بقلم : نسيب شمس
تنطوي البيئة الاستراتيجية في مطلع الألفية الثالثة على فرص واعدة وتهديدات للأمن القومي للدول. ويواجه صانعو السياسة والمحترفون العاملون في الدوائر والمؤسسات الحكومية المدنية منها والعسكرية، تحولات البيئة الاستراتيجية التي باتت أشد خطورة وأكثر غموضاً وتعقيداً وإثارة للهواجس، من البيئة التي واجهها اسلافهم في القرن العشرين، ويصل الأمر إلى حد كبير، خاصة أن نجاح استراتيجيات الأسلاف قد ضاعف التحديات الحالية من خلال إيجاد وإطلاق ظاهرة "العولمة". وهذا ما يدفع للبحث في الفكر الاستراتيجي، ومحاولة التعرف على التغييرات التي طرأت عليه من أجل التعرف على كيفية التصدي للتحديات التي يتصدى لها صانعو السياسة وراسموا الاستراتيجيات، بعيداً عن ضوضاء بعض من يسمون خبراء ومحللون استراتيجيون.
بداية، لا بد من التأكيد أن الاستراتيجية كالسياسة هي فن الممكن، ولكن الذي يستطيعون تمييز الممكن قليلون جداً.
يمكن القول إن الاستراتيجية في جميع مستوياتها معرّفة بأنها حساب الأهداف والمفاهيم والموارد ضمن حدود مقبولة للمخاطرة، لخلق نتائج ذات مزايا أفضل مما كان يمكن أن تكون عليه الأمور لو تركت للمصادفة أو تحت أيدي أطراف أخرى، فيما يرى آخرون بأن الاستراتيجية فكرة أو مجموعة أفكار حكيمة من توظيف أدوات القوة الوطنية بطريقة منظمة ومتكاملة، لتحقيق أهداف معينة في مسرح العمليات وأهداف وطنية و/أو متعددة الجنسيات".
ويساعد التفكير الاستراتيجي على فك شيفرة العلاقات الاجتماعية والسياسية كما يمكنه أيضاً أن يكون جزءاً من مشروع نقدي يحلل الواقع الراهن ويغير من موازين القوى. وخلافاً للفكرة الخاطئة الشائعة عن عدم وجود أي توافق بين عملية البحث عن تحرير الإنسانية ومنطق الاستراتيجية فإن العكس هو صحيح. ويعود ارتباط المنطق العقلاني بالتفكير والفعل الاستراتيجيين إلى فترة طويلة تمتد إلى زمن ما قبل الردع النووي ونظرية الاختيار العقلاني اللذين غالباً ما كان يشكلان ملامح العقل الأكثر تميزاً منذ أواخر العام 1940، إن السرد الذي يقدمه ثوسيديدس Thucydide عن الحرب البيلوبونسية Péloponnèse، على سبيل المثال، يستند إلى المنطق الاستراتيجي الذي يهدف إلى وضع توضيح جيد للعلاقة التي تربط العقل بعلم الهندسة والتقنيات المتعلقة بالتحصينات والتسليح وفق ما يذكر فوبان Vauban في كتابه. وليس من قبيل المصادفة أن يكون عصر التنوير في أوروبا هو أيضاً عصر إعادة خلق مصطلح ومفهوم الاستراتيجية. أن تشن الحرب، كما يقول بول جيديون جولي دو ميزوري Paul-Gédéon Jolyde Maizerey :"(...) التفكير الاستراتيجي يعني أن تفكر وأن تجمع بين الأفكار وأن تتوقع وأن تتدبر بعمق، وأن توظف الوسائل (...)".
كما تتمثل إحدى المسلّمات الرئيسة في التفكير والفعل الاستراتيجيين في أن يتهيأ الفاعلون للتصرف بعقلانية أو، تحديداً، باللجوء إلى المنطق، إذ يتعين عليهم بذل قصارى الجهد من أجل وضع تقييم يقارن بين توقعاتهم عن الربح، أي الرهان، وفرص الفوز به ومدى إمكانية التغلب عليه، وبين المخاطر التي يواجهانها، وهذا يعني احتمال دفع تكاليف العمليات المخطط لها بهدف الحصول أو الحفاظ على الرهان رغماً عن خصومهم.
الجدير بالذكر، أن العلاقة بين الاستراتيجية والعقلانية دقيقة للغاية أكثر مما توحي الانتقادات التي تتوقف عن حد استنكار المظاهر الخارجية للعقلانية في شكلها الصريح. فالعلاقات الوثيقة بين الاستراتيجية والعقل لا يقصد بها "التيار العقلاني" أو حتى مسلمة أساسية من مسلمات العقلانية، فالعالم هانيرش فون بولوف Héinrich von Bülow يدعي أن الاستراتيجية تنزع إلى أن تكون مجرد عملية حسابية هندسية. فالحرب بالنسبة إليه لا تندلع، وتتم من خلال مجموعة من التفاهمات: أي تفاعل العواطف مع الحسابات والاحتمالات الفنية العسكرية.
يمكن فهم الاستراتيجية بطريقة أفضل على أنها "فن" و"علم" تطوير واستخدام القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية – السيكولوجية والعسكرية للدولة المعنية بصورة منسجمة مع توجيهات السياسة المعتمدة، لخلق تأثيرات ومجموعة ظروف تحمي المصالح القومية وتعززها مقابل الدول الأخرى، أو الأطراف الفاعلة الأخرى أو الظروف والمستجدات. وتسعى الاستراتيجية إلى إيجاد التآزر والتناسق والتكامل بين الأهداف، والطرائق، والموارد، لزيادة احتمالية نجاح السياسة، والنتائج الإيجابية التي تنجم عن ذلك النجاح، فهي عملية تسعى الى تطبيق درجة عالية من العقلانية والاتساق لمواجهة ظروف قد تحدث وقد لا تحدث. وعلى رغم تعقيدات هذه المهمة، فإن الاستراتيجية تحققها من خلال عرض مبرراتها ومنطقها في مصطلحات عقلانية ومتسقة، يمكن وصفها ببساطة بأنها غايات وطرائق ووسائل، وأفضل طريقة لفهم الاستراتيجية هي وصفها بأنها دليل سياسي لبلوغ الوضع المنشود. ولكن مثل هذا الدليل يمكن أن ينطبق على الغايات المحددة، والطرائق، والوسائل المستخدمة في الاستراتيجية. وفي الواقع، قد يقول قائل: إن الاستراتيجية على المستوى السياسي هي سياسة/ منهج.
كما أن صياغة الاستراتيجية تجمع بين الفن والعلم، ومن زاوية كونها فن، يمكن تفسير صياغة الاستراتيجية على أنها ساحة للعبقريات النادرة، حيث يتوصل القادة الموهوبون بفعل حدسهم إلى حلول عظيمة لقضايا معقدة بشأن السياسة الخارجية والحرب. ولا يمكن إنكار دور العبقري الحقيقي. وحقيقة كون الاستراتيجية علماً، فذلك يوحي بأن صياغة الاستراتيجية يمكن أن تُراقَب، وتُكتب عنها النظريات، ويمكن أن يتم تحسين مستوى تطبيقها من خلال الدراسة والخبرة. وبالفعل، هناك مؤلفون بارزون ومشاهير كثر مثل صن تزو، وكارل فون كلاوزفيتز، وكولن غراي، اعترفوا بأهمية الفن والعبقرية في صياغة الاستراتيجية، وقدموا الهيكل النظري والملاحظات التي تساعد على فهم أفضل لممارسة صياغة الاستراتيجية.
في الختام، يتيح لنا فهم طبيعة البيئة الاستراتيجية ونظرية الاستراتيجية استيعاب تعقيداتها والتعامل معها من خلال فهم تفاصيلها ومنطقها. وتقدم لنا نظرية الاستراتيجية: المصطلحات والتعريفات الأساسية؛ والتفسيرات الكامنة وراء الافتراضات والمقدمات المنطقية، والاقتراحات الموضوعية المترجمة إلى فرضيات قابلة للاختبار؛ وطرائق يمكن أن تُستخدم لاختيار الفرضيات وتعديل النظرية حسب الحاجة.
بناء ما تقدم، تبدو أهمية سبق ومحاولة استيعابه من قبل محترفو التحليل الاستراتيجي أو المخططون الاستراتيجيون، لما قد يحققه ذلك من الفهم، وإمكانية امتلاك قدرة التخطيط الاستراتيجي، علماً ان الاستراتيجية وفهمه وصياغتها عالم واسع وعميق، لذلك حاولنا الإضاءة قليلا عليه