كريم قرط (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)
عقب عملية الخليل، في 23 تشرين الثاني/أكتوبر 2026، صعّد الاحتلال من إجراءاته وخطابه تجاه الضفة الغربية كلها؛ إذ هدد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بشنّ عملية عسكرية على الضفة الغربية لم يكن لها مثيل منذ 1967، وأن توقيتها مرتبط بقرار من الحكومة. بينما هدد بتسلئيل سموتريتش بأنه لا بد من عملية عسكرية شاملة لتفكيك السلطة الفلسطينية على غرار العمليات العسكرية في غزة ولبنان.
ترافقت مع تلك التصريحات عمليةٌ عسكرية إسرائيلية تستهدف مدينة الخليل تحت اسم "زئير يهودا"، وقد أدت إلى تهجير أكثر من 2600 فلسطيني في الخليل، وهدم مبان ومنشآت صناعية في منطقة فرش الهوى حيث نُفّذت عملية إطلاق النار.
وأعادت سلسلة الأحداث هذه، طرح التساؤل المتكرر في الآونة الأخيرة على أهداف الاحتلال تجاه الضفة الغربية وعلاقة التحشيد العسكري الإسرائيلي فيها بالتهويل من حدوث هجوم على غرار 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 من الضفة، وسيناريو انخراط السلطة في مواجهة الاحتلال الذي يطلق عليه الاحتلال "انقلاب البنادق". وتهدف هذه المادة إلى محاولة توضيح المخطط الذي يسعى الاحتلال لتنفيذه في الضفة فيما يتعلق بمساريْ الضم والتهجير.
حشد عسكري غير مسبوق منذ انتفاضة الأقصى
في آب/أغسطس 2026، أعلن رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير رفع حالة التأهب في الضفة الغربية بسبب التوتر واقتراب موسم الأعياد اليهودية. وأيضاً، في أيلول/سبتمبر المنصرم، أعلن عن نشر قيادة فرقة 98 في الضفة الغربية لتتولى قيادة لوائيْ "يهودا وعتسيون"، أي جنوب الضفة بالكامل من بيت لحم إلى الخليل. وقد أتى ذلك عقب حدوث عملية دهس على حاجز بيت عور غرب رام الله، غير أن قرار نقل قيادة الفرقة إلى الضفة كان قد أُعدّ له منذ أشهر، وكانت خلاله قيادة الفرقة تستعد ميدانياً لتولي تلك المهمة التي أُطلق عليها اسم "توفيم هشنايم"، أي "الاثنان جيدان"، بناءً على إعادة تقييم لأولوية الجبهات؛ إذ أصبحت الضفة على رأس أولويات الجبهات الإسرائيلية.
للتوضيح، يقسّم جيش الاحتلال الضفة الغربية إلى 6 ألوية مناطقية؛ يهودا (الخليل والجوار)، وعتسيون (بيت لحم والجوار)، وبنيامين (رام الله والجوار)، وأفرايم (قلقيلية والجوار)، وشومرون (نابلس والجوار)، ومنشيه (جنين وطولكرم والجوار)، تخضع لفرقة يهودا والسامرة (فرقة 877). ولا يدخل غور الأردن في هذه التقسيمات لأن الاحتلال لا يعدّه جزءاً من "يهودا والسامرة"، وإنما قطاعاً قائماً بذاته، ويتولى تأمينه لواء الأغوار التابع لفرقة 96.
وعليه، من الناحية الفعلية هناك 3 فرق إسرائيلية في الضفة الغربية، وقد كان هدف نشر قيادة الفرقة 98 هو تخفيف العبء عن فرقة الضفة وتعزيز السيطرة والتحكم حتى تركز جهودها على شمال الضفة ووسطها، بينما تركز قيادة 98 على الجنوب، وذلك من دون حشد أي ألوية أو كتائب تابعة للفرقة في الضفة الغربية.
كانت تلك الخطوة أكثر خطوة استثنائية يتخذها الاحتلال من الناحية العسكرية في الضفة الغربية منذ انتفاضة الأقصى 2000؛ إذ عملت خلالها 5 فرق في الضفة. ومع أن مدة عمل قيادة الفرقة في الضفة موقتة، فإنها قد تُمدد تبعاً لتطور الأحداث.
وقد ترافقت تلك الخطوة مع انتشار عسكري إسرائيلي غير مسبوق في الضفة الغربية؛ إذ تنتشر فيها، في الوضع الطبيعي، 13 كتيبة تابعة لفرقة الضفة، وفي ذروة عمليات المقاومة في الضفة ارتفع عدد الكتائب المنتشرة فيها إلى 26 في تشرين الأول/أكتوبر 2022. وفي سنة 2024، كان عدد الكتائب في الضفة 23 في ظل الخشية من تصعيد يترافق مع شهر رمضان. وكان جيش الاحتلال قد خطط لتقليل عدد كتائبه في الضفة، ثم عاد ليرفع العدد إلى 26 في أيلول/سبتمبر المنصرم. وإذا أضفنا الكتائب المنتشرة في الأغوار، فإن العدد يصبح 28. وهو عدد لا تشهده الضفة إلاّ في ذروة التصعيد، على خلاف الوضع الحالي.
تزامن ذلك مع مناورة أجراها جيش الاحتلال، في 11 أيلول/سبتمبر، للتعامل مع سيناريو هجوم على غرار 7 تشرين الأول/أكتوبر تجاه المستوطنات وأراضي الـ 48. وترافق ذلك أيضاً مع حشد وحدات نخبوية في جيش الاحتلال في الضفة، منها على سبيل المثال وحدة نخبة البحرية شيتت 13.
أثار هذا الحشد العسكري الإسرائيلي المستمر في الضفة الغربية، الذي يُتوقع أن يزداد، جدلاً بشأن أسبابه التي لا تتوافق مع طبيعة الوضع الأمني فيها. فالمرحلة الحالية تشهد ركوداً في حالة المقاومة مدفوعاً بإجراءات الاحتلال نفسها التي قضت على بؤر المقاومة وما زالت تشن حملات اعتقالات وملاحقات بلغت حصيلتها 46 ألف حالة اعتقال أو تحقيق، منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2026.
ومع أن الاحتلال يعلن أن هذا التحشيد العسكري مرتبط بمواسم الأعياد اليهودية وبموسم قطف الزيتون، بما يشير إلى أنه وضع غير دائم، فإن "التوتر"، ومعه التحشيد العسكري في الضفة الغربية في ظل سياسات الاحتلال واعتداءات مستوطنيه وتوسع السيطرة والضم، هو القاعدة التي تشهد استثناءات، وليس الاستثناء.
سيناريو "انفجار" الضفة الغربية!
كان سيناريو "انفجار الضفة الغربية" و"انخراط أجهزة السلطة الأمنية" في مواجهة إسرائيل مطروحاً منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 في بعض الأوساط الإسرائيلية. فقد وجّه 14 عضواً من أعضاء الكنيست رسالة إلى رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، في كانون الثاني/يناير 2024، لعقد نقاش مستعجل بشأن سيناريو "انقلاب البنادق".
وكان موقع الصوت اليهودي قد أجرى سلسلة تحقيقات أواسط سنة 2024، تحت عنوان "جيش فلسطين الذي ينشأ تحت أنف إسرائيل"، وقد تتبعت تلك التحقيقات طبيعة التدريبات التي تجريها أجهزة السلطة في دول كباكستان. كما عُرضت نتائج التحقيقات على المؤسسة الأمنية والعسكرية، لكنها لم تعرها أي أهمية.
وعلى العكس من ذلك، أوصت قيادة المنطقة الوسطى الإسرائيلية بتعميق التعاون مع أجهزة السلطة الأمنية، ولا سيما عقب حملتها على معاقل المقاومة في شمال الضفة الغربية في أواخر سنة 2024.
وتشي متابعة التحولات التي حدثت منذ ذلك الحين بأن إسرائيل قد غيّرت تلك المقاربة، وأن المسألة لم تعد تقتصر على عدد من الوزراء والمسؤولين المتطرفين، وإنما انتقلت إلى المؤسستين العسكرية والأمنية، مع الأخذ بعين الاعتبار التغيرات التي جرت داخلها في السنوات الأخيرة؛ فيما يتعلق بتبوء شخصيات محسوبة على اليمين والصهيونية الدينية لقيادتها، كديفيد زيني رئيس الشاباك، وآفي بلوت قائد القيادة الوسطى، وإيال زامير رئيس أركان جيش الاحتلال.
فمنذ أوائل أيلول/سبتمبر المنصرم على أقل تقدير، انخرط جيش الاحتلال نفسه في التحذير من هذا السيناريو، على خلفية تصاعد الصراعات داخل السلطة الفلسطينية واحتدام المنافسة على خلافة عبّاس، وتصاعد عنف المستوطنين. ومنذ ذلك الحين، تصاعدت التصريحات الإسرائيلية التي تحذّر من هذا السيناريو، بمشاركة عدد من الوزراء كوزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي هدد، في 7 أيلول/سبتمبر، بحرب شاملة تُشن على السلطة الفلسطينية في حال شاركت في "اضطرابات" ضد المستوطنات وقوات الاحتلال أو خططت لشن هجوم على غرار 7 تشرين الأول/أكتوبر. ولاحقاً، انضم نتنياهو للتهديد؛ إذ وقف على مشارف الضفة في 13 تشرين الأول/أكتوبر ليحذّر بأن جيش الاحتلال مستعد للتعامل مع كل السيناريوهات بما فيها "انقلاب الفوهات".
تصاعدت الأمور إلى منحى أكثر خطورة من الناحية الرسمية مع تقديم جيش الاحتلال خطة القيادة الوسطى للكابينت، في 4 تشرين الأول/أكتوبر، للتعامل مع سيناريو "انقلاب البنادق" أو هجوم على غرار 7 تشرين الأول/أكتوبر. وفي 6 تشرين الأول/أكتوبر أعلن كاتس عن خطة جيش الاحتلال لمواجهة ذينك السيناريوين.
السيناريو الأول هو هجوم "جهادي" -بحسب المصطلح الذي استخدمه الاحتلال- على المستوطنين وجنود الاحتلال عُرّف على أنه السيناريو المرجعي لجيش الاحتلال، أي ذلك الذي يتضمن احتمالية عالية وعلى أساسه توضع الخطط العملية. وهذا هو السيناريو الأخطر فيما يتعلق بواقع الضفة الغربية لضبابيّته واحتوائه على عدة تفسيرات واحتمالات.
أمّا السيناريو الثاني، فهو تكرار السلطة الفلسطينية لتجربة الانتفاضة الثانية باشتراك قواتها وأعضاء تنظيم "فتح" في مواجهة منظمة ضد الاحتلال. وقد أعلن كاتس أن إسرائيل في حال حدوث أي من السيناريوين ستعلن الحرب على السلطة الفلسطينية بناءً على خطة مسبقة؛ صادَق هو ونتنياهو عليها.
ومن بين الأمور التي أعلنها:
معركة قصيرة ماحقة تشمل استخدام قوات البر والجو والوسائل الخاصة.
اغتيال مسؤولي السلطة الفلسطينية ونفيهم.
إخلاء واسع للسكان (الفلسطينيين) وتدمير البنى التحتية "للإرهاب" داخل المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين، على غرار غزة ولبنان.
ستكون نتيجة المعركة الحسم الواضح وتغيير الواقع.
علاقة التحشيد العسكري بتصاعد الضم والتهجير
نظراً إلى واقع الضفة الغربية، فإن كل المؤشرات بما فيها تلك الصادرة عن الاحتلال تشير إلى أن أياً من ذينك السيناريوين ليس بوارد الحدوث. ففيما يتعلق بإمكان حدوث هجوم على غرار 7 تشرين الأول/أكتوبر، فضلاً عن أن الضفة تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي المباشر وأنه قد أعاد هندستها منذ ما بعد الانتفاضة الثانية إلى ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، بما يعوق إمكان أي تحرك جماهيري، فإن أجهزة الاحتلال الأمنية تقرّ أن المقاومة في الضفة تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ سنة 2011.
أمّا سيناريو انخراط أجهزة السلطة في المواجهة على غرار انتفاضة الأقصى، فهو سيناريو تدرك إسرائيل أنه خيالي، وذلك لعوامل واعتبارات موضوعية أهمها أن ما تملكه السلطة من عتاد وذخيرة لا يكفي إلاّ لأيام على أقصى تقدير في حال انخرطت في المواجهة. وهذا نتيجة سياق طويل من الهندسة التي نفذّتها إسرائيل لضمان أن السلطة لن يكون بمقدورها تكرار تجربة الانتفاضة.
غير أن الاحتلال يقرأ الواقع في الضفة بصورة مغايرة؛ إذ تشير التقييمات لديه إلى أنه على الرغم من تراجع المقاومة، فإن التوتر يزداد. أمّا المستوطنون، فإنهم يحصون ارتفاعاً في المقاومة تجاه البؤر الاستيطانية تحديداً؛ إذ يزعمون أن النصف الأول من سنة 2026 شهد 441 عملاً مقاوماً، وأن عدد المستوطنين المصابين ارتفع إلى 140 حتى أواسط 2026، بالمقارنة بـ 119 في 2025 كله.
وعليه، فإن مصدر التوتر الأساسي في الضفة الغربية هو مشروع الاستيطان والتهجير والضم، الذي يشكل المستوطنون، ولا سيما فتيان التلال، أداته الناجعة.
وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن عنف المستوطنين يشهد قفزات عددية مهولة على أساس شهري. ففي حين كان الوضع قبل سنوات يقتصر على قرابة 2000 حالة اعتداء ينفذها المستوطنون في ذروة التصعيد، شهدت سنة 2025 وحدها قرابة 4800 حالة اعتداء، تشمل كل أنواع الاعتداءات. وفي سنة 2026، يشير تتبع تقارير الهيئة حتى شهر أيلول/سبتمبر(مع الملاحظة بأن الهيئة لم تصدر تقرير شهر حزيران/يونيو) إلى أن اعتداءات المستوطنين بلغت 5140 اعتداء على الأقل. يضاف إليها سياسات الاحتلال الرسمية التي تشمل الحواجز والعوائق والاقتحامات والتدمير والاعتقالات والقتل ومصادرة الأراضي، علاوةً على إضعاف السلطة وإفقار المجتمع وتدمير وسائل بقائه وصموده.
إن عنف المستوطنين هو أداة لعملية التهجير والتوسع الاستيطاني، ودولة الاحتلال تتعامل معه اليوم ومع المشروع الاستيطاني، ولا سيما التلال والمزارع الاستيطانية، على أنه قيمة أمنية استراتيجية يجب دعمها وتعزيزها.
إذ تمكن فتيان التلال والمستوطنون عموماً من السيطرة على ما تبلغ مساحته مليون ومئة ألف دونم (1100 كم مربع) من مساحة المنطقة المصنفة "ج". وهم مستمرون في التوسع ليس في مناطق "ج" وحدها، وإنما في "أ" و"ب" أيضاً؛ إذ إن هناك أكثر من 23 بؤرة استيطانية مقامة في الأراضي المصنفة "ب" تترافق مع توسع في السيطرة الفعلية على الأرض لتشمل قرابة 100 ألف دونم من مناطق "أ" و"ب".
ولا يخفي المستوطنون أياً من أهدافهم بالسيطرة على منطقة "ج" بالكامل وقرابة مليون و300 ألف دونم من مناطق "أ" و"ب"، بحيث يصنفونها على أنها مناطق "مفتوحة" ويستهدفون السيطرة على قرابة 80% من مساحة "مناطق أ" عبر إقامة 100 بؤرة استيطانية في عمقها.
في الحكومة الحالية، هناك دعم كبير من وزراء وأعضاء كنيست، وحتى من نتنياهو شخصياً لتلك الأهداف. وقد تعهّد عدد من الوزراء، ولا سيما سموتريتش وبن غفير وأوريت ستروك، بالعمل على تطبيق تلك الأهداف وإلغاء اتفاق أوسلو رسمياً لأنه هو الذي ما زال يحافظ على تقسيم الضفة إلى مناطق "أ"، و"ب"، و"ج".
هناك عملية ضم وتهجير تجري على قدم وساق، التي أجهزت تقريباً على كل المناطق المصنفة "ج"، تستعد للتوسع لتستولي على ما تبلغ نسبته 50% على أقل تقدير من أراضي "أ" و"ب"؛ وهذا يعني السيطرة الفعلية على ما تقارب مساحته 82% من مساحة الضفة الغربية، بينما سيترك للفلسطينيين مساحة تُقدّر بـ 18 إلى 20% على أقصى تقدير للعيش فيها، أي المناطق الحضرية في عمق المدن الفلسطينية.
صحيح أن هذه النسب تقديرية وتفترض استمرار المشروع الاستيطاني بالوتيرة الحالية، لكن لا يمكن تجاهل أنها تحظى بتأييد حكومي واسع، وأن سموتريتش كان قد عرض "خطة السيادة" في أيلول/سبتمبر 2025 التي تهدف إلى ضم 82% من الضفة الغربية.
واللافت في تلك الخطة كان أنها احتوت على 6 مناطق فلسطينية مقلّصة فقط، وهي الخليل ورام الله وأريحا ونابلس وطولكرم وجنين. بينما اختفت منها بيت لحم وقلقيلية. ولعل هذا يحيل إلى خطته المعروفة باسم خطة الحسم التي أيضاً قسّمت فيها الضفة الغربية إلى 6 إدارات فقط، لكن كانت فيها بيت لحم بينما غابت قلقيلية وطولكرم أيضاً.
ليست التفاصيل المتباينة بين الخطط المطروحة هي الموضوع الأهم، وإنما المبدأ العام الذي يهدف إلى تطبيق تلك الخطة من الناحية العملية. وهذا الأمر ليس متعلقاً بسموتريتش وحده، إنما تحول إلى نقاش عام في إسرائيل يذهب إلى صيغ أكثر تطرفاً تنادي بالتهجير الكامل للضفة الغربية، وليس حصر السكان في معازل مقلّصة فحسب.
ومن ناحية أُخرى، فإن غياب محافظات بعينها عن تلك الخطط، ولا سيما قلقيلية، ليس تفصيلاً عابراً. فقلقيلة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر تشهد حملة تحريض تجددت مع ما نشرته شرطة الاحتلال عن عثورها على نفق فيها يمتد نحو أراضي الـ 48. وهذا يحيل إلى أن تهجير قلقيلية كان هدفاً صهيونياً منذ 1967، نظراً إلى موقعها الجغرافي الذي يتخذ شكل نتوء يمتد داخل أراضي الـ 48.
إن تطبيق تلك الأهداف الإسرائيلية رسمياً، أو بالأمر الواقع بترك المجال لفتيان التلال وعموم المستوطنين للتهجير والتوسع، يمكن أن يؤدي إلى حدوث ردات فعل فلسطينية، ولا سيما فيما يتعلق بمواجهة عنف المستوطنين دفاعاً عن النفس في المقام الأول؛ إذ يمكن أن يحدث تصاعداً في العمليات الفردية، أو تحركاً جماهيرياً موضعياً، وهو أمر يبدو أن الإسرائيليين يستحثّونه، نظراً إلى طبيعة السياسات الإسرائيلية وعنف المستوطنين الذي يضطر الفلسطينيين إلى طريق مسدود.
لذلك، فإن التحشيد العسكري الإسرائيلي الحالي في الضفة الغربية، المترافق مع خطط جاهزة للتدخل السريع في حالة تحقق أحد السيناريوين الآنفين، يمكن قراءته على أنه تحشيد لحماية المشروع الاستيطاني، وخصوصاً مشروع التلال والمزارع وفتيانها وعنفها.
وهذا الأمر في صلب النقاشات التي تدعو إلى تغيير السياسات الأمنية في الضفة الغربية وتطالب الجيش بالاستجابة للتغييرات المهولة التي جرت على الأرض، وأبرزها إقامة أكثر من 100 مستوطنة وأكثر من 150 مزرعة استيطانية في السنوات الثلاث الأخيرة. وهذا يتطلب قوات أكبر وتعزيز القيادة والسيطرة والإنذار والحماية والدفاع والاستجابة التي يتطلبها التوسع المستمر للمشروع الاستيطاني. فإن مشروعاً عنيفاً وجذرياً كهذا يحتاج إلى غطاء وحماية وقوة ردع تأمَن استمراريته وتطوره وصولاً إلى لحظته الحاسمة، على غرار تجربة الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية قبل نكبة الـ48.
وهنا، تكمن الخطورة الحقيقية في سيناريو "7 تشرين الأول/أكتوبر" من الضفة، الذي يهوّل منه الاحتلال؛ إذ إنه ينص على حدوث هجوم على المستوطنات والمستوطنين بالدرجة الأساسية، لكن المستوطنين من طرفهم لا يتوقفون عن خلق الاحتكاك والتوتر والتصعيد الذي يمكن أن يحفّز ردات فعل فلسطينية تجاههم تفسّرها إسرائيل بأنه "7 أكتوبر"، فيتحرك جيش الاحتلال لتنفيذ خططه الجاهزة.
خاتمة
لقد وضعت إسرائيل أمام الفلسطينيين في الضفة الغربية خيارين لا ثالث لهما، أولهما أن يُترك المجال للمستوطنين، ومن ورائهم مؤسسات الدولة وسلطاتها، ليستمروا في التوسع والضم والتهجير، من دون أي رد فعل فلسطيني، حتى ولو كان على سبيل العمليات الفردية ومواجهة المستوطنين وصد هجماتهم. والسقف المتاح هنا هو ضم 82% من مساحة الضفة الغربية (رسمياً أو بالأمر الواقع) وتفكيك السلطة وتحويل الضفة إلى إدارات محلية.
كما ينتشر جيش الاحتلال في الضفة لتأمين هذا المشروع وردع الفلسطينيين عن مقاومته، أي أنه انتشار وقائي تحسباً لأي مقاومة فلسطينية تعيق استمرارية المشروع.
أمّا الخيار الثاني، فهو في حال قرر الفلسطينيون مقاومة ذلك المشروع. فهنا، سيتولى جيش الاحتلال المهمة ويرتكب إبادة في الضفة على غرار قطاع غزة ولبنان (كما صّرح كاتس)، بما يشمل تدمير السلطة وتدمير المدن الفلسطينية وتهجيراً واسع النطاق، وسيكون السقف حينها الضفة الغربية كلها وليس 82% منها.
في المحصلة، يستوجب هذا الواقع إعادة ترتيب للأولويات الفلسطينية وإعادة تفكير في الأدوات التي يمكن أن تكبح السياسات الإسرائيلية وتحافظ على نوع من الجمود الاستراتيجي الذي يؤدي إلى عدم الانجرار إلى مواجهة مُدبّرة نتيجتها محسومة، وفي الوقت نفسه، يوقف التقدم السريع لمشروع الضم والتهجير.