رنا أحمد (مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية)
يشير مصطلح المشروعات "الصغيرة والجميلة Small and Beautiful"، إلى التغير الذي طرأ على سياسة الصين التنموية في الخارج خلال السنوات الأخيرة، فخلافاً للنهج التقليدي الذي اقترن بالمشروعات العملاقة ذات الطابع المركزي، أصبح التركيز متجهًا نحو المشروعات الصغيرة ذات الصلة المباشرة بالمجتمعات المحلية.
وقد بات هذا التوجه حاضراً بوضوح في الخطاب الرسمي الصيني والسردية التي تحاول بكين الترويج لها على الصعيد الدولي، حيث صرح الرئيس الصيني شي جين بينغ في المؤتمر الثالث حول تطوير مبادرة الحزام والطريق في عام 2021، بأنه "يجب علينا إعطاء الأولوية للمشروعات الصغيرة والجميلة Small and Beautiful في التعاون الدولي". علاوة على ذلك، أضاف في أكتوبر 2023، أن "الصين ستنفذ 1000 مشروع مساعدات صغيرة النطاق للمعيشة". وقد أعقب ذلك إصدار الوكالة الصينية للتعاون الإنمائي الدولي تقريراً بعنوان المشروعات الصغيرة والجميلة Small and Beautiful Projects في فبراير 2025.[1]
أولاً: المرتكزات الأساسية للنهج الصيني الجديد
أشار التقرير الصادر عن الوكالة الصينية للتعاون الدولي إلى أن المشروعات "الصغيرة والجميلة" تقوم على 5 مرتكزات أساسية؛ أولاً، فلسفة تركز على الإنسان People-centered Philosophy ، ثانياً، رؤية طويلة المدى، ثالثاً، توافق مع الاحتياجات المحليةDemand-driven Approach ، رابعاً، المشاركة المتنوعة، خامساً، التنمية الخضراء ومنخفضة الكربون.[2]
وتتصف تلك المشروعات بأنها صغيرة النطاق Small-scale، وغالباً، تأتي في صورة مشروعات فردية؛ ما يجعلها محدودة الامتداد الجغرافي مقارنةً بمشروعات البنية التحتية الكبيرة أو ما يطلق عليه Projects of the Century، فتكون أكثر سهولة في التنفيذ وقابلة للتكرار Replicable في سياقات مختلفة. ويُمكِّن ذلك الصين من أن تصل إلى المستوى الشعبي وأن تبني صلات وثيقة بالمجتمعات، وذلك عن طريق تواصل المنفذين مع السكان المحليين؛ وبالتالي التعرف على متطلباتهم، ما يجعلها مشروعات راسخة Well-grounded. ويعود ذلك بدوره إلى تعزيز قدرة الصين على التوسع دون مقاومة محلية.

وتشمل تلك المشروعات الصينية الصغيرة تقديم المساعدة في الزراعة والحد من الفقر مثل مشروع الحد من الفقر في شرق آسيا الذي تم تنفيذه في ست قرى في كمبوديا، ولاوس، وميانمار منذ 2017 إلى 2021. فضلاً عن المساعدة في المجال الطبي والرعاية الصحية من خلال إرسال الفرق والقوافل الطبية كالتي أرسلت لبنما، إلى جانب تقديم المساعدات الإنسانية الطارئة لضحايا النزاعات والكوارث مثل المساعدات التي أرسلت لنيبال بقيمة ١٥ مليون يوان في 2023 جراء الزلزال،[3] علاوة على تقديم المساعدة في التعليم والتدريب لدعم تنمية الموارد البشرية المحلية، وذلك عن طريق مشروعات مثل ورش لوبان كالتي عقدت بجامعة عين شمس عام 2020، على مساحة 1200متر، لرفع مستوى مهارات الطلبة والمتدربين في البرامج الخاصة ببرامج التصميم وهندسة الإنتاج وكذلك برامج الطاقة، وميكانيكا القوى، والقوى الكهربائية، وهندسة السيارات، وغيرها.[4]
وبالنظر إلى طبيعة تلك المشروعات، نجد أنها جاءت اجتماعية متشابهة مع النهج الغربي، خاصة، فيما يتعلق بدعم وبناء القدرات، بعد أن كانت مرتكزة بدرجة أكبر على القطاع الاقتصادي والبنية التحتية والنقل. كما اصبحت تتعلق بقضايا سياسية في مجالات مثل سيادة القانون، والمساءلة، وحقوق الإنسان- كالمساواة وحماية الأقليات-، وهي مجالات كانت الصين تتجنبها سابقاً باعتبارها أموراً سيادية وداخلية في المقام الأول. غير أن ذلك التغير ليس بجديد، إذ بدأ منذ عام 2012 عند تبنيها سردية تبادل الخبرات المستمدة من "تحديث نظام وقدرة الحوكمة الوطنية الصينية".[5]
ثانياً: الجذور المحلية للمفهوم
تجدر الإشارة إلى أن مصطلح Small and Beautiful لا يستخدم حصرياً لوصف نهج الصين في سياستها التنموية الخارجية، بل يمتد إلى السياق الداخلي ذاته؛ إذ يتسق مع أيديولوجية الصين "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" التي لا تقتصر على الاهتمام بالنواحي الاقتصادية والاجتماعية فحسب، إنما تسعى، كذلك، إلى بناء حضارة أيكولوجية قائمة على خلق تناغم بين الإنسان والمجتمع والطبيعة وتضمين العامل البيئي في شتى مراحل البناء الاقتصادي، والسياسي، والثقافي، والاجتماعي، بما يتناسب مع رؤية "الصين الجميلة".[6]
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى مفهوم Small and Beautiful باعتباره امتداداً طبيعياً لتجربتها التنموية الداخلية، إذ طبقت ذلك النهج في عدد من المشروعات التي نفذت بدعم من الحكومات المحلية وبمشاركة الشركات الخاصة، والمنظمات الاجتماعية، ومراكز الفكر والجامعات والمنظمات الدولية. وفي هذا السياق، يمثل مشروعا “Heart-to-Heart Yunnan Tour” و“Love Journey”، أحد النماذج التي ألهمت النهج الصيني على المستوى الخارجي.[7] وتجدر الإشارة إلى أن هذا المفهوم لا يعكس الخصوصية الصينية فحسب، بل قد استخدم في سياقات آسيوية أخرى متعلقة بالزراعة التقليدية وتحديداً العلاقة بين المزارع الصغيرة والإنتاجية المرتفعة.[8]
وبشكل عام، يتسم ذلك النهج بانخفاض حجم الاستثمارات والتركيز على سرعة تحقيق العوائد والقابلية للتوسع لجذب الاستثمار الخاص، وتقليل التمويل الحكومي؛ ما يفتح باباً لتنوع أكبر في الفاعلين. فلن يظل الأمر منصباً على الهيئات الحكومية فقط، بل سيشمل مشاركة من قبل شركات الاستثمار، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية.[9]
ثالثاً: الدوافع السياسية والاقتصادية للنهج الجديد
تتعدد دوافع النهج الصيني الجديد. فمن ناحية، تسببت أزمة كوفيد في انخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي حيث وصل إلى 2.3٪ عام 2020 بعد أن كان 6.1٪ في 2019، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1977.[10] وبالتالي قد دفع ذلك الأمر الصين إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية عبر تقليص نفقاتها الخارجية وتوجيه الاهتمام للداخل.[11]
وتماشياً مع ذلك، في الفترة بين 2017 و2019، أصدرت لجنة تنظيم البنوك الصينية، واللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، ولجنة الإشراف على الأصول المملوكة للدولة وإدارتها، ووزارة التجارة إرشادات صارمة فيما يتعلق بالإقراض والمشروعات الخارجية، كما أعطت أولوية لتحصيل سداد القروض القائمة.
وانعكس ذلك على التراجع المتواصل في أعداد المشروعات الخارجية التي هبطت من 150مشروع في 2016، إلى 122في 2017، ثم إلى 74 في 2018، وصولاً إلى 31 ثم 20 مشروع في عام 2022 و2024، وفق ما جاءت به China's Overseas Development Finance Database، وهي قاعدة بيانات معدة من قبل جامعة بوسطن لتتبع قروض الدين العام المضمون من الدولة (PPG) التي يقدّمها بنك التنمية الصيني (CDB)، وبنك التصدير والاستيراد الصيني (CHEXIM).[12] ولعل من شأن العبء الاقتصادي الناجم عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن يجعل هذا النهج أكثر إلحاحاً؛ ما يحوله من مجرد "أولوية جديدة" إلى ضرورة تكتيكية للتعامل مع بيئة إقليمية بالغة الخطورة، مع الحفاظ على القدرة على التوسع في النفوذ بتكلفة اقتصادية منخفضة ومخاطرة سياسية محدودة.
ومن ناحية أخرى، يمكن تفسيره كمحاولة لتصحيح صورتها الدولية عقب تزايد الانتقادات بشأْن أزمات الديون Debt Trap Diplomacy والتداعيات البيئية الضارة التي صاحبت مشروعات البنية التحتية السابقة. كما يعبر عن محاولتها لبناء قوى ناعمة وتعزيز التواصل عن طريق بناء شبكات قوية مع المجتمعات المحلية؛ وذلك مواجهةً للسردية الغربية التي تختزل الصين في القوة الصلبة. وقد باتت جهود الصين واضحة إزاء ذلك الموضوع سواء من خلال إنشاء معاهد كونفوشيوس أو توفير المنح الدراسية في الفترات السابقة، أوالتوجه لأبعد من ذلك - حالياً - من خلال إشراك المنظمات غير الحكومية في بناء People-to-People Bonds كركيزة أساسية في مخاطبة البلدان النامية.
وبالتالي، يمكن تفسير التركيز الصيني الحالي على المشروعات "الصغيرة والجميلة"، لا باعتباره استجابة للانتقادات الدولية بشأن الديون فحسب، بل أيضاً كإطار تبريري استباقي يمهّد الطريق لاستمرار الاتجاه في تقليص حجم الالتزامات التمويلية الخارجية.
رابعاً: آفاق النهج الصيني في ظل إعادة تشكيل قواعد التعاون الدولي
من المتوقع أن تتنامى أهمية هذا النهج خلال السنوات القليلة المقبلة، خاصة بعد أن أصبح العالم يبحث عن بديل لتراجع المساعدات الإنسانية الغربية ولاسيما الأمريكية. وفي هذا الصدد، اكتسبت مقاربة "التنمية الصغيرة والجميلة" زخماً مؤسسياً واضحاً، حيث أكدت الوكالة الصينية للتعاون الإنمائي الدولي CIDCA، في تقريرها الصادر في فبراير 2025، أن هذا النهج بات يمثل ركيزة أساسية للمساعدات الخارجية الصينية، بل وأصبح حجر الزاوية في برنامج الصين للتعاون الإنساني.[13]
ولربما يثير ذلك تساؤلات حول احتمالية تغير القواعد والممارسات الدولية المنظمة لذلك الملف على الأمد الطويل، لو استطاعت الصين ملء هذا الفراغ تدريجياً، لاسيما وأن نهجها التمويلي الأساسي يختلف عن النهج الغربي. فعلى سبيل المثال، كانت المساعدات الغربية التي تُقدم من خلال لجنة المساعدة الإنمائية DAC Development Assistance Committee التابعة لـ OECD، غالباً ما تأتي في شكل مساعدات إنمائية رسمية Official Development Assistance ODA وقروض ميسّرة. أما التمويل الصيني، فيغلب عليه الطابع التجاري، وتُصنَّف تدفقاته عادة ضمن فئة التمويل الرسمي الآخر Other Official Financing OOF، كما تكون في معظمها قروضاً تجارية تُمنح لدول يُنظر إليها على أنها قادرة على السداد، وغالباً ما تكون بضمانات.
ختاماً، يعد من المبكر الحكم على ذلك النهج الجديد؛ إذ لم يتبلور بشكل واضح بعد، إلا أن من شأنه أن يوفّر للصين قدراً واسعاً من المرونة في التجريب والتكيّف وفقاً للواقع الفعلي على الأرض. ويمكن النظر إليه باعتباره إطاراً تكميلياً لمبادرة الحزام والطريق، وليس تحولاً جذرياً عنها؛ حيث جاء استجابةً للتطورات التي طرأت على الواقع. كما أنه لم يكن فجائياً، فقد مهدت له للوكالة الصينية للتعاون الإنمائي الدولي CIDCA في إصداراتها الأربعة السابقة التي تناولت المساعدات الإنسانية الطارئة، والمساعدة المرتبطة بجائحة كوفيد-19، ونظام تقييم المشروعات، والحد من الفقر.
وبينما يجسد هذا النمط من الشراكات انخراط الصين مع دول الجنوب عبر نهج قائم على Bottom-Up Approach، من خلال مقاربة أخلاقية قائمة على الانخراط المباشر مع السكان المحليين، إلا أنه يتعين على الدول النامية التعامل مع ملف المساعدات الخارجية وإدارة الديون بحذر، لتجنب استغلال مواردها بشكل غير عادل.
[1] “International Development Cooperation: China’s Practice Fifth Issue, ‘Small and Beautiful’ Projects,” China International Development Cooperation Agency, February 2025, http://en.cidca.gov.cn/pdf
[2] Ibid, 2.
[3] Ibid, 13.
[4] ورشة لوبان نموذج للتعاون الصيني-المصري في توطين التكنولوجيا وبناء القدرات”، 28 مارس 2025، https://2u.pw/009phW
[5] Shahar Hameiri and Lee Jones, “International Development Financing in the Second Cold War: The Miserly
Convergence of Western Donors and China,” Development and Change 56, no. 1 (January 2025): 3–30, https://doi.org/10.1111/dech.12871.
[6] Yi Zhang et al., “‘Beauty’ of ‘Beautiful China’ from the Perspective of Ecological Civilization,” Atlantis Press, June 10, 2021, https://2u.pw/qaE1B
[7] Gu Bin and Zou Renge, “China’s Pivot to ‘small and Beautiful’ Foreign Aid,” The Diplomat, March 13, 2025, https://2u.pw/5ObiB3
[8] Shenggen & Chan-Kang Fan, “Is Small Beautiful? Farm Size, Productivity, and Poverty In,” 2003 Annual Meeting, August 16-22, 2003, Durban, South Africa: Plenary Sessions, February 2, 2003, https://2u.pw/Rta5pd
[9] Jin Lei, From “Projects of the Century” to “Small Yet Beautiful” Projects: New Trends of the Belt and Road Initiative, trans. from Russian (Kunming: Yunnan University Institute of Belt and Road Studies, n.d.), 2025. https://2u.pw/7BNABA
[10] “GDP Growth (Annual %) - China,” World Bank Open Data, accessed January 2, 2026, https://2u.pw/QZOtKQ
[11] "تحولات التمويل الصيني في إفريقيا بعد الجائحة"، حمدي عبد الرحمن، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 9 مارس 2023، https://futureuae.com/
[12] “BU: China’s Overseas Development Finance,” Boston University- Global Development Policy Center, accessed January 22, 2026. https://www.bu.edu/gdp
[13] “China’s Strategic Shift to ‘small and Beautiful’ Projects,” Atlas Institute for International Affairs, October 13, 2025, https://2u.pw/KyKCIO