مازن المحفوظي (الجزيرة)
يخرج "مصعب" من منزله في قرية "الغابة" الريفية بولاية الرستاق بالشمال العُماني، وقد مالت الشمس نحو المغيب، وكأنها لوحة فنية خطتها يد الخالق لتمهد لليلة من ليالي الأنس الرمضاني.
يمم مصعب وجهه شطر "السوق الشعبي" القديم، ذلك القلب النابض الذي يجتمع فيه القريب والبعيد، يمشي الهوينا وسط زحام السوق.
هناك، عند ضفاف الشارع، يصطف الباعة المتجولون الذين لا يظهرون إلا في هذا الشهر الكريم، يعرضون ما لذ وطاب من صنوف الطعام.
يقف مصعب أمام بائع "الهريس"، ذلك الطبق العُماني الأصيل الذي يُطهى لساعات طويلة حتى يذوب القمح في اللحم، فيأخذ نصيبه منه، ثم يعرج على بائع "السمبوسة" المقرمشة ليشتري منها.
وما فعل مصعب ذلك إلا رغبة في أن يضيف لمسة من بهجة السوق إلى تلك المائدة الحافلة التي عكفت زوجته على إعدادها في الدار بصبر وتفان، لتكتمل لوحة الإفطار بمزيج من صنع يديها وما جادت به أسواق المدينة.
يرى مصعب – حسب تعبيره – أن خروجه إلى هذا السوق وقت العصر ليس لمجرد سد حاجة المائدة فحسب، بل يتعداه إلى بحث دؤوب عن روح الشهر في وجوه الناس، واستشعار لبركة رمضان الكامنة في كدح البائعين وابتسامة المشترين.
تبادل الأطباق
وبينما يهم مصعب بالعودة، يتجلى مشهد آخر في أزقة الحارة الضيقة، حيث يطل الطفل "عمار" ذو الأعوام العشرة، وهو يحمل بين يديه طبقا مزينا باللقيمات الذهبية المغموسة في دبس التمر، يركض بخفة ظل ونقاء سريرة نحو بيت الجيران.
إنها "عادة تبادل الأطباق"، التي في حقيقتها تبادل للمودة والحب قبل أن تكون تبادلا للطعام. يمر عمار بأطفال آخرين يحملون أطباقا مماثلة، في مشهد يشبه أسراب الحمام التي تنقل رسائل السلام بين البيوت.
يكاد لا تدخل بيتا في عُمان قبل أذان المغرب إلا وتجد فيه أطباقا من بيوت شتى، وكأن المجتمع العُماني في هذا الوقت يتحول إلى مائدة واحدة ممتدة، لا يعرف المرء فيها فضل الغني على الفقير، بل هو التكافل الاجتماعي.
وفي قرية مجاورة بولاية الرستاق، يبدأ مشهد متكرر يعكس فلسفة التلاحم العُماني؛ حيث يتداعى أبناء القرية الواحدة للاجتماع في ساحة واسعة فرشت بالبسط التقليدية.
هناك، تحت ظلال النخيل الباسقات، يتسابق الشباب في تجهيز مكان الإفطار الجماعي، يضعون علب اللبن ويصفون الأطباق.
هذا التجمع لا يجمع الأجساد فحسب، بل هو ميثاق اجتماعي يتجدد كل عام، ويتحول فيه الجار إلى أخ على مائدة واحدة.
ولا يقتصر هذا الوصل الرمضاني على أبناء المحلة فحسب، بل يمتد ليشمل تجمعات مماثلة تضم الأقارب والأصدقاء الذين يحرصون على إحياء هذه العادة في رمضان.
زيارة الأرحام
ومع انطلاق صوت المؤذن "الله أكبر" معلنا انتهاء يوم من الصيام، يتصدر التمر واللبن والمأكولات الشعبية المشهد، وتفوح رائحة القهوة العُمانية الممزوجة بالهيل والزعفران.
وما إن يفرغ الناس من إفطارهم وصلاتهم، حتى تشهد الحارات العُمانية تحولا بصريا ساحرا لم يكن معهودا في السابق، حيث انتشرت في السنوات الأخيرة تلك الأضواء الرمضانية الصفراء الخافتة، التي تتدلى بين الأزقة والحارات القديمة وفي المناطق الريفية، فيضفي على الجدران الطينية والبيوت الأثرية هالة من القدسية والجمال.
ثم ينساب الناس نحو المساجد كالأنهار التي تشتاق إلى مصبها لتأدية صلاة التراويح. تكتظ الصفوف، وتتعالى الأصوات بالدعاء، وفي تلك اللحظات الروحانية، تذوب الفوارق وتتحد الأرواح في مناجاة الخالق.
وما إن تنتهي الصلاة، حتى تبدأ "الحياة الثانية" لليل رمضاني فريد في عُمان، فلا يعود الناس إلى مضاجعهم، بل تضج السكك بالتجمعات واللقاءات بين أهالي القرية والحي الواحد.
يجلس الكبار في "المجالس" أو "السبلة" العُمانية، يتسامرون في أمور حياتهم، يستذكرون الماضي ويخططون للمستقبل، في حين تنشط الزيارات العائلية وصلة الأرحام التي تعد ركيزة الهوية العُمانية الرمضانية.
ولا تكتمل لوحة السمر العُماني دون ذلك الضجيج المحبب الذي يكسر سكون الأزقة؛ حيث تتحول الحارات إلى مسارح مفتوحة لحراك الأطفال العفوي. هناك، يركض الصغار بملابسهم التقليدية الزاهية، يتقاسمون الفرح واللعب في حلقات لا تعرف التعب، بينما تتدلى فوق رؤوسهم حبال الإنارة الصفراء الدافئة التي باتت تغازل جدران البيوت القديمة.
محراب التهجد
ومع اقتراب الساعات الأخيرة من اليوم، حين يلف الهدوء أركان القرية وتخبو أضواء الحارات، يدخل "الليل الأخير". في هذا التوقيت، يتجلى مشهد إنساني غاية في الجلال، حيث يهرع الآباء مصطحبين أبناءهم بلهفة المحب، يجرونهم بخفة ومودة نحو "صلاة التهجد".
ترى الصغار، الذين غلبتهم غفوات النعاس تارة وأيقظهم حماس الطاعة تارة أخرى، يتسابقون في خطواتهم خلف آبائهم. إنها لحظات تذوب فيها الأبدان تعبا وتنتعش فيها القلوب ألقا.
أما بعضهم، فلهم في هذا الليل شأن آخر، حيث تتحول الميادين والساحات إلى شعلة من النشاط الرياضي. إذ ترى ملاعب كرة الطائرة وكرة القدم تضاء تحت جنح الليل، حيث تستمر المباريات الحماسية والألعاب الشعبية، وقد يصل بعضها إلى الليل الأخير. يتنافس المتنافسون بروح رياضية عالية.