم الإحساس بالأزمة حتى عندما تكون المعلومة الأساسية حول وجود احتجاجات صحيحة.
الحالة السابعة.. صورة القصف في الكسوة
في أغسطس 2025م، تداولت حسابات صورة باعتبارها توثق قصفًا إسرائيليًا لمنطقة الكسوة في ريف دمشق. وأشارت منصة "تأكد" إلى أن الصورة منشورة أصلًا عام 2024م، وأنها توثق قصفًا إسرائيليًا في منطقة الشويفات في بيروت. هنا يظهر مرة أخرى: تغيير المكان، وتغيير الزمن، مايعني رواية جديدة، وهو ما يثبت أن "المكان" يجب أن يصبح عنصرًا أساسيًا في التربية الإعلامية، فالصورة التي تُظهر انفجارًا لا تقول وحدها: أين وقع؟، ومتى وقع؟، ومن نفذه؟، ولماذا وقع؟ كل هذه معلومات تحتاج إلى مصدر مستقل.
الحالة الثامنة.. اتهام أحمد الشرع أو عمر جفتشي
في أبريل 2025م، أعاد كوهين نشر صورة من مواد تنظيم الدولة الإسلامية، مع الإيحاء بأن الشخص الظاهر في الصورة هو أحمد الشرع، أو في رواية لاحقة عمر جفتشي. وخلصت منصة "تأكد" إلى أن الشخص الظاهر في الصورة هو حسن آيدن، وليس الشرع ولا جفتشي.
هذه الحالة تكشف تقنية: "الهوية البديلة"، أي استخدام صورة لشخص حقيقي، ثم استبدال هويته بهوية شخصية أخرى. وهذا النوع من التضليل يمكن أن يكون شديد التأثير عندما يتعلق بشخصية سياسية أو عسكرية، فالهدف ليس فقط نقل صورة خاطئة، إنه إعادة كتابة ماضي الشخصية.
الحالة التاسعة.. فيديو حفل مالك الجندلي
في ديسمبر 2025م، انتشر فيديو قيل إنه يظهر اقتحام عناصر تابعة للسلطة السورية حفلًا موسيقيًا للفنان مالك الجندلي في حمص، وظهر حساب كوهين ضمن ناشري الفيديو. لكن منصة "مسبار" خلصت إلى أن الفيديو قديم ولا يوثق الحفل المشار إليه. هنا تتكرر آلية: مادة حقيقية ومناسبة جديدة مايعني حدثا مزيفا، وهذا يوضح أن التضليل ليس بالضرورة "اختراعًا" قد يكون إعادة تدوير.
الحالة العاشرة.. هجوم جامعة براون
في ديسمبر 2025م، برزت رواية على منصات مؤيدة لإسرائيل تزعم أن منفذ حادث إطلاق النار في جامعة براون كان فلسطينيًا. وذكرت منصة "مسبار" أن إيدي كوهين كان من أبرز الحسابات التي روجت لهذه الرواية، رغم غياب مصدر رسمي يدعمها.
وتكشف هذه الحالة تقنية مختلفة: التثبيت المبكر للهوية" في الأحداث الأمنية، تكون الدقائق والساعات الأولى شديدة الفوضى، إذا جرى تثبيت هوية دينية أو قومية أو سياسية للفاعل قبل اكتمال التحقيق، يمكن أن تنتشر الرواية قبل ظهور المعلومات الرسمية. وحتى لو جرى تصحيحها لاحقًا، يكون الجمهور قد كوّن انطباعه الأول بالفعل، ولهذا يمكن وصف هذه التقنية بأنها: "احتلال اللحظة الأولى".
من التضليل إلى الاستفزاز.. حالة مصر
لا تندرج كل منشورات كوهين ضمن التضليل المعلوماتي، وهذا أمر مهم. في أبريل 2025م، أثارت منشوراته الساخرة المتعلقة بالفنان محمد رمضان جدلًا في مصر. هنا لا نتعامل بالضرورة مع "خبر كاذب"، وإنما مع: "الاستفزاز الثقافي"، وهو استخدام موضوع ثقافي أو فني أو اجتماعي لتحويل الحساب إلى طرف داخل الجدل المحلي. هذه التقنية ذات أهمية استراتيجية لأنها توسع نطاق الجمهور، فالحساب الذي يتحدث فقط عن إسرائيل وفلسطين يخاطب جمهورًا سياسيًا محددًا.
لكن الحساب الذي يتحدث عن الفن، وكرة القدم، والمشاهير، والعادات، والحياة اليومية، والأزمات الاقتصادية يصبح أكثر حضورًا في الحياة اليومية للمستخدم. هنا يحدث تحول مهم: المتابع لا يتعامل مع الحساب باعتباره مصدرًا سياسيًا فقط، بل باعتباره شخصية رقمية حاضرة في المجال العام.
الأقليات.. من "المحتوى" إلى "بناء الشبكات"
في أكتوبر 2025م، نظم كوهين مؤتمرًا في تل أبيب حول أقليات الشرق الأوسط، وشارك فيه ممثلون عن مجموعات كردية ودرزية وعلوية وإيزيدية وآشورية وغيرها. وفي أحد منشوراته نشر توصيات للمؤتمر تضمنت إنشاء مكتب ارتباط إقليمي افتراضي يضم شخصيات سياسية وناشطين يمثلون مكونات مختلفة من المنطقة. هذه ليست "شائعة" بالمعنى التقليدي، إنها حالة مختلفة تمامًا: "التأثير الشبكي"، فبدل أن يكون التأثير قائمًا على منشور واحد، يصبح قائمًا على: أشخاص، وشبكات، ومؤتمرات، وعلاقات، ومنصات، وخطاب هوياتي، وهذا أكثر أهمية من تحليل المنشور الفردي.
حرب المعلومات الحديثة لا تعمل فقط على مستوى: ماذا قال؟ بل أيضًا: مع من يتحدث؟، ومن حضر؟، ومن يعيد نشر رسالته؟، وما الشبكات التي يمكن أن تستمر بعد انتهاء المنشور؟
حالة "كلنا قسد"
في يناير 2026م، رصدت منصة "مسبار" حملة رقمية حول وسم "كلنا قسد"، وأشار تحليلها إلى أن حساب كوهين كان من أوائل الحسابات التي استدعت الوسم، ثم تلقى تفاعلًا مرتفعًا أسهم في دفعه إلى الانتشار، قبل أن تتولى حسابات مؤيدة لقسد مواصلة الترويج له. هذه الحالة مهمة لأنها تنقلنا من دراسة "المحتوى" إلى دراسة: "ديناميات الانتشار"، فالسؤال هنا ليس: هل الجملة صحيحة؟ بل: كيف تحول وسم محدود إلى حملة عابرة للحدود؟. هذا يقود إلى مفهوم: التضخيم الشبكي.
الكويت والمعارضة.. مثال على صناعة الانتباه
في ديسمبر 2025م نشر كوهين منشورًا يتعلق بسحب جنسيات معارضين كويتيين في الخارج، ووصل المنشور وفق البيانات المتاحة إلى أكثر من 170 ألف مشاهدة. هذا المثال مهم حتى لو لم يُصنف تلقائيًا باعتباره "شائعة". إنه يكشف تقنية: "الاستهداف السياسي المحلي"، أي مخاطبة جمهور دولة عربية حول قضية داخلية تخصها. وهنا لا يكون الهدف الضروري هو تقديم موقف إسرائيلي مباشر، بل الدخول في نقاش محلي يمكن أن يثير الغضب، ويرفع التفاعل، ويدفع المستخدمين إلى الجدال، ويوسع قاعدة الجمهور.
السخرية سلاح إعلامي
السخرية ليست مجرد أسلوب لغوي عند كوهين، إنها أداة انتشار، فالرسالة الساخرة قصيرة، وسهلة الاقتباس، وسهلة المشاركة، ولا تحتاج إلى شرح طويل، وتستفز الرد، وتجعل الخصم يشارك في نشرها من خلال الرد عليها. وهنا تظهر مفارقة: قد يكون أفضل مروج للمنشور هو خصمه، فعندما يغضب آلاف المستخدمين من منشور ما ويعيدون نشره للرد عليه، يتحولون دون قصد إلى شبكة توزيع. من هنا يجب تعليم الشباب: ليس كل منشور يستفزك يستحق أن تمنحه جمهورك.
"العدو" ليس دائمًا الموضوع الحقيقي
من خلال الحالات السابقة يمكن ملاحظة أن الموضوع الظاهر في المنشور ليس بالضرورة الهدف النهائي. مثلًا: فيديو إيطاليا قد يبدو عن حريق، لكن الرسالة تتحول إلى فلسطينيين. فيديو إيرلندا قد يبدو عن مساكن، لكن الرسالة تصبح عن غزة والتهجير. فيديو كربلاء قد يبدو عن زيارة دبلوماسية، لكن الرسالة تصبح عن العلاقة السعودية الإيرانية. مظاهرة سورية قد تبدو عن فيديو قديم، لكن الرسالة تصبح عن شرعية السلطة الحالية. وهكذا فإن المادة البصرية هي الوسيلة، والسياق السياسي هو الرسالة.
تصنيف تقنيات التأثير في عينة 2025م-2026م
يمكن بناء التصنيف التالي:
-التلاعب الزمني: استخدام مادة قديمة في حدث جديد.
-التلاعب المكاني: نقل صورة من دولة أو مدينة إلى مكان آخر.
-انتحال الهوية: نسبة صورة أو شخصية إلى شخص مختلف.
-التلاعب السياقي: عرض حقيقة جزئية لإنتاج استنتاج مختلف.
-إعادة تدوير المواد: إعادة استخدام محتوى قديم في أزمات جديدة.
-الاستفزاز العاطفي: استخدام السخرية والغضب والإهانة لإنتاج التفاعل.
-الاستقطاب الهوياتي: توظيف الدين أو الطائفة أو القومية أو القومية الفرعية.
-التضخيم الشبكي: استدعاء وسم أو قضية ثم انتقالها إلى شبكات أخرى.
-احتلال اللحظة الأولى: تقديم تفسير مبكر قبل اكتمال المعلومات.
-نزع الشرعية: إنتاج صورة مفادها أن مؤسسة أو حكومة أو جماعة لا تتمتع بالمصداقية.
-الإسرائيلي الخبير بالعرب: تقديم المتحدث نفسه بوصفه شخصًا يفهم العرب من الداخل.
-التفاعل مع الثقافة الشعبية: الدخول في الفن والمشاهير والقضايا اليومية لتوسيع قاعدة الجمهور.
-تحويل الجمهور إلى مشارك: استدراج المستخدمين إلى الرد والمشاركة والجدل.
التقنية الأهم.. مزج الحقيقة بالتضليل
قد تكون بعض العناصر صحيحة، وهذا هو الذي يجعل الرواية مقنعة. مثلاً: السفير السعودي ذهب فعلًا إلى كربلاء، والقوات الإسرائيلية دخلت القنيطرة فعلًا، وتوجد احتجاجات سورية فعلًا، وتوجد صراعات حقيقية حول الأقليات، وتوجد خلافات سياسية عربية حقيقية، وتوجد حرائق فعلًا. لكن المشكلة تحدث عندما تنتقل الرسالة من: "حدث هذا" إلى: "وهذا ما يعنيه"، وهنا تدخل عملية التفسير. لذلك فإن الوعي الإعلامي يجب أن يعلم المواطن التفريق بين الواقعة والاستنتاج الذي يريد الكاتب أن يخرج به منها.
صناعة "الإحساس بالقوة"
من الأنماط التي تستحق دراسة أعمق في خطاب كوهين تقديم إسرائيل أحيانًا باعتبارها طرفًا قادرًا على الوصول إلى كل مكان، ومعرفة ما يحدث، والتأثير في المنطقة، ومراقبة الخصوم، واختراق المؤسسات، والرد في أي وقت. حتى عندما تكون الرسالة ساخرة، يمكن أن تنتج أثرًا نفسيًا: إسرائيل موجودة في كل مكان. وهذه نقطة مهمة في الحرب الإدراكية، فالردع لا يكون عسكريًا فقط. هناك أيضًا ردع إدراكي، وهو أن يعتقد الخصم أن القوة أكبر مما يراها على الأرض. لكن يجب التعامل مع هذا الاستنتاج بوصفه فرضية تحليلية تحتاج إلى اختبار كمي عبر عينة أوسع، وليس باعتباره نية مثبتة لكل منشور.
"الرسالة المزدوجة"
من السمات المهمة أيضًا أن الرسالة قد تخاطب جمهورين في وقت واحد. الجمهور العربي يرى: "شاهدوا ماذا يحدث في بلدكم"، والجمهور الإسرائيلي قد يرى: "انظروا كيف يخاطب الإسرائيليون العرب"، وبذلك يصبح المنشور: رسالة إلى الخارج ورسالة إلى الداخل. وهذا يفسر لماذا قد يستخدم كوهين العربية والسخرية والقضايا المحلية بدل الاقتصار على الخطاب الدبلوماسي الرسمي.
لماذا تنجح هذه الأدوات؟
لا يكفي تحليل المنتج، يجب تحليل البيئة التي تستقبله. هناك خمسة عوامل رئيسية:
1-السرعة: المعلومة الكاذبة تصل قبل المعلومة المدققة.
2-الانفعال: الخوف والغضب ينتشران أسرع من التحليل الهادئ.
3-الخوارزمية: المحتوى الذي يولد التفاعل يحصل غالبًا على مزيد من الظهور.
4-الاستقطاب: المستخدم يصدق أحيانًا ما يتوافق مع موقفه المسبق.
5-ضعف الثقة: كلما انخفضت الثقة بالمؤسسات، أصبح المستخدم أكثر استعدادًا لتصديق المصادر البديلة.
الخطر الأكبر ليس أن يصدق المواطن كوهين
قد يكون هذا الاستنتاج مهمًا جدًا. الخطر ليس فقط أن يقول المواطن: "إيدي كوهين صادق". الخطر الأكبر أن يصبح مقتنعًا بأن: "كوهين والحكومة والإعلام والصحافة كلهم يكذبون"، أي أن الحرب المعلوماتية قد لا تستهدف تحويل المواطن إلى مؤيد لرواية الخصم، بل قد تستهدف تحويله إلى مواطن فاقد الثقة بالجميع، وهذا أكثر تعقيدًا.
الرد لا يجب أن يكون "مضادًا لكوهين"
إذا تحولت مكافحة كوهين إلى: "كوهين كاذب دائمًا" فسنقع في المشكلة نفسها؛ لأن أي منشور صحيح منه سيصبح اختبارًا للمصداقية. والصحيح هو: "هذا المنشور صحيح/ خاطئ/ مضلل وفق الأدلة المتاحة"، ثم يقدم الدليل. هذه النقطة جوهرية لبناء الحصانة المعلوماتية.
نموذج عملي للتحقق من أي منشور
يمكن تعليم المواطن والشباب قاعدة من سبع خطوات:
الأولى: ماذا يقول المنشور بالضبط؟
الثانية: ما مصدره الأصلي؟
الثالثة: متى أنتجت الصورة أو الفيديو؟
الرابعة: أين التقطت؟
الخامسة: هل توجد مصادر مستقلة تؤكد الادعاء؟
السادسة: ما الجزء الذي نعرفه يقينًا؟
السابعة: ما الجزء الذي استنتجه صاحب المنشور؟
إذا فشل المنشور في واحدة من هذه المراحل، فلا يعني ذلك تلقائيًا أنه كاذب، لكنه يعني: لا تعيد نشره قبل التحقق.
بطاقة "فحص كوهين"
يمكن تطوير نموذج تعليمي خاص بدراسة حسابه: هل المنشور أصلي؟، وهل الحساب الرسمي هو الذي نشره؟، وهل الصورة أصلية؟، وهل الفيديو أصلي؟، وهل الزمن صحيح؟، وهل المكان صحيح؟، وهل هوية الأشخاص صحيحة؟، وهل العنوان يطابق المحتوى؟، وهل توجد مصادر مستقلة؟، وما الشعور الذي يحاول المنشور إنتاجه؟، ومن المستفيد من انتشار الرواية؟، وهل المنشور خبر أم رأي أم استفزاز؟. هذه الأسئلة يمكن تحويلها إلى تطبيق أو بطاقة إلكترونية للشباب.
من "إيدي كوهين" إلى مختبر جامعي
يمكن إنشاء مشروع بحثي في الجامعات بعنوان: "مختبر الحصانة المعلوماتية"، يختار الطلاب أسبوعيًا عشرة منشورات من حسابات مختلفة، بينها حساب كوهين، ويطبقون عليها منهج التحقق. ولا يسمح لهم بإصدار حكم: "صحيح/ كاذب" إلا بعد تقديم المصدر الأول، وتاريخ الصورة، والموقع، ومصدر ثانٍ مستقل، وسبب التصنيف. وبذلك يصبح الطالب باحثًا صغيرًا لا متلقيًا للتلقين.
إنشاء قاعدة بيانات 2025م-2026م
الدراسة الأكثر قوة لا ينبغي أن تعتمد على عشر حالات فقط، المطلوب إنشاء قاعدة بيانات تضم، مثلًا: 500 منشور من 2025م و500 منشور من 2026م ثم تصنيفها. ويُسجل لكل منشور:
|
المتغير |
الترميز |
|
التاريخ |
يوم/ شهر/ سنة |
|
الموضوع |
غزة/ مصر/ سوريا/ إيران/ الخليج/ إسرائيل... |
|
الشكل |
نص/صورة/فيديو/رابط |
|
النبرة |
خبرية/ ساخرة/ استفزازية/ تحريضية/ تحليلية |
|
المصدر |
أصلي/ إعادة نشر |
|
السياق |
صحيح/ ناقص/ خاطئ |
|
الزمن |
صحيح/ قديم |
|
المكان |
صحيح/ خاطئ |
|
الهوية |
صحيحة/ غير صحيحة |
|
الدليل |
موجود/ غير موجود |
|
التفاعل |
مشاهدات/ إعجابات/ إعادة نشر |
|
الهدف الظاهر |
إعلام/ استقطاب/ تعبئة/ استفزاز |
|
النتيجة |
صحيح/ مضلل/ كاذب/ غير مثبت/ رأي |
وبعدها يمكن استخدام التحليل الإحصائي لمعرفة: أي نوع من المنشورات يحصل على أكبر تفاعل؟ وهنا تنتقل الدراسة من الانطباع إلى العلم.
فرضيات يمكن اختبارها
يمكن بناء الدراسة حول مجموعة فرضيات:
الأولى: المنشورات التي تتضمن مادة بصرية تحقق تفاعلًا أكبر من المنشورات النصية وحدها.
الثانية: المحتوى الذي يثير الغضب أو السخرية أكثر قدرة على الانتشار.
الثالثة: المحتوى الذي يتعلق بخلافات داخلية عربية يحصل على انتشار أكبر من بعض المحتوى الإسرائيلي المباشر.
الرابعة: إعادة تدوير المواد القديمة في سياقات جديدة يمثل نمطًا متكررًا.
الخامسة: المحتوى المتعلق بالهويات الفرعية، مثل القومية أو الطائفة، قادر على إنتاج شبكات تفاعل عابرة للحدود.
السادسة: التصحيح المتأخر لا يصل إلى الجمهور نفسه الذي وصل إليه الادعاء الأول.
السابعة: المنشورات الساخرة تؤدي وظيفة سياسية حتى عندما لا تحتوي على ادعاء خبري قابل للتكذيب.
هذه كلها فرضيات، وليست نتائج مسبقة.
ما الذي لا تثبته العينة؟
من الضروري جدًا وضع حدود للدراسة، فالحالات السابقة لا تثبت وحدها أن كل منشورات كوهين مضللة، وأن كل منشوراته جزء من عملية حكومية إسرائيلية، وأن لديه تنسيقًا مباشرًا مع أجهزة استخبارات، وأن كل من يعيد نشر محتواه جزء من شبكة منظمة، وأن التفاعل المرتفع يعني وجود حسابات آلية، وأن الهدف من كل منشور هو نفسه. هذه قضايا تحتاج إلى أدلة مستقلة، وإلا فإن الدراسة التي تهدف إلى كشف التضليل قد تقع في التعميم غير المدعوم.
بين "الحرب النفسية" و"التضليل"
ليس كل تأثير نفسي تضليلًا. قد ينشر شخص حقيقة بطريقة استفزازية، وقد تكون الرسالة صحيحة لكنها تهدف إلى إحراج خصم سياسي، وقد تكون الرسالة رأيًا أيديولوجيًا صريحًا، وقد تكون شائعة. ولهذا يجب استخدام ثلاثة مستويات منفصلة: المحتوى، ثم الآلية، ثم الأثر المحتمل.
مثلًا: فيديو قديم يعني المحتوى، وإعادة تقديمه كخبر جديد تعني الآلية، وإنتاج تصور بأن حدثًا جديدًا وقع يعني الأثر المحتمل. هذا أكثر دقة من وصف كل شيء بأنه "حرب نفسية".
إيدي كوهين ليس "الجبهة" كلها
هذه نقطة أساسية. حتى إذا ثبت أن بعض منشوراته مضللة، فهو لا يمثل وحده البيئة المعلوماتية الإسرائيلية. هناك مؤسسات رسمية، ومتحدثون عسكريون، ووسائل إعلام، ومؤثرون، وحسابات مجهولة، وحسابات آلية، وناشطون، وجماعات ضغط، ومؤسسات بحثية، وشبكات دبلوماسية رقمية. لذلك فإن القيمة الحقيقية لدراسة كوهين هي أنه يمثل عقدة Nodeداخل بيئة معلوماتية أوسع.
عدم تجاهل دور الجمهور العربي
المنشور لا يصبح مؤثرًا لمجرد أن كوهين نشره، هناك دائمًا منتج، وناقل، ومعلق، ومعارض، وساخر، ومؤثر، ووسيلة إعلام، وجمهور جديد. وقد يتحول الخصوم أنفسهم إلى أدوات تضخيم، فحين يهاجم ألف شخص منشورًا، فإنهم قد يرفعون انتشاره. وهذا يعني أن مكافحة التضليل يجب أن تشمل سلوك الجمهور، لا فقط سلوك المنتج.
آليات مواجهة النموذج
المواجهة الفعالة تتكون من ست آليات:
الأولى.. التحقق: بناء قدرات قوية وسريعة في فحص الصور والفيديوهات.
الثانية.. التوعية: تعليم الجمهور أدوات التفكير قبل وقوع الشائعة.
الثالثة.. الاتصال الرسمي: تقديم المعلومات بسرعة وشفافية.
الرابعة.. الإعلام المهني: عدم إعادة نشر الادعاء لمجرد تفنيده.
الخامسة.. التكنولوجيا: استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد الأنماط والكشف عن التزييف.
السادسة.. البحث: دراسة الشبكات لا الحسابات الفردية فقط.
القاعدة الذهبية للشباب
يمكن اختصار البرنامج كله في قاعدة: لا تشارك شيئًا لأنه أغضبك، ولا تصدقه لأنه يوافقك، ولا ترفضه لأنه صدر عن خصمك. تحقق أولًا. هذه الفقرة هي جوهر المناعة المعلوماتية.
ماذا يجب أن يتعلم الطالب من حالة كوهين؟
ليس الدرس: "إيدي كوهين يكذب"، بل: "قد تكون الصورة صحيحة والرواية خاطئة"، وليس: "لا تثق بالإسرائيلي"، بل: "لا تثق بأي مصدر لمجرد هويته أو موقفه السياسي"، وليس: "الحساب المعادي يجب تجاهله دائمًا"، بل: "افحص الادعاء، ثم قرر إن كان يستحق التداول". هذا فارق كبير بين التربية الوطنية والدعاية المضادة.
الاستنتاج الاستراتيجي
تكشف دراسة الحالات الموثقة في 2025م-2026م أن بعض أخطر أدوات التأثير لا تقوم على إنتاج كذبة كاملة، وإنما على إعادة ترتيب عناصر الحقيقة. صورة حقيقية، وفيديو حقيقي، وشخص حقيقي، وحدث حقيقي، ثم تاريخ مختلف، أو مكان مختلف، أو هوية مختلفة، أو تفسير مختلف. هنا تصبح العملية المعلوماتية قادرة على إنتاج واقع إدراكي جديد دون الحاجة إلى اختراع كل عناصره، وهذا هو جوهر التلاعب السياقي.
النتيجة الأهم.. الحرب على الوعي ليست حربًا ضد المعلومات
المجتمع الذي يحاول حماية نفسه من الشائعات عبر منع المعلومات سيكون مجتمعًا هشًا، أما المجتمع القوي فهو الذي يستطيع التعامل مع فائض المعلومات. ولهذا فإن الهدف الاستراتيجي لا ينبغي أن يكون تقليل المعلومات، بل رفع جودة التمييز بينها. ولا ينبغي أن يكون منع الشباب من متابعة الحسابات المثيرة للجدل، بل تعليمهم كيف يقرأونها دون أن يتحولوا إلى أدوات لإعادة توزيعها.
الخاتمة
تكشف دراسة إيدي كوهين خلال 2025م-2026م عن نموذج إعلامي يستحق البحث ليس لأن كل محتواه يمكن تصنيفه تحت عنوان واحد، وإنما لأنه يجمع في فضاء واحد بين الخبر والتعليق والسخرية والاستفزاز والمحتوى البصري والقضايا المحلية العربية والرسائل المرتبطة بإسرائيل والشرق الأوسط.
وتكشف الحالات التي خضعت للدراسة عن أنماط متكررة من إعادة استخدام مواد قديمة، وتغيير السياق الزمني والمكاني، ونسبة هويات غير صحيحة إلى أشخاص، واستخدام مواد مولدة بالذكاء الاصطناعي، واستثمار اللحظات الأمنية والسياسية الحساسة، والدخول في القضايا الهوياتية والطائفية والقومية، وتعبئة الشبكات الرقمية حول وسوم وقضايا محددة.
لكن القيمة العلمية الأهم ليست في جمع هذه الحالات لإثبات أن كوهين "ينشر التضليل"؛ بل في استخدامها لتعليم المجتمع كيف يعمل التضليل أصلًا. فالمواطن الذي يتعلم أن يسأل: متى؟ أين؟ من؟ المصدر الأول؟ هل الصورة أصلية؟ هل السياق صحيح؟ هل هناك مصدر مستقل؟ ما الذي أعرفه فعلًا، وما الذي استنتجه صاحب المنشور؟ سيصبح أقل قابلية للتأثر ليس فقط بمنشورات إيدي كوهين، وإنما بأي جهة تحاول توظيف البيئة الرقمية للتأثير في إدراكه. من هنا تتحول دراسة كوهين من دراسة لشخص إلى مختبر للحصانة المعلوماتية. فالهدف النهائي ليس إسكات الحسابات، وإنما بناء مواطن لا يمكن تحويله بسهولة إلى ناقل للمعلومة غير الموثقة.
وهذا هو التحول الاستراتيجي من مكافحة الشائعة إلى بناء الحصانة المجتمعية ضد التلاعب المعلوماتي، ومن مواجهة الدعاية بالدعاية إلى مواجهة التلاعب بالمعرفة والتحقق والتفكير النقدي، ومن الجمهور المستهدف إلى المواطن بوصفه خط الدفاع الأول.