دراسات

فلسطينيو لبنان شهداء ونازحون في الحرب

post-img

أيهم السهلي (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

الكل تحت النار في لبنان، المدن، والقرى، ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي ينالها ما ينالها من جور الحرب والسياسة. لكن ثمة فرق بين ضحية وأخرى، فالمخيمات تبدو وحيدة في مواجهة الظروف الإنسانية الصعبة التي تخلّفها الحرب، فلا دور رائد لوكالة الأونروا، وهناك شبه غياب لدور منظمة التحرير الفلسطينية، ولبقية الفصائل. لذا يواجه اللاجئ الفلسطيني ظروفه من دون غطاء، وفي حالات الحرب تزداد مأساته بفعل انكشاف المخيمات وأهلها.

ومنذ بدء العدوان على لبنان في 2 آذار/مارس 2026، شنّ جيش الاحتلال غارات جوية واسعة النطاق على جنوب لبنان وسهل البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، ومناطق أُخرى في لبنان. وأصدر أوامر إخلاء لأكثر من 50 بلدة وقرية، معظمها جنوبي نهر الليطاني.

وحتى مساء الأربعاء 18 آذار/مارس، بلغ عدد الضحايا في لبنان 968 شهيداً و2432 مصاباً، بين الشهداء 611 طفلاً، و77 امرأة.[1]  وتجاوز عدد النازحين المليون، ضمنهم 133,492 ألف نازح في مراكز الإيواء التي وفرتها الحكومة اللبنانية، وعددها 633 حتى تاريخ 16 آذار/مارس.[2] 

فلسطينياً، تشير معطيات وأخبار وتقارير صحافية إلى أن عدد الشهداء الفلسطينيين في هذه الحرب حتى تاريخ 18 آذار/مارس بلغ 25 فلسطينياً، بينهم أطفال، استشهدوا في الضاحية الجنوبية لبيروت، والسعديات جنوبي بيروت، ومخيم عين الحلوة والشرحبيل ومشاريع الهبه في مدينة صيدا جنوبي لبنان، ووادي الزينة التجمع القريب منها.

وعلى صعيد النزوح، شهدت المخيمات الفلسطينية موجتي نزوح، من المخيمات نحو الخارج، ومن الخارج إلى المخيمات. ففي مدينة صور جنوبي نهر الليطاني ثلاثة مخيمات هي الرشيدية والبرج الشمالي والبص، وعدد من التجمعات الفلسطينية كالقاسمية وجل البحر والمعشوق والشبريحة وغيرهم، يسنكها نحو 60 ألف لاجئ فلسطيني. عقب أوامر الاحتلال بالإخلاء من منطقة جنوب نهر الليطاني، خرجت بعض العائلات الفلسطينية من المخيمات والتجمعات المذكورة إلى مراكز الإيواء التي افتتحتها الأونروا، وإلى المخيمات الأُخرى في صيدا وبيروت وطرابلس شمال لبنان.

على الجانب الآخر، شهدت المخيمات موجات نزوح إليها، فقد دخل إليها العديد من العائلات اللبنانية والفلسطينية المقيمة خارج المخيمات، وتقدّر معلومات صادرة عن المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد" أن عدد العائلات التي نزحت إلى المخيمات كافة هي 3062 عائلة تقريباً، حيث بلغت أعدادهم في مخيمات الجنوب في صور 746 عائلة، وصيدا 700 عائلة، وبيروت (البرج) 200 عائلة، وفي طرابلس 1354 عائلة، وفي البقاع وبعلبك (مخيم الجليل - سعد نايل - برالياس - ثعلبايا) 200 عائلة.[3] 

وقد فعّلت وكالة غوث وتشغيل لاجئي فلسطين الأونروا استجابتها الطارئة في لبنان في 4 آذار/مارس للتعامل مع أوضاع الحرب، فافتتحت مراكزها في مركز تدريب سبلين ومجمع مدرسة بير زيت/بيت جالا المجاور في منطقة وادي الزينة القريبة من مدينة صيدا جنوبي لبنان، علماً بأنها في 11 آذار/مارس أعلنت أن مدرسة بير زيت/بيت جالا لم تعد مصنفة كمأوى طوارئ تابع لها، ودعت النازحين في المدرسة إلى الانتقال إلى مأوى سبلين المجاور، وأزالت الأونروا علم الأمم المتحدة عن المدرسة، للإشارة إلى أنها لم تعد تدير المدرسة كمأوى. كما افتتحت في 5 آذار/مارس مركزاً ثان في مدرسة بتير في مخيم نهر البارد شمالي طرابلس، يضم ستة مبان مدرسية. وفي اليوم ذاته، بدأ بعض سكان مخيمي برج البراجنة وشاتيلا بمغادرة المخيمين، بعد أمر إخلاء شمل المناطق التي يقع ضمنها المخيمان، تحديداً مخيم برج البراجنة، هذا وقد عاد الكثير من سكان المخيمين إلى منازلهم بعد انقضاء ساعات على أمر الإخلاء.

وقالت الأونروا في 10 آذار/مارس، إن عدد النازحين في مراكزها بلغ 1567 نازحاً (436 عائلة)، هم 734 ذكراً، و833 أنثى، منهم 655 طفلاً. وبلغ عدد اللبنانيين ضمنهم 912، والسوريين 426، والفلسطينيين 221 (160 فلسطيني لبناني – 61 فلسطيني سوري)، فضلاً عن 4 فلسطينيين غير مسجلين في الأونروا واثنين من جنسيات أخرى. وتقدم الوكالة لهم طروداً غذائية جاهزة للأكل في مركز إيواء سبلين الطارئ، ومركز إيواء بتير.[4] 

وتعمل الأونروا في مراكز الإيواء التابعة لها، بالتنسيق مع يونيسف، فحدّدا مركز المعلومات العربي للفنون الشعبية "الجنى" شريكاً رئيسياً في مركز إيواء سبلين. وفي مركز إيواء بتير تعمل المؤسسة الوطنية للرعاية الاجتماعية والتدريب المهني. كما تتعاون الأونروا مع برنامج الأغذية العالمي، والمجلس النرويجي للاجئين، ومنظمة المعونة الكنسية الدنماركية بشأن التبرعات العينية ومواد الإغاثة، بالإضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة إنقاذ الطفولة الدولية. وقالت الوكالة إنها بصدد التعاون مع مؤسسة التعاون الدولي (COOPI) من أجل التبرع بكميات كبيرة من المواد الغذائية لدعم افتتاح مطبخ مركز تدريب سبلين المزمع إنشاؤه لتوفير وجبات ساخنة. كما أن الشريكين المحليين، مؤسستي نبع والنجدة، يدعمان المجتمعات المضيفة في المخيمات عبر المساعدات الغذائية.

وفي تقرير لها، أعلنت "شاهد" أن أرقام النازحين الفلسطينيين حتى تاريخ 14/3/2026، هي كالتالي:[5] 

1567 نازحاً فلسطينياً (436 عائلة) داخل مراكز إيواء الأونروا (حتى 10 آذار/مارس).

1015 نازحاً فلسطينياً (290 عائلة) في مخيمات الرشيدية وبرج الشمالي والبص إلى مراكز الإيواء.

201 نازح فلسطيني (52 عائلة) من بيروت إلى مخيمي ضبية ومار الياس.

350 عائلة إلى نهر البارد وفق إحصاءات اللجنة الشعبية.

230 عائلة إلى مخيم البداوي وفق إحصاءات اللجنة الشعبية.

وتجدر الإشارة إلى أن "شاهد" أوضحت في تقريرها أن أرقام النازحين في مراكز الإيواء لها موثوقية مرتفعة إلى متوسطة، كونها تستند إلى تسجيل منظم، وهي منقولة عبر مصادر وسيطة، بينما أرقام اللجان الشعبية في المخيمات، فهي ذات موثوقية متوسطة، إذ إنها قوية ميدانياً لكنها تبقى عرضة للتغير السريع أو الازدواجية، وهي لا تتضمن تعداداً دقيقاً للأفراد. أمّا النزوح من وإلى مخيمات بيروت وصيدا والبقاع، فموثوقيته منخفضة إلى متوسطة، نظراً إلى غياب تغطية رقمية شاملة ومحدثة. والجدير ذكره هنا، أن الأونروا حتى تاريخ إعداد هذه المادة لم تصدر أرقاماً جديدة لأعداد النازحين الفلسطينيين (ظهيرة 18/3/2026).

لكن مساء 17 آذار/مارس، أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي أمر إخلاء جديد، حدد فيه المخيمات والتجمعات في جنوب نهر الليطاني ضمن المناطق المشمولة بالإخلاء، ما أدى إلى حركة نزوح جديدة من المخيمات الثلاثة، شملت العائلات النازحة إلى المخيم، وهم عائلات فلسطينية ولبنانية وسورية، وكذلك عائلات من سكان المخيم، ولا سيما التي لديها أطفال وكبار سن. وأشار ناشطون وأعضاء لجان شعبية في المخيمات الثلاثة، أجرى الكاتب اتصالاً معهم، إلى أن حركة النزوح من سكان المخيمات الأصليين قليلة، بسبب عدم معرفة أغلبية هؤلاء السكان لوجهة محددة يذهبون إليها، ولفتوا إلى خشيتهم من نقص أكثر في الخدمات المقدمة من قبل الأونروا، وخصوصاً أن بعض خدماتها توقفت بعد بدء الحرب، وهي أحد عوامل الصمود لديهم.

فقد تعطلت العملية التعليمية في لبنان في إثر الحرب، وأغلقت الأونروا مدارسها الـ 56 في جميع أنحاء لبنان، امتثالاً لقرار وزارة التربيع والتعليم العالي اللبنانية. علماً بأن هناك خطط على مستوى لبنان، لاستمرار العملية التعليمية عن بعد، وعبر التعليم المدمج. وأشارت الوكالة إلى أن أساليب التعليم في الأونروا قد تختلف باختلاف المناطق تبعاً للوضع الأمني، بما في ذلك التعليم الوجاهي في منطقة شمال لبنان (15 مدرسة)، والتعليم عن بُعد في منطقة صيدا (18 مدرسة)، ومنطقة وسط لبنان (9 مدارس)، ومنطقة صور (14 مدرسة)، وأساليب التعليم المختلطة في سهل البقاع، وفي مركز تدريب سبلين.

كما قلّصت الأونروا مجدداً خدماتها، جرّاء الظروف، ففي 10 آذار/مارس كانت 14 عيادة من أصل 26 عيادة صحية تابعة للوكالة تعمل، فيما أُغلقت 12 عيادة بسبب الوضع الأمني. وحاولت الوكالة تعويض ذلك بقيام فريقين من فرق صحة الأسرى، يعملان في عيادتي برج الشمالي والبص، بتوزيع الأدوية فقط، بحسب ما قالت الأونروا. وفي منطقة وسط لبنان تقدم خدمات الرعاية الصحية الأولية حالياً عبر عيادة مار الياس، وعيادة برج حمود، وعيادة مصيطبة للطوارئ الموقتة. وفي منطقة صيدا، أُغلقت عيادتا الغازية والعدلون. وفي منطقة البقاع ومنطقة شمال لبنان، لا تزال المراكز الصحية الستة تعمل. وتشير الأونروا إلى أنها منذ بداية حالة الطوارئ وحتى 10 آذار/مارس، قدمت 14562 استشارة طبية، منها 1439 استشارة للنازحين في عيادات الأونروا الميدانية، و99 استشارة للنازحين في مركز إيواء سبيلين بمنطقة صيدا. وهناك مخاوف من انتشار الأمراض في أوساط النازحين، وذلك جرّاء الضغط المتزايد على مرافق الصرف الصحي، إذ يتشارك حوالي 18 شخصاً مرحاضاً واحداً، ونحو 40 شخصاً وحدة استحمام واحدة في المتوسط، وذلك بحسب الأونروا.

أما خدمات الأونروا الأُخرى، فبعضها يعمل، وبعضها تعطل بفعل الحرب، فهي باتت تلقى صعوبة في إيصال الوقود إلى منطقة صور حيث مخيمات الجنوب الثلاثة، وإلى سهل البقاع، ومنطقة شمال لبنان، وأشارت إلى أن ذلك يثير خطر حدوث انقطاع محتمل في إمدادات المياه إذا استمر الوضع على ما هو عليه. كما أنها أوضحت أن فريق المياه والصرف الصحي، يتخلص يومياً من 160 طناً من النفايات في المتوسط، لكن من المرجح أن انخفاض عدد الموظفين القادرين على العمل في المخيمات المتضررة من الحرب، سيؤثر سلباً على عمليات جمع النفايات والتخلص منها، فضلًا عن أنشطة ضخ المياه. وقد سُجلت انقطاعات موقتة في عملية جمع القمامة مع بداية تصاعد النزاع في منطقة صور وسهل البقاع، بينما شهد مخيما برج البراجنة وشاتيلا توقفات قصيرة للخدمات قبل استئناف عمليات التنظيف جزئياً.[6] 

ليس معروفاً إلى أين ستذهب هذه الحرب على لبنان والمنطقة، لكن من شبه المؤكد أنها ستكون كارثية على اللاجئين الفلسطينيين ومخيماتهم في لبنان، ولا سيما أنها تعاني من ظروف استثنائية ولاإنسانية خارج الحرب، حيث إن عامل الإدارة الذاتية هش وغير ناضج، ومع ضعف خدمات الأونروا فإن شروط الحياة ستكون أكثر صعوبة وتعقيداً، وهذا ما يثير الخوف، في حال طالت وتطورت مفاعيل الحرب، من أن يزداد انهيار الخدمات في مخيمات اللاجئين الفلسطينية في لبنان، وأن يكون مصير القطاعات الحيوية فيها كما في غزة. وخصوصاً أنه من الواضح أن الجهات المسؤولة عن المخيمات غير قادرة على القيام بولايتها على المخيمات على أكمل وجه، فالجانب الصحي مثلاً في حالة تراجع مزمن منذ سنوات، ولم يُختبر في الأزمات الكبيرة كحالة الحرب الحالية، ومثله القطاع التعليمي الذي يشكو مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من تردّيه، هذا عدا عن نقص الموارد المالية التي ستنعكس سلباً على الأمن الغذائي في المخيمات.

[1]"التقرير اليومي للعدوان: ارتفاع عدد الشهداء إلى 968"، الجمهورية اللبنانية وزارة الصحة العامة، المركز الإعلامي، 18/3/2026.

[2]"إدارة الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء: 133492 نازحاً مسجلاً في مراكز الإيواء و968 شهيداً و2432 جريحاً"، الوكالة الوطنية للإعلام، 18/3/2026.

[3] "واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تحت وطأة الحرب إعداد المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)"، المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)، 14/3/2026.

[4]"تقرير الأونروا رقم 2 حول الاستجابة الطارئة في لبنان 2026"، وكالة الأونروا، 12/3/2026.

[5]"تقرير حقوقي: التصعيد العسكري في لبنان يدفع اللاجئين الفلسطينيين إلى نزوح جديد داخل المخيمات"، المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد)، 16/3/2026.
لقراءة التقرير الكامل على الرابط الإلكتروني.

[6]  "الأونروا"، مصدر سبق ذكره.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.