دراسات

أوروبا. “إلنيت” في خدمة شركات الحرب الإسرائيلية

post-img

ماتيو ريغوست - سارة بينيشو - سيمون موفيو (orientxxi أوريان 21)

في ظل موجة إعادة التسلّح الشاملة التي تشهدها أوروبا وفرنسا، تفرض الصناعات العسكرية الإسرائيلية نفسها كشريكٍ مفضَّل، بفضل وسيطٍ أساسي: منظمة “إلنيت”Elnet. تشكّل المنظمة جماعة ضغطٍ تحشد شبكتها من المسؤولين المنتخَبين وصنّاع القرار من أجل التقريب بين الدول الأوروبية وروّاد الصناعة الإسرائيلية، بل وتستخدم حرب الإبادة التي تُشنّ على غزة كحجّة تسويقية.

“توجّهت لجنة الدفاع في البوندستاغ [إلى إسرائيل عام 2022]، حيث عُرض عليها نظام”آرو 3“، وأعربت ألمانيا عن اهتمامها باقتنائه”، هكذا صرّح بفخر المدير التنفيذي لـ“إلنيت” في إسرائيل في النشرة الإخبارية لمنظمته في أغسطس/آب 2023. حيث أشاد إيمانويل نافون بالدور الحاسم الذي لعبته “إلنيت” في إبرام “أكبر صفقة دفاعية في تاريخ إسرائيل”، واصفًا إيّاها بـ“نقطة تحول في العلاقات بين أوروبا وإسرائيل”.

وبعد ذلك ببضعة أسابيع، أعلنت ألمانيا رسميًا توقيع عقد مع شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية (IAI) للحصول على نظام الدفاع الصاروخي الذي طُوّر على غرار نظام “القبة الحديدية” الإسرائيلي، مقابل 3.5 مليار دولار (ما يعادل 3 مليارات يورو). وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أعرب الرئيس التنفيذي لشركة صناعات الفضاء الإسرائيلية بواز ليفي عن سعادته لتمكنه من إثبات كفاءة نظامه الدفاعي للألمان من خلال حرب الإبادة على غزة. حيث صرّح في 4 ديسمبر/كانون الأول 2025 للموقع الإعلامي الإسرائيلي “سي تك” قائلاً: “تم توقيع العقد قبل نحو أسبوع من 7 أكتوبر/تشرين الأول [2023]. حينذاك، كانوا على علمٍ بالفعل بأنهم يختارون أفضل نظامٍ في العالم، واليوم، أصبحوا متيقّنين بعد أن أثبت كفاءته في ساحة القتال في إسرائيل”. وفقًا لوكالة الأنباء الاقتصادية “بلومبرغ”، فإن ألمانيا تتطلع بلهفة للحصول على نظام الدفاع القادم “آرو 4”، الذي لا يزال قيد التطوير في إسرائيل.

تأسست منظمة “إيلنت” غير الحكومية في بروكسل عام 2007، وهي بمثابة شبكة نفوذ تدعم المصالح الإسرائيلية عُرِفَت بحنكتها السياسية وقدرتها على التوغّل في البرلمانات الأوروبية، بل وحتى في بعض الأجهزة التنفيذية في فرنسا أو ألمانيا. تتواجد المنظمة أيضًا في إيطاليا والمملكة المتحدة وبولندا، ولديها علاقات وطيدة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل، وهي تشجّع الدعم غير المشروط لسياسات الاستيطان والتطهير العرقي التي تنتهجها الدولة الصهيونية في فلسطين.

وبينما يتزايد نشاطها بشكلٍ ملحوظ في كسب التأييد السياسي لاسيّما لدى النواب وأعضاء مجلس الشيوخ، فإن “إيلنت” تعمل أيضًا على الترويج للصناعات العسكرية والأمنية الإسرائيلية.

من العروض الأمنية حول غزة إلى المصافحات في أروقة برلمانات أوروبا، لا ترتكز استراتيجية التأثير التي تنتهجها إيلنت على تلاعباتٍ غامضة لقوةٍ تعمل في الخفاء، بل تعبّر عن رؤية مشتركة ومتوافَق عليها للاقتصاد السياسي الغربي.

وعلى الرغم من التواصل معها، لم تردّ أي من الأذرع الفرنسية والألمانية والأوروبية والإسرائيلية لإيلنت على أسئلة موقع “أوريان 21”.

في فرنسا، نفوذٌ ممتدٌّ لسنوات

تتذكر مسؤولة سابقة في منظمة “إلنيت فرنسا” – طلبت عدم الكشف عن هويتها – أنه فور تعيينها في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، سرعان ما وُكّلت إليها مهمة “الحوار الاستراتيجي”. وهي مهمة غير رسمية لكنها في صميم عمل “إلنيت”، تتمثل في تنظيم لقاءات بين صنّاع القرار السياسي والعسكري من الجانبين الفرنسي والإسرائيلي. ومنذ ذلك الحين، تكثّف المنظمة غير الحكومية اتصالاتها مع كبار القادة العسكريين الفرنسيين.

شارك الجنرال الفرنسي كريستوف غومار، الرئيس السابق للمخابرات الحربية (2013-2017) والنائب الحالي عن حزب الجمهوريين في البرلمان الأوروبي، في رحلةٍ إلى إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2024 نظمتها “إلنيت”. وكان يرافقه في تلك الرحلة مانويل فالس، وزير ما وراء البحار آنذاك، وبنجامين حداد، الوزير المنتدب للشؤون الأوروبية. وعقب عودته، التقى الجنرال في إطار نشاطه البرلماني بشركة “إم بي دي إيه”MBDA الأوروبية متعددة الجنسيات المصنّعة للصواريخ. وكانت هذه الشركة، التي تملك مجموعة “إيرباص” 37.5% من أسهمها، قد أعلنت في عام 2023 عن إبرام اتفاقية مع شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية لتزويد ألمانيا بصواريخ “آرو 3” الاعتراضية. وبحسب تحقيق مشترك أجرته صحيفة “الغارديان” ومنصتا “ديسكلوز” و“فولو ذا ماني” نُشر في 17 يوليو/تموز 2025، فإن الصواريخ التي أسقطتها إسرائيل في عامي 2023 و2024 على مدارس ومخيمات للاجئين في غزة كانت مزوّدة بزعانف توجيه من إنتاج شركة “إم بي دي إيه”. جدير بالذكر أن كريستوف غومار عضو في الوفد المختص بالعلاقات مع إسرائيل في البرلمان الأوروبي، ويشغل في الوقت نفسه منصب نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان. وقد تواصل موقع “أوريان 21” معه، لكنه لم يجِب على أسئلتنا.

وتتيح الرحلات التي تنظمها “إلنيت” إلى إسرائيل إبراز التقنيات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، التي “أثبتت كفاءتها في القتال” بعد اختبارها على الفلسطينيين، كما تعمل على تعزيز الروابط مع وزراء “تمت توعيتهم” بمصالح إسرائيل. ومن بين الشخصيات السياسية التي شاركت في هذه الرحلات خلال السنوات الثلاثة الماضية: أورور بيرجيه، الوزيرة المنتدبة للمساواة بين الجنسين ومكافحة التمييز، وآني جينيفار، وزيرة الزراعة، وفرانسواز غاتيل، الوزيرة المنتدبة لشؤون الريف، ويائيل برون بيفيه، رئيسة الجمعية الوطنية، وكارولين يادان، سكرتيرة مجموعة الصداقة الفرنسية الإسرائيلية والنائبة عن الدائرة الثامنة للفرنسيين المقيمين في الخارج، بالإضافة إلى العديد من النواب المنتمين لتيار ماكرون أو حزب الجمهوريين.

“وفود الدفاع” التابعة لـ“إيلنت”

لتعزيز المصالح الإسرائيلية، لا تكتفي منظمة “إيلنت” بدعوة الشخصيات السياسية إلى إسرائيل فحسب، بل تنظم وفودًا خاصة لـ“الخبراء العسكريين”، ولاسيما الجنرالات والعقداء السابقين في الجيوش الأوروبية، بالإضافة إلى أعضاء في وزارات الدفاع بدول الاتحاد الأوروبي. وفي مقطع فيديو ترويجي للمنظمة نُشر في 30 مارس/آذار 2025، أوضح نائب مديرها التنفيذي، يوسي أفرافانيل، أن إرسال خبراء عسكريين إلى إسرائيل يمثل “طريقة جديدة للدفاع عن إسرائيل [و] للتأثير على هؤلاء الأشخاص في أوروبا”. واختتم حديثه قائلاً: “لقد أثبتت تلك الطريقة فعاليتها وسنواصل اتّباعها”، تعليقًا منه على تأثير أول وفد عسكري أرسلته “إيلنت” إلى إسرائيل عام 2024.

وقد ضم أحد “وفود الدفاع” التي أرسِلَت إلى إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2024 مسؤولين رفيعي المستوى في قطاع الدفاع، ومخططين استراتيجيين عسكريين، وصحفيين و“مستشارين” من المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا وكندا وأستراليا ورومانيا. وكان من بين المشاركين الجنرال برنار دي كوريج ديستو، رئيس المكتب العسكري لرئاسة الوزراء الفرنسية بين عامي 2010 و2014 (في عهد فرانسوا فيون وجان مارك أيرولت ثم مانويل فالس). كما شارك في الزيارة كوادر عليا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مثل الجنرال السير جون تشالمرز مكول، والعقيد ريتشارد كيمب القائد السابق للقوات البريطانية في أفغانستان.

وبعد دعوتهم لزيارة قاعدة “ناحال عوز” العسكرية، ومعبر “كرم أبو سالم” الحدودي – في مدخل غزة – التقى المشاركون بممثلين عن الجيش الإسرائيلي، كما التقوا في وقتٍ لاحق ببنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت، ومدير الشؤون السياسية العسكرية درور شالوم، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع يولي أدلشتاين1.

الانطلاق في رحلةٍ “استراتيجية” إلى إسرائيل

في تلك الزيارات، يحضر المشاركون سلسلة من العروض العملياتية الميدانية والعروض التوضيحية التكنولوجية. وقد ضمّت زيارة وفد “الخبراء العسكريين المشتركين”، التي نُظّمت في الفترة من 23 إلى 27 فبراير/شباط 2025، سبعة وعشرين فردًا من كبار المسؤولين في قطاع الدفاع – مخططون استراتيجيون وجنرالات سابقون وخبراء أمنيون ومستشارون – من فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وجمهورية التشيك وليتوانيا وإستونيا والولايات المتحدة الأمريكية.

ويشير تقرير منظمة “إلنيت” إلى أن الوفد تلقّى “إرشادات السلامة” من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي قبل زيارة نقطة مراقبة مطلّة على غزة، حيث “قدمت لهم قوات الجيش الإسرائيلي المتمركزة في المنطقة عرضًا أمنيًا جديدًا”، أعقبته زيارة لمعبر بيت حانون. كما زار أعضاء الوفد قاعدة “حتسريم” الجوية، حيث كان في استقبالهم قائدها الجنرال عميحاي ليفين، قبل حضور “عرض لأحد أكثر الطائرات المقاتلة تطوّرًا في سلاح الجو الإسرائيلي”، على حد تعبير “إلنيت”. والهدف؟ تقديم “فهم أفضل” للإدارة العسكرية الإسرائيلية لما تصفه المنظمة – متبنيةً خطاب الحكومة الإسرائيلية – بـ“التهديدات الإيرانية على عدة جبهات”.

تمكّن أعضاء الوفد من التعرّف على أساليب التسلّل التي تتّبعها وحدة النخبة، لا سيّما استخدام مركبات خاصة وعربات باغي مموّهة، وتقنيات القنص الدقيق في المناطق الحضرية، واستخدام الطائرات المسيّرة.

وقد كثّف وفد “الخبراء العسكريين المشتركين” لقاءاته مع كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين الإسرائيليين، مثل رئيس القسم الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي الجنرال إليعازر توليدانو، والجنرال إلعاد غورين المسؤول عن “الجهود الإنسانية والمدنية” في وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (كوغات)، وهي الهيئة العسكرية الإسرائيلية المعنية بإدارة الشؤون المدنية في غزة والأراضي المحتلة الأخرى. كما حضر أعضاء الوفد “جلسات إحاطة” مع قائد المكتب السياسي العسكري في وزارة الدفاع الجنرال درور شالوم، والمسؤول العسكري المكلّف بـ“البحث والتطوير في مجال الدفاع” الجنرال دانيال غولد.

وشملت الزيارة جانبًا آخر يتعلق بالأمن الداخلي. فخلال زيارة لقاعدة تابعة لشرطة الحدود الإسرائيلية، كان في استقبال الوفد المتحدث باسم الشرطة الوطنية الإسرائيلية ميكي روزنفيلد، وقائد “ياماس”، وحدة القوات الخاصة التابعة لشرطة الحدود. وهنا أيضًا تؤكد “إلنيت” على الهدف الترويجي لتلك الزيارة: “استطاع أعضاء الوفد التعرّف أساليب التسلل التي تتبّعها وحدة النخبة، لاسيما استخدام المركبات الخاصة وعربات الباغي المموهة، وتقنيات القنص الدقيق في المناطق الحضرية، واستخدام الطائرات المسيرة”.

عقب عودته، نشر الجنرال رولاند جيل مقالاً يشيد فيه بالجيش الإسرائيلي. أما المراقب العام للقوات المسلحة الفرنسية دانيال هيرفويت، فهو دائمًا ما يعرب عن إعجابه بنتنياهو وبتحرّكات منظمة “إلنيت”.

وهكذا، يتم استعراض كافة “تقنيات الدفاع الإسرائيلية المتقدمة”، بما تشمله من خبراء ومعدّات وأساليب، أمام المشاركين الذين يستكملون انغماسهم في هذا العرض العسكري والأمني على أرض الواقع بزيارةٍ للسفن الحربية، متيحًا “رؤية مباشرة للوسائل المتطورة المستخدمة لتأمين البلاد”، على حد تعبير “إلنيت”.

عقب عودته، نشر الجنرال رولاند جيل، مدير الدرك الفرنسي السايق وسفير فرنسا السابق في سراييفو، مقالاً يمدح فيه الجيش الإسرائيلي في صحيفة “لوتارن ليبر”. كما يعرب المراقب العام للقوات المسلحة الفرنسية دانيال هيرفويت، والذي كان أيضًا من بين المشاركين في الوفد، باستمرار عن إعجابه بنتنياهو وبتحرّكات منظمة “إلنيت” عبر منصة “لينكد إن”. وفي يوليو/تموز 2025، أبدى سعادته بأن “صناعة الدفاع الإسرائيلية اكتسبت سوقًا ضخمة في أوروبا” بعد بيع أنظمة مضادة للطائرات من إنتاج شركة “رافائيل”2 لرومانيا، وهي نفس الشركة المطوّرة لمنظومة “القبة الحديدية” الإسرائيلية. ولم يحصل موقع “أوريان 21” على إجابات من رولاند جيل أو دانيال هيرفويت.

“منتدى” على الحدود بين السياسي والاقتصادي والعسكري

للفوز بصفقاتٍ تجارية في أوروبا (أنظر النص المظلّل في الأسفل)، تستطيع الشركات والمؤسسات الإسرائيلية التعويل على شبكة علاقاتٍ واسعة نسجتها “إلنيت” من موقعها في بروكسل على مدار سنوات، من خلال المنتديات. حيث نظّمت اثنتي عشرة دورة من “منتدى الحوار الاستراتيجي” (FDS)، القائم على تنظيم اجتماعات دورية تضم “خبراء” ومستشارين سياسيين وكبار قادة عسكريين في الخدمة أو متقاعدين، وباحثين ودبلوماسيين وصحفيين ومسؤولين منتخبين.

تجمع هذه المنتديات – أكثرها شهرة ونجاحًا “مؤتمر إلنيت الدولي للسياسات” (EIPC) الذي عُقدت منه خمس دورات في باريس بين عامي 2018 و2025 – مئات المشاركين، من بينهم صانعو قرار وصحفيون وعسكريون وخبراء في شؤون الدفاع والأمن في أوروبا وإسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية.

وفي أعقاب توقيع اتفاقيات أبراهامعام 2020، أنشأت إلنيت“منتدى أوروبا والشرق الأوسط”، والذي تدعي إليه ممثلين عن الإمارات العربية المتحدة والسودان والمغرب، وهي الدول الموقعة على تلك الاتفاقيات التي تعزز التعاون والتطبيع مع إسرائيل.

في منظمة “إلنيت”، تكاد الحدود الفاصلة بين المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية تتلاشى، كما هو الحال في إسرائيل. حيت ترأس “منتدى الحوار الاستراتيجي” الجنرال الإسرائيلي المتقاعد عاموس يادلين حتى يناير/كانون الثاني 2025، قبل أن تنتقل رئاسته إلى زوهار بالتي، المدير السابق للمكتب السياسي العسكري في وزارة الدفاع الإسرائيلية وقسم مكافحة الإرهاب في جهاز الموساد.

أما المدير التنفيذي الجديد لـ“إلنيت أوروبا” روبرت أوندريجساك، الذي عُيّن في مارس/آذار 2025، فهو الآخر خبير في الشؤون العسكرية والأمنية. إذ شغل منصب سفير سلوفاكيا في المملكة المتحدة بين عامي 2020 و2025، وشغل قبل ذلك مرتين منصب وزير الدولة لشؤون الدفاع السلوفاكية بين عامي 2010 و2020. كما أدار عدة مؤسسات متخصصة في الأمن والدفاع، مثل مركز الشؤون الأوروبية وشمال الأطلسي (Cenaa) البحثي السلوفاكي، ومعهد “ستراتبول” للسياسات الاستراتيجية الذي أسسه عام 2016، والذي قاد مشاريع إصلاح سياسي في المجال الأمني، خاصةً في أوكرانيا وجورجيا.

التغلغل الإسرائيلي في حرب أوكرانيا وسباق التسلّح في أوروبا

بعد مرور أكثر من عام على الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا، أطلقت منظمة “إلنيت” مؤتمرها الدولي الثالث للسياسات (EIPC) في باريس في الفترة من 8 إلى 10 مايو/أيار 2023، بعنوان: “التطبيع في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا”. كان من بين المشاركين مسؤولون رفيعو المستوى في الشؤون العسكرية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ورؤساء سابقون لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان”. وقد أدار الجنرال الإسرائيلي السابق عاموس يادلين، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس منتدى الحوار الاستراتيجي، ندوة حول الحرب في أوكرانيا وطاولة مستديرة بعنوان: “تحديات الأمن الأوروبي الجديدة: إسرائيل كشريك رئيسي”. وفي تقريرها المنشور عقب المؤتمر، أشادت “إلنيت” بشكلٍ خاص باتخاذ الدول الأوروبية “خطوات كبيرة لزيادة ميزانياتها والاستثمار في تحديث أنظمتها”، موضّحةً أن “إسرائيل، بتقنياتها المتطورة، تعد شريكًا مفضّلاً للتعاون الذي يلبّي الاحتياجات الاستراتيجية الأوروبية”.

ولإبراز سعة نفوذها لدى كبار صانعي القرار، استشهدت المنظمة بديفيد م. كاتلر، الأمين العام المساعد لحلف الناتو لشؤون الاستخبارات والأمن، الذي أشاد بمزايا التعاون المثمر في مجال الدفاع قائلاً إنه “مجال رئيسي تحتل فيه إسرائيل الصدارة ويمكنها من خلاله تقديم مساهمة كبيرة للدول الأخرى”.

وفي عام 2023، نظمت “إلنيت” أول اجتماع لمنتدى الحوار الاستراتيجي بين رومانيا وإسرائيل، افتتحه السفير الإسرائيلي في رومانيا. أتاح هذا الاجتماع لوفدٍ من “إلنيت” لقاء مسؤولين رفيعي المستوى في وزارتي الخارجية والدفاع الرومانيتين، بالإضافة إلى نوّابٍ برلمانيين رومانيين دعاهم بافيل بوبيسكو، والذي كان قد شارك قبل عام في زيارة إلى إسرائيل مع “إلنيت” حين كان يرأس لجنة الدفاع والنظام العام والأمن الوطني في البرلمان الروماني. وبحسب تقرير “إلنيت” تعقيبًا على المنتدى، فإن اللقاء الذي وُصف بأنه “مهم للغاية” تناول “فرص الشراكة بين رومانيا وإسرائيل في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والسياحة”. وبعد عامين، اشترت رومانيا صواريخ مضادة للطائرات من شركة “رافائيل” بأكثر من ملياري يورو.

ألمانيا وفرنسا، لاعبان رئيسيان في التقارب الإسرائيلي مع أوروبا

في ألمانيا، يسود نفس التداخل بين المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية. حيث يضم “المجلس الاستشاري” لذراع “إلنيت” الألماني نائبات ووزيرات اتحاديات سابقات، مثل الوزيرة الاتحادية السابقة للتعليم والأسرة وكبار السن والنساء والشباب كارين برين من الاتحاد الديمقراطي المسيحي (يمين مسيحي)، والرئيسة السابقة للمجموعة البرلمانية لحزب الخضر في البوندستاغ كيرستين مولر، ووزيرة العدل والشؤون الاقتصادية السابقة بريجيت زيبريز من الحزب الاشتراكي الديمقراطي. كما عيّنت المنظمة الجنرال فولف-يورغن ستال، رئيس الأكاديمية الفيدرالية لسياسات الأمن الألمانية. وتعمل “إلنيت” مباشرةً مع هذه الأكاديمية عبر “المنتدى الاستراتيجي الألماني الإسرائيلي”.

وفي 10 يوليو/تموز 2025، أعلنت “إلنيت” رسميًا عن شراكة جديدة مع ألمانيا تحت مسمّى “مبادرة الأمن والدفاع”. يحظى هذا البرنامج بدعم شركاتٍ إسرائيلية مثل الشركة العملاقة في مجال الصناعة العسكرية “إلبيت سيستمز” Elbit Systems وشركة صناعات الفضاء الإسرائيلية، بالإضافة إلى المصنع الألماني للألغام وقاذفات الصواريخ “ديناميت نوبل ديفينس” Dynamite Nobel Defence، وشركة الطيران “لوفتهانزا تكنيك”. عمليًّا، تتيح هذه الشبكة لجيشَي وشركات البلدين تبادل الخبرات والمواءمة بين “ديناميكية الابتكار في إسرائيل” و“الأداء الصناعي في ألمانيا”.

قائد سلاح الطيران الإسرائيلي السابق أميكام نوركين يروّج لأهمية إقامة “المركز التكنولوجي الألماني الإسرائيلي للدفاع”

في فبراير/شباط 2025، باعت شركة “إلبيت سيستمز” تقنية “الإطلاق الدقيق والشامل (PULS)” مقابل 55 مليون يورو لمجموعة الدفاع الصناعية الأوروبية (KNDS) وشركة “ديل ديفينس” Diehl Defence الألمانية. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، وقّعت شركة “رافائيل” الإسرائيلية عقدًا بقيمة 2.3 مليار دولار (ما يعادل 1.9 مليار يورو) مع ألمانيا لتزويدها بصواريخ “سبايك” المضادة للدبابات.

وعقب تسليم نظام “آرو 3” الدفاعي لألمانيا، دعا المدير التنفيذي لـ “إلنيت ألمانيا” كارستن أوفينز إلى إنشاء مركز تكنولوجي ألماني إسرائيلي في مجال الدفاع، “يربط بين الجيش الألماني وهيئات الاستحواذ، وكذلك الشركات الناشئة والصناعات في كلا البلدين”. وواصلت “إلنيت” ضغطها وصولاً إلى أروقة البرلمان الألماني. ففي 5 ديسمبر/كانون الأول 2025، نظّمت إفطارًا في البوندستاغ، حاول خلاله القائد السابق لسلاح الجو الإسرائيلي عميكام نوركين إقناع النوّاب بضرورة إنشاء هذا المركز.

إن الوقت الذي قضاه الوفد الإسرائيلي المدعو إلى معرض “ميليبول” في أروقة مجلس الشيوخ ووزارة الخارجية الفرنسية (كي دورساي) ووزارة القوات المسلحة أطول من الذي قضاه في أجنحة معرض الأمن نفسه.

أما في فرنسا، يحظى منتدى الحوار الاستراتيجي بين فرنسا وإسرائيل بـ“شراكاتٍ” مع عدة أقسام في وزارة الدفاع، إلى الحد الذي سمح بعقد “حواراتٍ استراتيجية مصغّرة بين البلدين” حول “الوضع في سوريا” استمرّت حتى عام 2020 على الأقل.

وفي عام 2021، أشرفت “إلنيت فرنسا” على زيارة وفد إسرائيلي من الخبراء والعسكريين والوزراء السابقين والمستقبليين – بمن فيهم يواف غالانت، الصادرة بحقه حاليًا مذكّرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة – إلى معرض “ميليبول” في باريس “للأمن الداخلي والسلامة”.

وفي مقابلة مع المنصة الإعلامية الإسرائيلية الناطقة بالفرنسية “كاليتا” في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2021، قال المسؤول عن الوفد بنجامين تواتي: “هدفنا دائمًا السعي لخلق تقاربات بين إسرائيل والدول الأوروبية وإقامة شراكات في مجال الأمن”. ومع ذلك، فإن هذه “التقاربات” لا تتم داخل أروقة المعرض، فالوقت الذي قضاه الوفد الإسرائيلي في أروقة مجلس الشيوخ ووزارة الخارجية الفرنسية (كي دورساي) ووزارة القوات المسلحة أطول من الذي قضاه في معرض “ميليبول” نفسه (مساء يوم واحد من أصل ثلاثة أيام). وقد منح ذلك وقتًا كافيًا لأعضاء الوفد لتناول العشاء مع الجنرال كريستوف أباد، الحاكم العسكري لباريس، ولقاء العديد من الباحثين و“الخبراء” والمستشارين السياسيين، فضلاً عن وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وقد تواصل موقع “أوريان 21” مع جيرالد دارمانان وكريستوف أباد، لكن لم يجِب أي منهما على أسئلتنا.

“هالة من التعاطف” تخيّم على مدينة نيس

يمكن لـ“الحوارات الاستراتيجية” أن تنعقد أيضًا على المستوى المحلي. فبين عامي 2015 و2019، جمعت “إلنيت” سنويًا، في القدس وتل أبيب ونيس، خبراء وسياسيين وشركات فرنسية وإسرائيلية كبرى في قطاع الأمن السيبراني في “مؤتمرات” حملت اسم “مدينة ذكية وآمنة”، بدعمٍ مالي من إسرائيل وبفضل شراكاتٍ مبرمة مع مدينة نيس (في الجنوب الشرقي لفرنسا).

وفي عام 2017، كان أمير إليتشاي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “ريبورتي هوملاند سيكيوريتي” Reporty Homeland Security الإسرائيلية (التي تغير اسمها إلى “كاربين” في عام 2018) من بين المشاركين في المؤتمر الذي عُقِد في نيس يومي 22 و23 مارس/آذار 2017. وقد تضمن برنامج المؤتمر أربعة محاور: الإرهاب والأمن السيبراني والتطرف والثورة الرقمية. وبعد عام، اختبرت مدينة نيس واجهة تقنية من إنتاج هذه الشركة، تتيح للسكان التبليغ عن “التصرفات غير الحضارية” عبر هواتفهم الذكية. وفي العام التالي، خضع بعض سكان نيس للمراقبة عبر برنامج التعرف على الوجه التابع لشركة “إني فيجن” Any Vision، والذي يستخدمه الجيش الإسرائيلي منذ نهاية العقد الأول من القرن الحالي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وتندرج جميع هذه الشراكات ضمن «رؤية مشتركة لشن حربٍ ضارية على الإرهاب على المستوى الدولي»، وفقًا لتصريح كريستيان استروزي، رئيس بلدية نيس، عبر منصة “إكس” بعد لقائه بنيامين نتنياهو خلال رحلة إلى إسرائيل نظمتها “إيلنت” في ديسمبر/كانون الأول 2016. ولم يجِب مكتب استروزي كذلك على أسئلة موقع “أوريان 21”.

وبحسب النائب الفرنسي أوريليان سانتول (عن حزب فرنسا الأبية LFI)، تسعى “إيلنت” لإنتاج “هالة من التعاطف” لتعزيز المصالح الإسرائيلية، ويصف النائب عن نفس الحزب والعضو في لجنة الدفاع أرنو سان مارتان صنّاع القرار بأنهم “يخضعون بشدّة لتأثير جماعات الضغط” بل وأنهم «متعاونون جدًا معها». وفي أسواق كتلك، يمكن لمثل هذا التقارب أن يسهّل الحصول على معلومات حاسمة للفوز بعقود، كما أشار الصحفي جان ستارن في سلسلة تحقيقات نُشرت في “أوريان 21” حول نفوذ “إيلنت”.

ومن خلال تغذية التناغم بين الأساطير الإمبريالية حول “حوار الحضارات” و“الحرب على الإرهاب”، تنجح “إيلنت” في استعراض مهارتها في المزج بين القوة الناعمة والقوة الصلبة، أي كسب تأييدات أيديولوجية للقضية الإسرائيلية، عبر استحضار تهديدات دائمة ووجودية... يتم محاربتها بوسائل تكنولوجية عسكرية أمنية وأسلحة متطورة معروضة للبيع.

ازدهار مبيعات التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية في أوروبا

تصدّر إسرائيل الأسلحة والتقنيات العسكرية إلى العديد من الدول الأوروبية، لا سيما فرنسا وألمانيا وفنلندا وسلوفاكيا وهولندا والدنمارك ورومانيا واليونان وقبرص وإيطاليا وجمهورية التشيك وبولندا وإسبانيا وليتوانيا والمملكة المتحدة.

في فرنسا، يجمع برنامج “سكوربيون” (Scorpion)، الذي أُطلِق عام 2014 لتجديد مركبات القوات البرّية، بين مصنّعين فرنسيين وشركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية. وفي العام نفسه، حصلت الشركة الإسرائيلية أيضًا على عقدٍ لتوريد نظام مضاد للصواريخ بالأشعة تحت الحمراء مخصّص لطائرات “إيرباص”، بيع للجيش الألماني. ومنذ عام 2017، قامت الشركة كذلك بتزويد طائرات “رافال” التابعة لشركة “داسو” الفرنسية، والموجَّهة إلى قطر والهند، بنظام الرؤية “تارغو2” (Targo II). ومن جانبه، قام المُصنّع الإسرائيلي للروبوتات القتالية “روبوتيم” (Roboteam) بتوريد أربعة روبوتات من طراز “بروبوت” (Probot) لعملية “برخان” في مالي عام 2021.

وبالتزامن مع ذلك، تغذّي التكنولوجيا الإسرائيلية قطاع الأمن الداخلي. ففي فرنسا وحدها، اقتنت الشرطة والدرك، بالإضافة إلى ما يقرب من مائتي بلدية، تقنيّات مراقبة إسرائيلية ما بين عامي 2012 و2024.

كما تستفيد الصناعة الإسرائيلية من إسناد مهام مراقبة الحدود الأوروبية لجهات خارجية، إذ تستعين وكالة “فرونتكس” بمسيّرات طوّرتها شركتا “إلبيت” وشركة صناعات الفضاء الإسرائيلية في مهام المراقبة في البحر المتوسط. وتشارك هاتان الشركتان في العديد من مشاريع البحث الأوروبية، مثل مشروع “أوباروس” (Oparus) (بنية هندسية لدمج المسيّرات في مراقبة الحدود)، ومشروع “آي ديتكت فور أول” (Idetect4all) (الكشف عن “المتسللين” حول البنى التحتية الحيوية)، أو “ريسبوند درون” (ResponDrone) (منصة متعددة المسيّرات)، والتي أُضيف إليها مؤخرًا مشروع “أندر سيك” (UnderSec)المخصص لـ“تأمين البنى التحتية البحرية”، والذي تشارك فيه بشكل خاص شركة “رافائيل” ووزارة الدفاع الإسرائيلية.

وبين عامي 1996 و2021، استفادت إسرائيل من تمويلٍ قدره 2.5 مليار يورو من الصناديق الأوروبية لما يقرب من 5000 مشروع أوروبي مخصص للبحث والابتكار، وذلك لأن “دولة الاحتلال” تتمتع في هذا المجال، كما في مجالاتٍ أخرى، بصفة شبه عضوٍ في الاتحاد الأوروبي. حيث يمكن لشركاتها الاستفادة من برامج التمويل الأوروبية، مثل المشروع الضخم لـ “تأمين” خطوط أنابيب الغاز الأوروبية الذي تشارك فيه شركة “إلبيت سيستمز”. ومنذ عام 2021، هناك 231 مشروعًا من بين 921 مشروعًا ضمن برنامج “أفق أوروبا” (Horizon Europe) تنفّذها شركات إسرائيلية مثل “إلبيت” و“آي إيه آي” و“رافائيل”، إلى جانب جامعات ومعاهد بحثية ووزارات إسرائيلية، بما في ذلك وزارة الدفاع، ويموّلها الاتحاد الأوروبي بما يصل إلى أكثر من مليار يورو.

وبحسب تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في يونيو/حزيران 2025، “حطّمت إسرائيل رقمًا قياسيًا تاريخيًا في مجال الصادرات الدفاعية”. وبالفعل، فإن تسارع وتيرة الإبادة الجماعية منذ عامين قد عاد بفائدة كبيرة على الصناعات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، التي زادت صادراتها بنسبة 13%، وأصبحت القارة العجوز العميل الرئيسي لبائعي الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، لتحلّ بذلك محلّ دكتاتوريات أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا التي كانت تحتل هذه المكانة حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.