خالد أبو عامر (مجلة الفراتس)
خلال هدنةٍ مؤقتةٍ بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل في يناير 2025، غادر أيهم أبو دلال قطاع غزة متجهاً إلى الصين لإتمام عقود توريد أجهزة حاسوبٍ محمولٍ لصالح شركته. وبعد نحو خمسة أسابيع وصلت الشحنة إلى ميناء أسدود جنوبي إسرائيل. فور وصولها استكملت شركته إجراءات التخليص الجمركي والفحص الأمني، إلا أنها لم تغادر الميناء إلى وجهتها النهائية في قطاع غزة، بسبب القيود التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي على إدخال مئات الأصناف من السلع في إطار "سياسة تنظيمية" لإعادة هندسة الواقع الاقتصادي والتجاري في القطاع المحاصر.
يندرج هذا التقييد ضمن نمطٍ أوسع فرضته إسرائيل منذ سنة 2007، بعد سنتين من تطبيق خطة فكِّ الارتباط وانسحابها من قطاع غزة سنة 2005. إذ تحكمت سلطات الاحتلال بنوعية السلع المتاحة في غزة وكميتها وفق آلياتٍ محددةٍ، من بينها نظامٌ معقدٌ لتصاريح الاستيراد والتجارة، وفتح وإغلاق المعابر، وتحديد أنواع السلع المسموحة وكمياتها. وقيّدت إسرائيل أو منعت دخول مواد معينة منها مواد البناء والتمديدات الصحية والأجهزة الكهربائية والدراجات الهوائية والمولدات والمستهلكات والأدوية الطبية وغيرها. ونتج عن ذلك تعطلٌ شبه كاملٍ للنشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار في القطاع.
اتسعت تلك القيود وتمددت قوائم المنع منذ بداية الحرب على القطاع في أعقاب السابع من أكتوبر 2023. وظلت ساريةً حتى أثناء فترات الهدنة ووقف إطلاق النار، حتى بات النمط التجاري السائد في أسواق غزة خلال سريان المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر 2025، مشابهاً إلى حدٍّ كبيرٍ نمطَ الأسواق إبان الحرب. إذ تُغرَق الأسواق بقائمةٍ محدودةٍ من السلع بغزارةٍ، في حين تختفي أصنافٌ أخرى اختفاءً تاماً، دون تفسيرٍ اقتصاديٍ يستند إلى منطق العرض والطلب التقليدي. وأصبح اقتصاد غزة محكوماً باعتباراتٍ أمنيةٍ لا تتدخل من خلاله إسرائيل في إتاحة السلع فقط، بل وفي حركة الاقتصاد والعمل داخل القطاع من خلال قوائم التجار المسموح لهم بالاستيراد والتوزيع. وهذا ما أنتج شبكةً احتكاريةً تدار تحت إشرافٍ مباشرٍ من سلطات الاحتلال، تضمن لها درجةً عاليةً من السيطرة على حركة السوق وتدفق السلع وقدرة الفلسطينيين في غزة على الحصول على احتياجاتهم.
مع اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، بادرت إسرائيل إلى مجموعة إجراءاتٍ عقابيةٍ ضد سكان قطاع غزة شملت، إلى جانب حملة القصف المستمر، قطع المياه والكهرباء وإغلاق كلّ المعابر التي تؤدي إلى قطاع غزة وإن سمحت لاحقاً بحركةٍ محدودةٍ للأفراد عبر معبر رفح الذي يربط قطاع غزة ومصر. شمل الإغلاق معبر كرم أبو سالم الذي يمثل المنفذ التجاري الرئيسي للقطاع، وسمحت في فتراتٍ متباعدةٍ بفتح معبر رفح لدخول المساعدات الطبية والإغاثية دخولاً محدوداً، ليتحول رفح إلى شريانٍ تجاريٍ وإنسانيٍ تسدّه إسرائيل وقتما تشاء. خلال عامَي الحرب، سمحت إسرائيل أحياناً بدخول البضائع والسلع عبر المعابر الخاضعة لسيطرتها وهي كرم أبو سالم وكيسوفيم وزيكيم. وذلك ضمن تنسيقاتٍ انتقائيةٍ، جمعت بين إدخال موادّ تعود لمنظماتٍ إنسانيةٍ وأخرى يملكها تجار. وأصبح مرور الشاحنات مشروطاً بدفع رسومٍ مرتفعةٍ عُرفت محلياً بِاسم "التنسيقات" وتجاوزت قيمتها أحياناً قيمة البضاعة نفسها، ما أدّى بالتبعية إلى ارتفاعٍ كبيرٍ في أسعار السلع داخل القطاع، نتيجةً لنقص المعروض مقابل الطلب، وتحميل تكلفة التنسيقات التجارية على المستهلكين الذين أعيتهم الحرب.
توزع أموال التنسيقات التجارية بين السلطات الإسرائيلية ومجموعات مسلحة محلية متعاونة معها. وقد أوكلت إليها إسرائيل خلال العام الثاني من الحرب "تأمين" مرور السلع إلى التجار داخل قطاع غزة، كما كشف رئيس غرفة تجارة وصناعة غزة ونائب رئيس اتحاد الغرف التجارية، عائد أبو رمضان في تصريحاته المنشورة في نوفمبر 2025 بموقع بوابة اقتصاد فلسطين بعنوان: "غزة تدفع ثمن الحصار [. . .]". وقال أبو رمضان إن قيمة التنسيقات التجارية الخاصة بإدخال السلع إلى قطاع غزة منذ بدء العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023 تجاوزت مليار دولار.
يعمل رامي الشنطي في استيراد الأحذية والحقائب إلى قطاع غزة منذ أكثر من عشرين عاماً. وخلال تلك الأعوام العشرين، اختبر أساليب متعددةً اتبعتها السلطات الإسرائيلية للتحكم في تجارته وعمل غيره من التجار. يقول رامي للفِراتْس: "اتفقتُ مع تاجرٍ من فلسطينيّي الداخل [فلسطينيون يعيشون داخل إسرائيل] على توريد شحنة أحذيةٍ بقيمة ثمانين ألف شيكل [نحو 25511 دولار]. وبعد إكمال شحنها، أبلغتني وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية فرض رسومٍ بقيمة مئة وخمسين ألف شيكل [نحو 47834 دولار] لإدخال الشاحنة إلى معبر كرم أبو سالم". لكن هذا لم يكن آخر مبلغ "تنسيق" اضطرّ رامي إلى دفعه.
انتظر رامي شهرين حتى جاءت الموافقة الإسرائيلية على إدخال الشحنة. وبمجرد وصولها للمعبر اتفق مع شركة نقلٍ داخل غزة لتوصلها إلى مستودعاته في منطقة النصيرات. فأبلغته شركة النقل أن عليه دفع "تأمين" بقيمة اثني عشر ألف شيكل (نحو 3826 دولار)، يُدفع جزءٌ منه لمجموعة مسلحة بقيادة ياسر أبو شباب بمجرد خروج الشاحنة من مدينة رفح. أما باقي المبلغ فتحصل عليه وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية، وهي إحدى الهيئات التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية الموكل إليها الإشراف على الجوانب المدنية، والتنسيق الإسنادي لإدخال البضائع والسلع إلى المناطق الفلسطينية. ومن ضمن أعمالها إدارة المعابر التجارية وفحص البضائع وتدقيق البيانات المالية وإصدار تصاريح التجار والعمال للدخول إلى إسرائيل.
مع تفكك بنية الحكومة الإدارية في غزة تحت وطأة الحرب بفعل استهداف العاملين بالمفاصل الحكومية والإدارية، تحول دورها الأمني – بتدخل إسرائيلي – إلى المجموعات المسلحة وأبرزها تلك التي يقودها ياسر أبو شباب. وسرعان ما تحول دور المجموعات المسلحة من تولي وظيفةٍ أمنيةٍ ظرفيةٍ إلى فاعلٍ اقتصاديٍ غير رسميٍ يتدخل في مسارات النقل والتوزيع وفرض الرسوم الإضافية. ويمكن توصيف هذا النمط بأنه فرض وساطةٍ قسريةٍ، تغدو فيه حلقات العبور غير الرسمية شرطاً لازماً لدخول السوق.
لم يقتصر أثر هذا التحول القسري على رفع تكاليف التجارة فحسب، بل أسهم في إعادة توزيع القوى داخل القطاع الخاص في غزة بإقصاء التجار التقليديين غير القادرين على تحمل الكلفة أو التكيف مع البيئة الجديدة، مقابل صعود فاعلين جددٍ يمتلكون القدرة على العمل ضمن هذه المنظومة المركبة. وهنا برزت إحدى الملامح العملية لما يمكن تسميته "الاحتكار المُدار"، بوصفه نمطاً تتداخل فيه السيطرة الرسمية الإسرائيلية مع شبكاتٍ وسيطةٍ ساهمت في إعادة تشكيل السوق لصالحها مستغلةً ظروف الحرب.
أثّرت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في الطبقة التقليدية من التجار ورؤوس الأموال فخرج كثيرٌ منهم خارج القطاع وتحديداً إلى مصر، ما أدّى عملياً إلى اختفائها بعد أن شكلت تاريخياً هوية القطاع الاقتصادية ورافداً رئيساً للاستثمار المحلي.
خلال الفترات التي عمل فيها معبر رفح في عامَي الحرب، اقتصر مرور الأفراد إلى خارج القطاع على ذوي الحالات الطبية المنسق علاجهم خارج القطاع عبر الهلال والصليب الأحمرين، والمدرجِين على قوائم وزارة الخارجية المصرية، وأخيراً من يتمكنون من دفع تكلفة "التنسيق الأمني". واحتكر خروجَ الفلسطينيين عبر التنسيق الأمني شركةٌ مصريةٌ خاصةٌ تدعى "هلا للاستشارات والخدمات السياحية" المعروفة اختصاراً بِاسم شركة "هلا". يملك هذه الشركة رجل الأعمال إبراهيم العرجاني المقرب من السلطات في مصر. وبلغ متوسط رسوم مرور الأفراد من غزة إلى مصر خمسة آلاف دولار للفرد البالغ – بلغت عشرة آلاف أحياناً – وألفان وخمسمئة دولار للطفل دون سنّ السادسة عشرة. وأشرفت الشركة نفسها على تنسيق خروج الحالات الإنسانية مثل المرضى والجرحى وأصحاب الإقامات وحملة الجوازات الأجنبية والطلبة في الجامعات الدولية.
ووفق هذه الآلية، غادر القطاع نحو مئة ألف شخصٍ بحلول مايو 2025 حسب تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. راجعت الفِراتْس بعض الكشوف المعلنة لأسماء المغادرين لقطاع غزة خلال الحرب عن طريق شركة هلا، ووجدت أن تلك الكشوف حمل بعضها أسماء أفرادٍ ينتمون إلى العائلات التجارية العريقة في غزة. وعلى صعوبة التحقق المستقل من جميع الأسماء، فإن المعلومات المتداولة محلياً تشير إلى أن كثيراً ممّن خرجوا افتتحوا استثماراتٍ جديدةً في بلدان أبرزها مصر وتركيا وسلطنة عمان، تاركين ساحة التجارة في القطاع في أيدي قلّةٍ من الباقين، أعادوا ترتيب مواقعهم إبان الحرب مستفيدين من الفراغ الذي أحدثته تداعياتها. عملت إسرائيل على تعزيز مكانة التجار المتعاونين، وسهّلت لهم استيراد بضائع محددةٍ وفق شروطها. وتوسعت في السماح بتصاريح استيراد المنتجات الاستهلاكية الفاخرة مثل المكسرات والمشروبات الغازية والشوكولاتة وأنواعٍ مختارةٍ من الفواكه المستوردة، في حين غابت المواد الضرورية مثل الطحين والخضراوات واللحوم والبيض وحفاضات الأطفال ومواد التنظيف. وبهذا لم يعد النشاط التجاري قائماً على المنافسة المفتوحة، بل على الامتثال لشروطٍ تنظيميةٍ تحدّد من يَستورد وماذا يُستورد وبأيّ كميات.
وهكذا أعيد تشكيل السوق لإظهار وفرةٍ شكليةٍ لا تعكس الواقع المعيشي في غزة، لكنها تضمن لإسرائيل صورةً تنفي بها مسؤوليتها عن تدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية، والمجاعة التي أقرّت بوجودها الأمم المتحدة وعددٌ من مقرّريها الخاصّين. وسجلت السلطات الصحية في غزة وفاة نحو 428 فلسطينياً بسبب نقص الغذاء. وأكدت وكالاتٌ إنسانيةٌ تعمل بالقطاع مقتل قرابة ثلاثة آلافٍ آخرين على يد قواتٍ إسرائيليةٍ أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات الإنسانية.
يقول رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية بغزة محمد أبو جياب في حديثه مع الفِراتْس: "هناك رؤيةٌ إسرائيليةٌ [. . .] تعيد تأسيس السوق الاستهلاكي وسياسات المواطن الاستهلاكية، مع إعادة الصدارة للمنتج الإسرائيلي أولويةً للاستيراد، وبالتالي مزيداً من الاستفادة الاقتصادية للشركات الإسرائيلية، بما يخدم الارتباط الكامل بالشركات والمصانع الإسرائيلية". تضمنت الإجراءات الإسرائيلية تغييراتٍ في النظام النقدي، تسمح لسلطة الاحتلال بفرض ضوابط على السيولة النقدية المتداولة داخل القطاع. بين تلك الإجراءات مقترحٌ من وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر في إبريل 2025 بسحب فئة مئتي شيكل من التداول. برّر ساعر اقتراحه بأن هذه الفئة من النقود تمثل غالبية الأموال التي بحوزة حركة حماس، وفي حال إلغائها ستجد الحركة نفسها غير قادرةٍ على دفع رواتب كوادرها وموظفيها وتمويل أنشطتها المسلحة، وفق زعمه.
ورغم رفض المقترح رسمياً، اعتمدت سلطات الاحتلال سياساتٍ بديلةً تسمح باستيراد سلعٍ محددةٍ تُباع بأسعارٍ مضاعفةٍ وبالدفع النقدي. وداخل القطاع ارتفعت عمولات السحب النقدي بأكثر من 50 بالمئة، في ظلّ نقص الورق النقدي نتيجة تدمير المصارف والبنوك في القطاع. ومع مضاعفة الأسعار، بات النقد يتناقص وأعباء الحصول على الكفاف تتزايد.
لم يتغير الوضع التجاري في غزة منذ يناير 2025، مع بدء سريان المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يشير إلى سعيٍ إسرائيليٍ لضمان السيطرة على وضع الاقتصاد وإتاحة الغذاء ومستلزمات الحياة الضرورية في القطاع وإبقائه في الحدود التي وضعتها وفرضتها طوال عامي الحرب.
ففي أغسطس 2025 وبينما يسعى المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف لدفع محادثات وقف إطلاق النار، حدّدت إسرائيل قائمةً من خمسة تجارٍ فلسطينيين مسموحٍ لهم بالاستيراد من إسرائيل حصرياً. ومع حلول ديسمبر 2025، أي بعد شهرين من سريان الاتفاق، رفعت العدد إلى عشرة تجارٍ فقط، بينما اقتصر الموردون على أربع شركاتٍ إسرائيليةٍ متخصصةٍ في الاستيراد والتصدير وهي: غلوبال رايتيل ومهدرين تنوفورت وفيكتوري ونيومان ما حوّل الاستيراد إلى عمليةٍ محكومةٍ بالكامل من السوق الإسرائيلي.
ردّت الغرفة التجارية والصناعية الزراعية في غزة برفض هذه الآلية الجديدة قطعياً، باعتبارها تفتقد الشفافية والمعايير الواضحة، وتفتح المجال للاحتكار وفرض إتاواتٍ غير قانونيةٍ، بما يرفع تكلفة السلع ويقوِّض المنافسة ويزيد من الإجراءات البيروقراطية، ويعيد تشكيل سوق غزة وفق منطق السيطرة والانتقاء.
يقول رئيس جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين علي الحايك في حديثه مع الفِراتْس: "ننتظر استقراراً سياسياً وأمنياً في قطاع غزة بعد تولّي لجنة التكنوقراط [الكفاءات] مهامها فور وصولها للقطاع، ونحن بصدد تقديم شكوى والاحتكام للقضاء ضد التجار الذين قبلوا الإملاءات الإسرائيلية، كما نطالب بالعودة إلى الوضع السابق، الذي يتيح لأيّ تاجرٍ مسجلٍ في الغرفة التجارية أن يستورد ما يراه مناسباً لتجارته، بالإضافة لمحاكمة كلّ من تورّط أو قَبِلَ بهذه الشروط الإسرائيلية".
رفضت السلطات الإسرائيلية السماح للجنة إدارة غزة بدخول القطاع في 20 يناير 2026، ولم تفلح مساعي الوسطاء في دفع سلطات الاحتلال المسيطرة على أكثر من 60 بالمئة من مساحة غزة للموافقة على دخول اللجنة التي استسلمت لإدارة القطاع من القاهرة، لتظل الأوضاع المفروضة وقت الحرب ساريةً في القطاع، بما في ذلك أوضاع الاقتصاد المُدار إسرائيلياً.
على امتداد السنوات التي سبقت 2023، لم تكن القيود على التجارة في غزة استثناءً مرتبطاً بالحرب وحدها، بل جزءاً من منظومةٍ تراكميةٍ رفعت تكلفة الاستيراد وقيّدت حركة البضائع. فوفق ورقةٍ لمعهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس" بعنوان "التجارة الخارجية في قطاع غزة [. . .]" نشرت سنة 2016 تركزت المعيقات في أربعة مسارات: أولها قيود النقل والحركة عبر نظام تصاريح محدودٍ للشاحنات وآليّات نقلٍ خاصةٍ وتأخيرٍ طويلٍ في الوصول. وثانيها تشديد الفحص الأمني وما يصاحبه من فتح الطرود وإتلاف أغلفتها وإعادة التفتيش وتلف بعض السلع وارتفاع المخاطر على التاجر. وثالثها قيودٌ جمركيةٌ وإجراءات تقييمٍ غير شفافةٍ تضيف رسوماً وتدفع بعض التجار للاعتماد على وكلاء إسرائيليين بما يقلّل استقلاليتهم. ورابعها اشتراطات المواصفات الفنية ومصادر الاستيراد، بما في ذلك قيود المطابقة وحظر الاستيراد من دولٍ بعينها، وهو ما يقلّص خيارات التوريد ويمنع البحث عن بدائل أقلّ تكلفة.
لم تُنتج هذه القيود ارتفاعَ الأسعار فقط، بل ساهمت أيضاً في تحويل السوق تدريجياً من فضاءٍ تحكمه حسابات العرض والطلب إلى فضاءٍ تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع القرار الاقتصادي، ممهِّدةً لانتقالٍ أشدّ تركيزاً في إدارة تدفق السلع خلال الحرب وما بعدها.
لا يمكن فهم هذا التحول بوصفه نتيجةً ظرفيةً لإجراءاتٍ حديثةٍ فحسب، بل باعتباره امتداداً لمسارٍ تنظيميٍ أوسع بدأ يتشكل منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين، وتحديداً مع إعادة تعريف العلاقة الاقتصادية بين قطاع غزة وإسرائيل في إطار ترتيباتٍ رسميةٍ نظمت حركة التجارة والمعابر بينهما. فمنذ توقيع بروتوكول باريس سنة 1994 – وهو الملحق الاقتصادي لاتفاقية أوسلو – أخذ المسار التجاري منحنىً متدرجاً من التنظيم نحو مزيدٍ من الضبط، وإن بدرجاتٍ متفاوتةٍ عبر المراحل المختلفة.
ضَمِنَ بروتوكول باريس الاقتصادي الملحق باتفاقية أوسلو تقييدَ قدرة الفلسطينيين على نيل الاستقلال الاقتصادي، وأسّس لخضوع الاقتصاد الفلسطيني للسلطة الإسرائيلية في جميع الأوجه المالية والاقتصادية. وبناءً على هذا الإطار أُطلقت يد إسرائيل في إدارة حياة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.
عَدّ البروتوكول الاقتصادَ الفلسطيني جزءاً من الاتحاد الجمركي الإسرائيلي، أي إن السلطة الفلسطينية باتت ملزمةً بتبنّي السياسات الجمركية الإسرائيلية. كذلك أقرّ نظام المقاصة الضريبية الذي يولي إسرائيل جباية ضرائب الاستيراد والرسوم الجمركية نيابةً عن الفلسطينيين، ولا تتلقى الحكومة الفلسطينية نصيب الفلسطينيين من تلك الرسوم والضرائب إلا بموافقة إرادةٍ إسرائيلية. الأمر الذي ظهر أثره في الرفض المتكرر من وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش توريدَ تلك الأموال للسلطة الفلسطينية. إلى جانب ذلك، فرض الاتفاق الشيكل الإسرائيلي عملةً رئيسةً للتداول في السوق الفلسطيني، ما حرم الفلسطينيين من حقّهم في إصدار عملةٍ مستقلة.
كان البروتوكول جزءاً من ترتيباتٍ انتقاليةٍ يفترض مراجعتها بعد خمسة أعوام. إلّا أن تعثّر المسار السياسي مع صعود اليمين المتطرف للحكم بانتخاب بنيامين نتنياهو رئيساً للوزراء سنة 1996، حال دون مراجعة البروتوكول أو إدخال تعديلاتٍ جوهريةٍ عليه. فتحوّل مع مرور الوقت من صيغةٍ مؤقتةٍ إلى مرجعيةٍ شبه دائمةٍ تحكم المجال الاقتصادي الفلسطيني. أبقى البروتوكول السيطرة على المعابر والحدود والسياسات الجمركية والضريبية بيد إسرائيل، مما حدّ من قدرة الفلسطينيين على تطوير سياسةٍ اقتصاديةٍ مستقلة. واستغلت السلطات الإسرائيلية الصياغات الفضفاضة في تفسير البنود وتطبيقها انتقائياً. واستخدمتها في تشديد القيود بدوافع أمنيّةٍ، أو التحكم بالسلع الواردة بما يتوافق مع الأولويات الإسرائيلية.
على امتداد أكثر من ثلاثة عقودٍ من تطبيق البروتوكول، ترسّخ مبدأ التحكم الإسرائيلي في السوق، وتطوّر حتى وصل إلى نمط الاحتكار المدار القائم حالياً في غزة.
وإلى جانب تلك القيود المفروضة على عموم الفلسطينيين، فرضت السلطات الإسرائيلية على قطاع غزة قيوداً إضافيةً، تفاوتت شدّتها على مدار العقود الثلاثة الخالية. ففي السنوات العشر الأولى بعد توفيق الاتفاق، أي ما بين سنة 1994 إلى 2004، ورغم الاختلالات البنيوية في الاتفاق، اتسمت الحركة التجارية في غزة بقدرٍ نسبيٍّ من الانتظام. وحافظ القطاع الخاص على هامشٍ محدودٍ من الاستيراد والعمل ضمن سقف القيود المفروضة على المعابر والسياسات الجمركية.
غير أن التحوّل الأبرز جاء بعد الانسحاب الإسرائيلي من القطاع سنة 2005، ثم فرض الحصار المشدد منذ 2006، رداً على فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي وتشكيلها الحكومة العاشرة، ما أدّى إلى تقلصٍ كبيرٍ في حجم التبادل التجاري وعدد الشاحنات الواردة. وتبيّن بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني أن صادرات قطاع غزة التي تمثل أحد الأعمدة الرئيسة لاقتصاده تناقصت منذ سنة 2006 حتى توقفت كلياً سنة 2008، مقابل استمرار تدفق الواردات ضمن قيودٍ أمنيّةٍ متزايدة. ومع تكرار جولات التصعيد الإسرائيلي ما بين 2008 و2019 انتقلت السياسات من تقليص الكميات إلى إدارةٍ أكثر تفصيلاً لنوعية السلع المسموح بإدخالها، عبر آلياتٍ رقابيةٍ أبرزها آلية "إعادة إعمار غزة" التي عُمل بها بعد عدوان سنة 2014. وباتت إسرائيل مسؤولةً عن توريد المواد الخاصة بإعادة الإعمار من الأسمنت والحديد وغيرها من موادّ البناء، بعد تدقيق الكشوفات الواردة من جهات دولية. ووسّعت سلطة الاحتلال من تعريفها قائمة المواد المصنفة بأنها "ذات استخدام مزدوج" لتصل لنحو ألف سلعة. والمقصود فيها أن الفصائل قد تستفيد من تلك السلع لتطوير قدراتها العسكرية والقتالية، وأدّى ذلك إلى شللٍ واسعٍ بالقطاعات الإنتاجية، وإضعاف الاقتصاد، وتحويل النشاط التجاري من عمليةٍ اقتصاديةٍ طبيعيةٍ إلى عمليةٍ خاضعةٍ لإجراءاتٍ أمنيةٍ وإداريةٍ معقدة.
أفضى هذا المسار إلى إضعاف القاعدة الإنتاجية شيئاً فشيئاً، وتزايد اعتماد السوق الفلسطيني في غزة على استيرادٍ محدودٍ خاضعٍ للموافقات الأمنية الإسرائيلية. ظهرت في هذه المرحلة بيئةٌ مهّدت لظهور أنماطٍ أكثر تركيزاً في إدارة السوق لاحقاً، دون افتراض أن هذا التطور كان حتمياً بقدر ما كان نتاجاً لتراكم القيود وإعادة تنظيم أدوات التحكم في التدفق التجاري.
هكذا جاءت الحرب الأخيرة وقد تراجعت قدرة القطاع الخاص الفلسطيني على التخطيط والاستثمار طويل الأمد، وانكمشت القاعدة الإنتاجية وتنامى الاعتماد على الاستيراد المحدود والخاضع للقيود، وتآكل دور التجارة التنموي. فكانت الأرض ممهدةً للانتقال من سياسة الحصار إلى سياسة الاحتكار المُدار التي طُبقت بسهولةٍ إبان حرب الإبادة.
ما يحدث في اقتصاد قطاع غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار، ليس مجرد عودةٍ تدريجيةٍ إلى الحالة السابقة، بل هو إعادة تنظيمٍ لقواعد السوق بما يضمن سيطرةً تكاد تكون كاملةً على ما يتاح للفلسطينيين في قطاع غزة من سلعٍ ودواءٍ وغذاء. استخدمت إسرائيل في ذلك عدة آلياتٍ تبدأ من التحكم في قنوات الاستيراد وتحديد نوعية السلع والتحكم في السيولة النقدية وانتقاء الفاعلين في السوق الغزّي، في مقابل تراجع الطبقة التجارية التقليدية.
هذه المؤشرات تشير إلى تحول الحصار من أداةٍ للتعطيل إلى نمطٍ أكثر تركيزاً يدير التدفق التجاري ويحدد المشاركين فيه. ويصعب الجزم بأن هذا النمط قد استقر نموذجاً دائماً، فقد يكون تعبيراً عن مرحلةٍ انتقاليةٍ فرضتها ظروف الحرب، وقابلاً لإعادة التشكل مع تغير البيئة السياسية والأمنية، لكن الواقع الآن في غزة يضمن لإسرائيل تشديد الخناق على سكان القطاع، والتحكم في المائدة الفقيرة في كلّ خيمةٍ مهترئةٍ قائمةٍ على المساحة الباقية تحت سيطرة الفلسطينيين النسبية من أرضهم.