دراسات

يوم الأرض في السينما العربيّة والفلسطينيّة: كسر حاجز الخوف المظلوم سينمائياً

post-img

سماح بصول (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

على الرغم من أن الأرض هي صلب الصراع الفلسطيني-الصهيوني، فإن هناك تفاوتاً واضحاً في استحضار الأحداث المتعلقة بالأرض في السينما الفلسطينية والعربية، ويتجلى ذلك في حجم التعاطي مع أحداث "يوم الأرض (30 آذار/مارس 1976)". كذلك، إن يوم الأرض باعتباره حدثاً مفصلياً أطلق العنان لعمليات سيطرة واسعة على الأرض بذريعة الاستخدام العسكري لا تزال سارية المفعول حتى يومنا، لكن لم يلقَ الحدث اهتماماً كافياً، كما لقيت أحداث مصيرية أُخرى كالنكبة، والمجازر، واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، والانتفاضتين.

كان يوم الأرض يوماً تاريخياً وقع  في 30 آذار/مارس سنة 1976، حينها انتفض الفلسطينيون الذين أصبحوا مواطنين في إسرائيل ضد قرار مصادرة أراضيهم الواقعة في منطقة "المَلّ" التي أُطلق عليها اسم المنطقة رقم 9، وهي مساحة تقع ما بين البلدات الفلسطينية سخنين وعرّابة ودير حنّا التي باتت تُعرف بعد هذا الحدث باسم "مثلث يوم الأرض".

ثار الأهالي وخرجت الحشود في هبّة شعبية من سخنين، وعرّابة، ودير حنّا احتجاجاً على قرار الحكومة مصادرة الأراضي، واجتمعت القيادات وأعلنت الإضراب، لتخرج شرارة أبرز احتجاج شعبي كسر حاجز الخوف من السلطة وأذرعها الأمنية، وأبرزَ وعياً فطرياً تجاه الأرض والصمود. انتشرت انتفاضة الفلسطينيين من الجليل لكي يشمل مناطق أُخرى.

في هذا اليوم، دفع المُحتجون ثمناً باهظاً؛ إذ قتلت السلطات الإسرائيلية ستة أشخاص في أماكن متفرقة؛ وهم الشهداء: خير ياسين من عرابة، وخديجة شواهنة، ورجا أبو ريا، وخضر خلايلة من سخنين، ومُحسن طه من كفر كنا، ورأفت زهيري من مخيم نور شمس للاجئين.

في 30 آذار/مارس من كل عام، يحيي الفلسطينيون في الداخل الفلسطيني يوم الأرض بمسيرة ضخمة في منطقة المواجهة التاريخية، بمشاركة الآلاف، رافضين مخطط سلب الأرض الذي انطلق من أراضي الملّ، ووصلت براثنه عتبات كل البلدات الفلسطينية في الجليل، والمثلث، والساحل والنقب بسبب سياسات مصادرة الأراضي المتصاعدة حدتها.

نظم شاعر المقاومة محمود درويش قصيدةً أطلق عليها اسم "الأرض" وخص فيها بالذكر الشهيدة الفتيّة خديجة شواهنة:
"في شهر آذار، في سنة الانتفاضة،
قالت لنا الأرض
أسرارها الدمويّة، في شهر آذار مرّت
أمام البنفسج والبندقيّة خمس بنات.
وقفن على باب
مدرسة ابتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ
{...}

أنا الأرض والأرض أنت
خديجة! لا تغلقي الباب
لا تدخلي في الغياب."[1]   

حدثٌ مهول وعدسات قليلة

خلّدت بعض الأفلام السينمائية العربية والفلسطينية حدث "يوم الأرض"، فقد أنتج التلفزيون العربي السوري سنة 1977؛ أي بعد عام فقط من الحدث؛ الفيلم التسجيلي "اليوم الطويل" (27 دقيقة) سيناريو وإخراج أمين البني، لخّصه المخرج والكاتب العراقي قيس الزبيدي بأنه فيلم يدرُس خلفيّة حدث يوم الأرض من وجهة نظر القانون الدولي، ويُظهر انتهاكات بنود اتفاقية جنيف الرابعة من جانب إسرائيل.[2]  

وفي سنة 1978، أنتجت مؤسسة "صامد" في بيروت فيلمها التسجيلي "يوم الأرض"[3]  (38 دقيقة) سيناريو وإخراج غالب شعث. حاز الفيلم على جائزة "الحمامة الذهبية" من مهرجان "لايبزغ" السينمائي الدولي في السنة ذاتها؛[4]  إذ صُوّر الفيلم خلال إحياء الذكرى الأولى ليوم الأرض، بحيث يبدأ بمشاهد للأرض الفلسطينية الرحبة، بجبالها وزيتونها، ثم يدخل الحيّز المدني ليُسمعنا مجموعة من الأطفال الفلسطينيين يغنون بالعبرية والعربية:

"للسلام للسلام

هيا نمضي للسلام

في سبيل للتآخي

في سبيل للوئام."

وكي نفهم معنى السلام الذي يودون حشو رؤوس الأطفال به، يقدّم الفيلم مشهداً ساخراً لجنود إسرائيليين على خلفية أغنية "للسلام" تتبعها لاحقاً مشاهد أُخرى لسيارات عسكرية تعتدي على الناس وتطلق الرصاص نحوهم، ثم يواجه الفيلم بين القيادات الصهيونية شمعون بيرس، ومناحيم بيجن، وأريئيل شارون، وشهادات مجموعة من رؤساء المجالس المحلية والبلديات الفلسطينيين المُنتخبين والذين كانوا شهوداً على الحدث، ومشاركين في جلسة مهمة جمعت القيادات الفلسطينية في الداخل المحتل لمناقشة سبل مواجهة التوغل الاحتلالي واتساع الرقعة التي ينهشها انطلاقاً من "الكتاب الأسود"،[5]  الذي أصدرته لجنة الدفاع عن الأراضي سنة 1976، والذي لخّص وحذّر من قرارات المصادرة. كان الشاعر الراحل توفيق زياد أحد أبرز تلك القيادات، ففي سنة 1976، كان يشغل عضوية الكنيست ورئاسة بلدية الناصرة. ما يقوله زياد في أحد مشاهد الفيلم هو استنتاج واعٍ جداً لما حدث وما سيحدث لاحقاً: "ما حدث في يوم الأرض 76 لم يكن اصطدامات، إنما كان عدواناً صريحاً وسافراً من جانب الشرطة وحرس الحدود والجيش على السكان العرب. وهذا الأمر كان جريمة مدبّرة، لم يحدث نتيجة استفزازات أيّ طرف من الأطراف الشعبية، إنما كان جريمة مدبّرة ومخطّطة سلفاً، وقد أعلنت الأوساط الحاكمة قبل يوم الأرض، بعدّة أيام، أنه في ذلك اليوم سيُلَقّن السكان العرب في إسرائيل درساً. والكثيرون ممن كانوا ضحية شبّهوا ذلك العدوان بعملية إنزال وعملية احتلال مجددة بعد الاحتلال الذي كان سنة 1948. كان الإضراب وكل أحداث يوم الأرض بإجماع شامل، وهذا كان نتيجةً لسياسة الاضطهاد القومي، وأقسى صورها تعبيراً كان المصادرات المستمرة للأرض العربية."

يقف جمال طربيه، رئيس مجلس محلي سخنين بين أشجار الزيتون ويتحدث عن تأثير مصادرة الأراضي في الحياة اليومية للسكان، وكيف صار دخول الأرض مشروطاً بتصريح ثم تم منع الناس من دخول أراضيها وإعلانها منطقة عسكرية، لكن الناس كانت تعرف أن الهدف هو بناء مستوطنات لليهود، وهو ما دفع إلى الاجتماع وإعلان الإضراب في 30 آذار/مارس. كان حينها محمود نعامنة، رئيس مجلس محليّ عرابة، وظهر في الفيلم متحدثاً عن استخدام المناطق المَنْوي مصادرتها لأغراض عسكرية، وكيف قُتل ابنه طفلاً نتيجة مُخلفات الجيش في الأرض الزراعية. 

من 48 إلى 76.. مخطّط مستمر

تحرص السينما في الأغلب على تناول الأحداث التاريخية الكبرى وتجسيدها بلغة بصرية تسهّل فهمها واستذكارها، لكن يوم الأرض تحديداً لم يحظَ بالاهتمام الذي يستحق في السينما التي أنتجها الفلسطينيون في الأرض المحتلة سنة 1948، في مقابل وفرة التقارير التلفزيونية التي تُبث سنوياً في نهاية شهر آذار/مارس بالتزامن مع الحدث. يبرز فيلم أنتجه المجلس المحلي في عرّابة ومركز محمود درويش الثقافي، وأخرجه الممثل نضال بدارنة سنة 2013 كونه الفيلم الوحيد المُنتَج في الداخل المحتل الذي خرج للقاء عائلات الشهداء واستعاد تفاصيل الأحداث والشخوص، وعززها بشهادات الجرحى والمعتقلين.[6]   فعرفنا عبره حكاية كل واحد من الشهداء، وتعرفنا على تفاصيل صغيرة كانت الأخيرة في حياتهم قبل الارتقاء، وشعرنا بأن ألم الفقد لا يبهت بمرور السنوات.

في فيلم "30 آذار"[7]  (52 دقيقة) الوثائقي المُصاغ بلغة سينمائية بسيطة، ينطلق المخرج للقاء مؤثر وإنساني ورقيق مع بعض أفراد عائلات الشهداء، ومع جرحى أصيبوا خلال مشاركتهم في الاحتجاج، وآخرين واعتقلوا وخرجوا من السجون بذاكرة مثقلة بتنكيل لا يزال يُمارس حتى اليوم. في بيوت عائلات الشهداء، يلتقي بالآباء والأمهات، الإخوة والأخوات، يستعيد معهم اللحظة الأخيرة قبل أن تصعد الروح إلى السماء، ويستمع للعائلات وهي ترثي أبناءها، ويتعرف مع المشاهدين إلى الشهداء: مَن كانوا؟ وكم بلغت أعمارهم؟ وماذا أحبوا؟ وكيف أمضوا اللحظات الأخيرة من حياتهم؟ يلتقي بأشخاص كانوا هناك للدفاع عن أرضهم، أُصيبوا أو شاهدوا مَن حولهم يسقطون جرحى؛ يتحدثون عن الغضب الذي دفعهم إلى الانتفاض، وعن الظلم الذي شعروا به حين تلقت عائلات كثيرة إخطارات بأن أراضيها الزراعية، مصدر دخلها ومعيشتها الوحيد وأملاكها الأثمن رمزياً ومادياً، تحولت إلى منطقة عسكرية. على الرغم من البساطة السينمائية، فإن الفيلم ينجح في سرد القصة بالكامل، من دون تحليل أكاديمي أو تفسير بحثي. يترك الناس تتحدث بلغة يومية عاطفية تستفز الألم وتنبش تفاصيل مُغيّبة.

لعل ما يؤلم في فيلم "30 آذار" مشهد يَشي بجيلٍ جديد لا يعرف قصة يوم الأرض، لكن عند النظر إلى صور المَسيرات التي تتم على مدار السنوات الـ49 من الحدث، يمكن أن نعزي أنفسنا بأن الفتية الظاهرين في مشهد قصير ويجهلون الحدث هم أقلية صغيرة. ففي مسيرة يوم الأرض، تشهد البلد حدثاً تربوياً مهماً تشارك فيه عائلات بأكملها، وآلاف الأطفال والشباب.

وعلى عكس هؤلاء الفتية في فيلم بدارنة، يأتينا فيلم "جنغا 48"[8]  المُنتَج سنة 2008 للمخرجة علا طبري (77 دقيقة) بجانب مُشرق متمثّل بمعرفة ووعي الفتاتين الصغيرتين عدن وورد تجاه ما جرى في يوم الأرض، وعبرهما يسلّط الفيلم الضوء على سياسات التعليم ودورها في تشويه الذاكرة والهوية والانتماء، ويستبدل المعرفة الموروثة بجهل بالرواية الوطنية الجامعة.[9]  

يحاول وثائقي "جنغا 48" التقصي والتساؤل حول هوية الفلسطينيين في الداخل المحتل انطلاقاً من يوم الأرض، وخصوصاً أن أحد المشاركين في الفيلم يصرّح بمقولة مهمة: "يمكن ليوم الأرض أن يرجع بأشكال مختلفة"، إنه مشهد نستعيد فيه أقوال توفيق زياد بشأن السياسات وجرائم الاحتلال المخطط لها مسبقاً. يستخدم الفيلم مواداً أرشيفية من إحدى مسيرات الاحتجاج، ويتعمق في رفض طالبة صغيرة السن لإجازة وزارة التعليم الإسرائيلية تدريس حدث يوم الأرض. 

اليوم المُؤسّس

إن الاهتمام المرجو بحدث يوم الأرض ليس مجرد تسليط ضوء على تاريخ آخر في رزنامة النضال، بل هو أيضاً شهادة مهمة تدل على تمسّك الفلسطينيين الذين أصبحوا عنوة مواطنين في دولة احتلت أرضهم. إن كل فيلم ينتج عن الثلاثين من آذار/مارس، ويستعيد ويؤرشف مدى الوعي السياسي ويؤكده، ذلك الوعي الذي اتسّم به فلسطينيو الداخل على الرغم من محاولة التطهير العرقي في سنة 1948، وتماسكهم ووحدة صفهم في مقابل كل ما تحاول أذرع الاحتلال فعله لتلغي عنهم هويتهم. إن المشهد الذي يقدّم فتى لا يعرف قصة يوم الأرض يرد عليه مشهد آخر في فيلم آخر ويدحضه، ويدق ناقوس خطر لدى المشاهد المُكترث ليأخذ دوره ويؤدي مسؤوليته تجاه نشر المعرفة، إنها ليست مجرد مشاهد في أفلام، بل هي أيضاً نداء محفّز للفعل.

منذ ظهور شبكات التواصل الاجتماعي، صارت هوية فلسطينيي الداخل وانتماؤهم محل نقاش، فتأتي السينما بقوتها المؤثرة وبأفلام يوم الأرض لكي تحكي حقيقة عمرها اليوم 50 عاماً. كل شخص، عجوزاً كان أم يافعاً، ظهر في فيلم يحكي قصة الثلاثين من آذار/مارس أصبح جزءاً من شهادة، ومن قصة واحدة ووحيدة ستبقى أبداً حول الهوية والبقاء، كما أن هذه الأفلام تصبح مصدراً معرفياً لمن يجهل حدثاً مهماً كهذا. فما شهده الداخل الفلسطيني في هبة القدس والأقصى 2000، والاحتجاجات ضد مخطط برافر 2013، وهبة الكرامة 2021؛ كله كسر مستمر لحاجز الخوف الذي ولد بعد النكبة، وشهد أحد أسمى أشكاله في آذار/مارس 1976، لقد أسس "يوم الأرض" إلى أيام نضالية كثيرة أُخرى أتت بعده. وإن الرغبة في إيفاء "يوم الأرض" حقه سينمائياً يعود إلى كونه أكبر صدام شعبي مع المحتل الذي اعتقد بعد 28 عاماً من الاحتلال بأنه نجح في تدجين الفلسطيني الباقي في دولة اليهود.

المصادر

[1] محمد درويش، "قصيدة الأرض"، الديوان.

[2] قيس الزبيدي، "فلسطين في السينما" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2006)، ص 39.

[3]  "يوم الأرض الخالد الرواية الكاملة"، "يوتيوب" 29/3/2011.

[4] قيس الزبيدي، "فلسطين السينما"، مصدر سبق ذكره، ص 121.

[5]"مقتطفات من "الكتاب الأسود" حول يوم الأرض" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1976). 

[6] قيس الزبيدي، "فلسطين في السينما 2"، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2019)، ص 173.

[7] "فيلم 30 آذار إخراج نضال بدارنة"، "يوتيوب"، 30/3/2019.

[8] Jinga48, Vimeo, 19/12/2012:  جنغا ٤٨ "A documentary Film By Ula Tabar"

[9] قيس الزبيدي، "فلسطين في السينما 2"، مصدر سبق ذكره، ص 118.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.