ميري راغب (cnn إقتصادية)
كشفت الحرب على إيران مجدداً عن عجز أوروبا، ليس فقط في الشؤون العالمية، بل أيضاً في آفاقها الاقتصادية، وتشكل تكاليف الطاقة المتصاعدة هاجساً رئيسياً لقادة الاتحاد الأوروبي عند اجتماعهم في وقت لاحق من هذا الشهر، إذ تضاعف سعر الغاز الطبيعي الأوروبي منذ أدنى مستوياته الأخيرة.
ويشعر القادة بالقلق بالفعل بشأن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على قطاع الأعمال، ويميلون إلى الحلول قصيرة الأجل، مما يُعرّض التكتل لخطر ترسيخ هشاشته بدلاً من الحدّ منها.
انخفاض مخزونات الغاز الأوروبية
بلغ إجمالي مستوى تخزين الغاز تحت الأرض في الاتحاد الأوروبي، بدءاً من 9 فبراير 2026، نحو 36%، وهو أدنى مستوى له في هذا الوقت من العام منذ شتاء 2021-2022، عندما كانت أوروبا لا تزال تعتمد على الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب.
تأتي هذه المستويات المنخفضة تحديدًا في وقتٍ يبلغ فيه خطر المواجهة العسكرية الخطيرة بين الولايات المتحدة وإيران ذروته.
سلاسل الإمداد تعرقل طاقة أوروبا
قال ريان رسول، باحث في الشؤون الاقتصادية الاوروبية، لـCNN الاقتصادية إن تأثر أوروبا بالصراعات الدائرة في الشرق الأوسط يعد انعكاساً لترابط جغرافي واقتصادي عميق، فالحرب هناك لم تعد مجرد أزمة طاقة فقط بل تحولت إلى ضغط شامل يمس أمن القارة، واقتصادها، وحتى نسيجها الاجتماعي.
بحسب رسول، فالغاز والنفط أهم العوامل المتأثرة في أوروبا، وتظل سلاسل الإمداد متضررة مع استمرار التوترات في مضيق باب المندب ومضيق هرمز، ومن ناحية أخرى يأتي ارتفاع تكاليف الوقود والشحن انعكاساً فورياً على مؤشر أسعار المستهلك في أوروبا، ما يعرقل محاولات البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة.
ارتفاع تكاليف الشحن
ارتفعت تكلفة شحن البضائع جوًا من آسيا إلى أوروبا بنسبة 45% منذ بدء الحرب، أي أكثر من ضعف الزيادة في تكلفة شحن البضائع من آسيا إلى الولايات المتحدة، وفقًا لما ذكره رايان بيترسن، الرئيس التنفيذي لشركة فليكس بورت، وهي شركة شحن وخدمات لوجستية في سان فرانسيسكو، لواشنطن بوست.
يقول موريس أوبستفيلد، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي: «تعتمد أوروبا وآسيا اعتمادًا كبيرًا على واردات الطاقة، وهذا وحده يجعلها أكثر عرضةً للتداعيات الاقتصادية الكلية السلبية للحرب الإيرانية. كما أن قربها الجغرافي من مناطق النزاع يجعلها أكثر عرضةً لصدمات الحرب»، بحسب واشنطن بوست.
أضاف رسول أن التأثر قد يكون أخطر من الجانب الاقتصادي على المدى البعيد، إذ تؤدي النزاعات في الشرق الأوسط إلى تدفقات لجوء نحو أوروبا، ويمثل هذا ضغطاً هائلاً على البنية التحتية الأوروبية ويغذي صعود التيارات اليمينية الشعبوية بشكل أكبر والتوترات العرقية والدينية وضغط على الأجهزة الأمنية لمواجهة مخاطر أعمال أرهابية
في فبراير/شباط، تجاوز التضخم في منطقة اليورو التوقعات، ومن المرجح أن تزيد فواتير الطاقة المرتبطة بالحرب الوضع سوءًا.
ومع توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال لشركة قطر للطاقة عقب الهجمات الإيرانية، قد يضطر المستهلكون الأوروبيون والآسيويون إلى الدخول في «حرب مزايدة» على إمدادات الغاز المتاحة، وفقًا لما ذكرته شركة تي إس لومبارد في لندن.
وفي ظل الأحداث الحالية، تجد أوروبا نفسها في موقف المتفرج القلق؛ فهي تفتقر إلى القوة العسكرية الموحدة للتدخل، وتعتمد دبلوماسيتها على التنسيق مع واشنطن، ما يجعل أمنها رهيناً بقرارات قوى خارجية وتطورات ميدانية لا تملك السيطرة.
خيارات أوروبا لتقليل التبعية
في رأي رسول، تتلخص البدائل في التخلص من هذه التبعية وتقليل أثر الصدمات، عن طريق: تنويع مصادر الطاقة بشكل أكبر عبر الاعتماد المكثف على الغاز النرويجي والجزائري، والتوسع في محطات استقبال الغاز المسال (LNG) من الولايات المتحدة ونيجيريا، وتسريع التحول نحو الهيدروجين الأخضر المنتج في شمال إفريقيا كبديل مستقبلي.
ومن ناحية أخرى، فالاستقلال الإستراتيجي العسكري من أهم الجوانب التي تحتاج إلى تغيير، عن طريق تفعيل بناء قوة دفاع أوروبية قادرة على حماية ممرات التجارة في البحر المتوسط والأحمر دون الاعتماد الكلي على الأسطول الأميركي.