د. دينا شحاتة (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)
بعد عقودٍ من الإجماع داخل الحزب الجمهوري -وداخل اليمين الأمريكي عمومًا-بشأن دعم إسرائيل بوصفه مسلّمةً سياسية وأمنية، تتزايد مؤشرات على أن هذا الإجماع بدأ يتصدّع. بدأ الشرخ مع حرب غزة، حين انتقل الجدل من "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" إلى تساؤلات أوسع حول التكلفة الإنسانية ومقبولية الإبادة الجماعية، ثم تعمّق مع الحرب الجارية على إيران لأن القضية لم تعد تتعلق بموقف تضامني أو خطاب سياسي عام، بل بسؤال عملي ومباشر: هل يتحول دعم إسرائيل إلى تورّط أمريكي في حروب إقليمية مفتوحة؟
تظهر ملامح هذا التحول في مواقف شخصيات يمينية مؤثرة داخل الكونجرس والإعلام المحافظ. فقد اعتبرت النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين الضربات على إيران خروجًا على وعد "لا حروب جديدة" وتناقضًا مع شعار "أمريكا أولًا". وفي السياق نفسه، برز النائب توماس ماسي بدفعه نحو تفعيل أدوات "صلاحيات الحرب" في مجلس الشيوخ لتقييد أي عمل عسكري غير مُفوّض تشريعيًا. وعلى مستوى الإعلام، قدّم الإعلامي اليميني الشهير تاكر كارلسون اعتراضًا أكثر تعبئة، محذرًا من الانزلاق إلى حرب خارجية جديدة ومن تكلفة ذلك على القاعدة اليمينية. ما يهم هنا ليس مضمون هذه المواقف فقط، بل دلالتها: أصوات من داخل المعسكر نفسه باتت تقول إن دعم إسرائيل لا يمكن أن يظل غير مشروط إذا كان يفتح الباب أمام حروب لا سقف واضحًا لها.
في ضوء ذلك، يناقش المقال هذا الانقسام بوصفه صراعًا داخل اليمين على تعريف المصلحة القومية الأمريكية وحدود التحالفات. فاليمين الذي تحدث طويلًا بصوت واحد تقريبًا في ملف إسرائيل بات ينقسم إلى ثلاث كتل رئيسية: كتلة محافظة–دينية (يبرز داخلها تيار الصهيونية المسيحية الإنجيلي) ترى الدعم التزامًا مبدئيًا وترى إيران تهديدًا وجوديًا لدولة إسرائيل يستدعي الحسم؛ وكتلة من صقور الأمن القومي تربط الدعم بمنطق الردع والمكانة الأمريكية مع تفضيل إدارة المخاطر وتحديد السقوف؛ وكتلة شعبوية انعزالية تحمل شعار "أمريكا أولًا" ترفض "حروبًا لا تنتهي" وتتعامل مع الدعم باعتباره قابلًا للتقييد عندما يتحول إلى تكلفة أمريكية مباشرة أو قرار حرب يُتخذ خارج المؤسسات الدستورية. ومع ذلك، لا يعني هذا أن اليمين تخلّى عن إسرائيل؛ الأرجح أننا أمام إمكانية الانتقال من دعمٍ غير مشروط إلى دعمٍ مشروط تُعاد صياغة حدوده.
أولًا: من غزة إلى إيران… لماذا تصدّع الإجماع الآن؟
استند دعم اليمين الأمريكي لإسرائيل تاريخيًا إلى ركيزتين واضحتين: اعتبارات أمنية ترى إسرائيل حليفًا استراتيجيًا، واعتبارات قيمية/هوياتية -خصوصًا لدى الصهيونية المسيحية- تجعل هذا الدعم جزءًا من تعريف الذات السياسية المحافظة. لكن حرب غزة كانت نقطة تحوّل لأنها رفعت كلفة هذا الدعم في المجال العام الأمريكي، ودفعت بعض الأصوات داخل اليمين إلى مساءلة الصيغة القديمة التي تعاملت مع الدعم باعتباره من المسلّمات. وترافق ذلك مع مؤشرات على تغيّر المزاج العام؛ إذ أظهر استطلاع لجالوب أن تعاطف الأمريكيين مال للمرة الأولى لصالح الفلسطينيين (41%) مقارنة بالإسرائيليين (36%). وحتى داخل الجمهوريين-ورغم استمرار الانحياز لإسرائيل-تراجعت نسبة من يقولون إن تعاطفهم الأكبر مع الإسرائيليين إلى 70%، وهو أدنى مستوى منذ 2004 وفق جالوب.[1]
ثم جاءت حرب إيران لتدفع الانقسام خطوة أبعد: لم يعد الخلاف يدور حول الشرعية الأخلاقية فقط، بل حول قرار الحرب نفسه. فـ"صقور الأمن القومي" داخل الحزب الجمهوري يبررون دعم إسرائيل-والتصعيد ضد إيران-بوصفه جزءًا من الردع ومنع إيران من امتلاك قدرات نووية/صاروخية تُخلّ بميزان القوى. في المقابل، يطرح تيار "أمريكا أولًا" سؤالًا مختلفًا: ليست المشكلة في إسرائيل كحليف، بل في آلية التوريط، حيث تتحول حسابات إسرائيل أو خطواتها إلى عامل يدفع واشنطن نحو مواجهة لا تريدها؟ وما حدود التفويض الدستوري إذا تحركت الإدارة عسكريًا دون تصويت واضح من الكونجرس؟ من هنا تبرز دلالة مبادرات توماس ماسي بشأن "صلاحيات الحرب": فهي ليست تفصيلًا إجرائيًا، بل تعبير عن صراع داخل اليمين على من يملك حق تعريف "الضرورة الأمنية"، وعلى أي أساس تُشرعن الحرب.
وخلاصة الأمر أننا لا نشهد قطيعةً مع إسرائيل، بل محاولات لإعادة ضبط لقواعد الدعم. فالدعم السياسي والعسكري ما يزال قائمًا، لكنه بات يواجه تساؤلات محددة: ما سقف الدعم؟ ما كلفته على الولايات المتحدة؟ من يقرر الانتقال من الدعم إلى القتال؟ وكيف تُقنع القيادة قاعدةً جمهورية أصبح جزء معتبر من وعيها السياسي معاديًا لفكرة الحروب الطويلة بلا نهاية واضحة ولا عائد ملموس؟ ولهذا تحديدًا تنقل حرب إيران النقاش من "كيف ندعم إسرائيل؟" إلى سؤالٍ أعمق: ما حدود هذا التحالف، وكيف تُدار تكلفة التورط فيه؟
ثانيًا: خريطة الانقسام داخل اليمين
لا يظهر التصدّع داخل اليمين الأمريكي اليوم بوصفه خلافًا على "حب إسرائيل" أو "رفضها"، بل بوصفه خلافًا على معنى الدعم وحدوده: هل هو التزام هوياتي/ديني لا يقبل المراجعة؟ أم خيار استراتيجي تُدار تكلفته وسقفه؟ أم علاقة يجب تقييدها حتى لا تتحول إلى تورّط أمريكي مفتوح؟ ويمكن-مع قدر من التبسيط-تمييز ثلاث كتل رئيسية داخل اليمين، لكل منها بنية اجتماعية وسياسية ورموز تمثّلها في الكونجرس والإعلام وشبكات النفوذ.
الكتلة الأولى هي الصهيونية المسيحية التي تتعامل مع دعم إسرائيل بوصفه جزءًا من الهوية السياسية المحافظة لا مجرد حسابات مصالح. هنا لا ينفصل "الدعم" عن سردية قيمية ترى إسرائيل في إطار تصور ديني–أخلاقي للشرق الأوسط، وتعتبر التشكيك في هذا الدعم مساسًا بأحد ثوابت المعسكر المحافظ. ويتميز هذا الجناح بوجود شبكات تنظيمية وتعبوية تضخّم موقفه وتحوّله إلى ضغط سياسي مستمر على القيادات الجمهورية؛ في مقدمتها منظمات مثل "المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل"(CUFI) وشخصيات دينية/سياسية ذات حضور طويل في هذا الملف مثل جون هاجي. كما يظهر أثر هذا التيار في خطاب سياسيين جمهوريين يملكون مكانة رمزية داخل القاعدة الإنجيلية، مثل مايك هاكابي الذي ارتبط علنًا بمقاربات "الحق الكتابي" لإسرائيل، وهو خطاب يعيد إنتاج شرعية الدعم على أساسٍ هوياتي يسبق النقاشات البراجماتية حول التكلفة والحدود. وضمن هذا الإطار، تميل هذه الكتلة إلى تفسير حرب إيران بمنطق "التهديد الوجودي" وضرورة الحسم، وتتعامل مع التحفظات الداخلية بوصفها ضعفًا في الردع أو تراجعًا عن الالتزامات الدينية. غير أن أهمية هذا الجناح اليوم لا تكمن فقط في صلابته، بل في أنه بات مضطرًا للدفاع عن ثوابته في بيئة إعلامية وجمهورية لم تعد فيها المسلّمات تعمل بالسلاسة نفسها بعد غزة ثم إيران.
الكتلة الثانية هي صقور الأمن القومي داخل الحزب الجمهوري، أي التيار الذي يسند دعمه لإسرائيل إلى اعتبارات الردع والمكانة الأمريكية ودور واشنطن العالمي، ويعتبر إيران خصمًا استراتيجيًا لا يمكن التعامل معه عبر الاحتواء وحده. هذا الجناح يتقاطع مع الصهيونية المسيحية في النتيجة (تشدد أكبر تجاه إيران ودعم قوي لإسرائيل) لكنه يختلف في المنطق واللغة: لا يبرر موقفه أساسًا بالهوية الدينية، بل بحجج الأمن القومي وميزان القوى ومصداقية الردع. لذلك تُعد شخصيات مثل ليندسي جراهام وتِد كروز، ومعهما أصوات إعلامية متشددة مثل مارك ليفين، أمثلة دالة على هذه البيئة السياسية التي تفضّل "الحسم" وتربط أي تراجع بتآكل الهيبة الأمريكية. وفي لحظة حرب إيران، يميل هذا الجناح إلى الدفع باتجاه توسيع نطاق الفعل العسكري أو الإبقاء على خيار التصعيد قائمًا، مع محاولة موازية لتسويق الحرب بوصفها ضرورة أمريكية مباشرة، لا مجرد استجابة لضغوط حليف، وهو جناح يملك نفوذًا داخل مؤسسات الحزب وشبكات التمويل والإعلام التقليدي، ما يجعله قادرًا على فرض سردية "الردع" عندما يشعر بأن تيار "أمريكا أولًا" يهدد بتقويضها.
أما الكتلة الثالثة فهي تيار "أمريكا أولًا" الشعبوي الانعزالي الذي لا يبدأ من سؤال "هل إسرائيل حليف؟" بل من سؤال "هل الانخراط الخارجي يخدم الداخل الأمريكي؟". هذا التيار يرى أن الخطر الحقيقي ليس في التحالفات بحد ذاتها، بل في تحولها إلى التزام تلقائي يفتح الباب لحروب طويلة بلا سقف واضح. لذلك برزت مارجوري تايلور جرين-بوصفها نائبة جمهورية ترامبية شعبوية-كصوت يعيد صياغة الاعتراض بلغة تعبوية موجهة للقاعدة: حرب إيران تناقض وعد "لا حروب جديدة" وتفرغ شعار "أمريكا أولًا" من مضمونه. ويقدّم توماس ماسي تمثيلًا آخر للتيار نفسه من زاوية دستورية/مؤسسية، عبر التركيز على أن قرار الحرب يجب أن يخضع لتفويض الكونجرس لا لتقديرات السلطة التنفيذية وحدها. وعلى مستوى الإعلام، يلعب تاكر كارلسون دورًا محوريًا في تحويل الاعتراض إلى سردية متماسكة تتهم "نخبة الحزب" بإعادة إنتاج الحروب القديمة، بينما تُضيف الإعلامية اليمينية ميجن كيلي بعدًا آخر حين تقدّم الحرب بوصفها "حرب إسرائيل" في الوعي الشعبي، وتدخل في سجالات مباشرة مع رموز صقورية داخل اليمين حول من يملك حق تعريف الوطنية والولاء. القوة الفعلية لهذا التيار أنه يربط ملف إسرائيل بذاكرة قاعدية مثقلة بتجارب العراق وأفغانستان، ويحوّل النقاش من التأييد الرمزي إلى سؤال: من يدفع الثمن؟
والخلاصة أن هذه الكتل الثلاث-الصهيونية المسيحية، وصقور الأمن القومي، و"أمريكا أولًا"-قد تتقاطع أحيانًا في دعم إسرائيل، لكنها تختلف جذريًا حين يصبح الدعم مقدمة لحرب مع إيران. ومن هنا تأتي أهمية الانتقال إلى القسم التالي: كيف تُترجم هذه الانقسامات إلى سياسة فعلية عبر الكونجرس (تفويض وتمويل وصلاحيات حرب)، وعبر الإعلام المحافظ (معركة السرديات التي تُحدد للقاعدة ما الذي يعنيه أن تكون "محافظًا" في زمن غزة وإيران).
ثالثًا: من السجال إلى السياسة… الكونجرس والإعلام المحافظ
تتضح أهمية الانقسام حين يتحول إلى سلوك سياسي وإعلامي قابل للتراكم: نقاش التفويض، شدّ وجذب حول الرقابة، وتنافس على تعريف "الموقف المحافظ الصحيح" في لحظة حرب. في الكونجرس يأخذ الخلاف شكلين: شكل دستوري حول "صلاحيات الحرب"، وشكل سياسي يتعلق بإدارة التكلفة أمام القاعدة الجمهورية. فتيار "أمريكا أولًا" يستخدم ملف إيران لتأكيد أن قرار الحرب يجب ألا يظل امتيازًا رئاسيًا منفلتًا، وأن الدعم-مهما كان-لا يساوي تفويضًا مفتوحًا. في المقابل، ترد القيادة الجمهورية التقليدية بحساسية تجاه أي قيد تشريعي في لحظة مواجهة، خشية أن يتحول إلى سابقة تُضعف منطق الردع.
أما الإعلام المحافظ فيحوّل الخلاف إلى معركة سرديات. حين يهاجم كارلسون الضربات بتعبيرات صادمة، فهو يطعن في شرعية منطق الانخراط الخارجي ذاته. وحين تقول كيلي إن ما يجري يبدو "حرب إسرائيل"، وتسمي رموزًا محافظة بوصفهم من دفعوا نحو هذا المسار، فهي تنقل الخلاف من السياسة العامة إلى مستوى الاتهام المباشر: من يحدد أجندة اليمين؟ ومن يتحدث باسم "أمريكا أولًا"؟ وبقدر ما تتبادل الأطراف هذه الاتهامات، يخرج الانقسام من حدود النخب إلى الفضاء التلفزيوني الأوسع، بما يعني أنه صار موضوعًا تعبويًا داخل القاعدة لا نقاشًا تقنيًا بين الخبراء.
الخاتمة
تمسّ الانقسامات داخل اليمين الأمريكي ثوابت ظلّت تحكم علاقة واشنطن بإسرائيل لعقود: دعم جمهوري شبه مضمون، وخلافات تدور غالبًا حول التفاصيل لا المبدأ. اليوم، ومع غزة ثم إيران، بدأت أطراف داخل الكتلة اليمينية تطرح تساؤلات حول العلاقة مع إسرائيل مثل ما هي حدود وشروط هذا الدعم، ومتى يتحول الدعم إلى تورّط؟
الأرجح أننا أمام توجه قد يؤدي الي تحول العلاقة مع إسرائيل من علاقة تُدار بمنطق "المسلّمات" إلى علاقة تُدار بمنطق المفاوضات والتحالفات التقليدية. وهذا ما يفسّر اتساع جاذبية صيغة الدعم المشروط داخل قطاع من المعسكر الجمهوري: استمرار المساندة السياسية والعسكرية لإسرائيل، لكن مع خطوط حمراء أشد على الانخراط العسكري الأمريكي المباشر. هنا تتضح دلالة معركة "صلاحيات الحرب" حتى إن لم تُحسم تشريعيًا، لأنها تعيد تسييس ما كان يُعامل كأمرٍ مفروغ منه: من يقرر الانتقال من الدعم إلى الحرب، وبأي سند دستوري؟
وربما مع الوقت سوف تزداد مركزية السرديات اليمينية الجديدة في إدارة العلاقة مع إسرائيل: فكلما طال أمد المواجهة مع إيران أو ظهرت كلفتها الاقتصادية والإنسانية، بات على القيادات الجمهورية أن تقنع قاعدتها بأن ما يجري يخدم مصلحة أمريكية مباشرة، لا أنه تورّط لحساب التزامات خارجية. ومن ناحية أخرى، يعيد هذا الانقسام تشكيل علاقة إسرائيل باليمين الأمريكي ذاته: إسرائيل ستجد نفسها أمام يمين منقسم بين يمين إنجيلي/صقوري يمنحها دعمًا غير مشروط، ويمين شعبوي يضع شروطًا وحدودا للتحالف. وعلى المدى الأبعد، إذا استمرت تداعيات الحروب في الشرق الاوسط فقد يبقى يتعمق هذا الشرخ القيمي ويمثل عاملَ تآكل تدريجي لقدرة اليمين على إنتاج إجماع صلب ومستقر حول إسرائيل، حتى إن ظل الاتجاه العام مؤيدًا لها.
[1] Gallup، “Israelis No Longer Ahead of Palestinians in Americans’ Middle East Sympathies” February 2026, https://news.gallup.com/poll/702440/israelis-no-longer-ahead-americans-middle-east-sympathies.aspx