هشام جعفر (موقع مصر 360)
بداية، فما يرصده هذا المقال، ليس استطلاع رأي ولا قراءة في اتجاهات رأي عام، بمعني تمثيل العينة للمجتمع، بل هو قراءة في بعض أنماط الخطاب الرقمي الخليجي على منصة X خلال الفترة الممتدة من نهاية فبراير- بدء العدوان الأمريكي الاسرائيلي على إيران- حتى نهاية مارس 2026، العينة المرصودة، والتي جمعت باستخدام جروك- أداة الذكاء الصناعي الخاصة بتويتر وإيلون ماسك، وإن كانت تكشف عن أطر تفسيرية حقيقة- لا تمثّل شرائح المجتمع الخليجي بالتساوي؛ فمستخدمو المنصة أكثر شباباً وتعليماً وحضريةً، والرقابة الذاتية تحجب طبقة كاملة من التعبير الحقيقي، المقال يُقدّم هذه الأنماط نافذةً على طريقة تفكير لا مرآةً لرأي عام كامل.
الفضاء الرقمي في عين العاصفة
في اللحظة التي اخترقت فيها الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية سماء طهران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، لم يكن المواطن الخليجي يراقب حربا بعيدة، بل كان يجلس في عين العاصفة، المسافة الجغرافية بين الرياض وطهران لا تتجاوز ألف كيلو متر، وبين أبوظبي ومضيق هرمز أقل من ذلك بكثير، وحين بدأت صواريخ الرد الإيراني، تتساقط على السعودية والإمارات والبحرين وقطر- سواء كانت قواعد عسكرية أو منشآت مدنية، تحوّل السؤال من “ماذا يحدث لإيران؟” إلى “ماذا يحدث لنا؟”
ما كشفه الفضاء الرقمي الخليجي على منصة X خلال هذه الأسابيع، ليس رأياً عاماً متجانساً قابلاً للقياس والتعميم، بل خريطة من أنماط الخطاب المتشابكة والمتناقضة أحياناً، هذه الأنماط تعكس وعياً سياسياً، يحاول أن يوفّق بين رغبات متعارضة: إضعاف خصم تاريخي، والنجاة من حرب لم يخترها أحد، والموقف من الكيان الصهيوني والحماية الأمريكية التي تهاوت أو تآكلت.. رصد هذه الأنماط- بكل تحفظاتها المنهجية- هو ما يسعى إليه هذا المقال.
خطاب الشماتة التي تخاف من نفسها
النمط الأول والأكثر حضوراً في التغريدات الخليجية المرصودة، هو ما يمكن تسميته “الفرح المكبوت”: ارتياح ضمني لإضعاف إيران، يبدأ ثم يتوقف، كمن يضحك ثم يتذكر أن الضحكة في غير موضعها.
“يا جماعة، والله العظيم اللي صاير هالحين يفتح النفس… أمريكا وإسرائيل ضربوا إيران ضربا قويا، قتلوا المرشد وكبار الضباط… لكن وش صار؟ إيران ردت برد ما شفتوه بحياتكم! صواريخ ومسيرات على طول الخليج… بس اللي راهن على سقوط إيران بسرعة، أقول له، راجع حساباتك يا خوي.”
هذه التغريدة السعودية- بكل عفويتها العامية- تُجسّد التوتر في هذا الخطاب، الجملة الأولى تُعبّر عن ارتياح عميق لإضعاف إيران، والجملة الأخيرة تُعيد تصحيح التوقعات بصرامة، وبين الجملتين يقع النمط الخليجي الأكثر تكراراً: رغبة في رؤية إيران تنكسر، مع إدراك مؤلم بأن انهيارها لن يكون بلا ثمن يدفعه الجيران.
هذا التوتر ليس وليد الحرب الراهنة، إنما هو راسخ في عقود من التنافس الإقليمي، ومن الحرب بالوكالة في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، ومن التهديدات الإيرانية المتكررة لمضيق هرمز، هذا التراكم رسّخ في الوعي الجمعي الخليجي رغبةً حقيقية في رؤية هذا الخصم ينكسر، ولكن حين حدث الكسر فعلاً، جاء الرد الإيراني ليس على إسرائيل وحدها- بل على مدن ومطارات وقواعد خليجية وأمريكية، وفجأة تحوّل الفرح إلى قلق.
ما يُلفت النظر في هذا النمط الخطابي، أن الخوف لا يُلغي الرغبة في الإضعاف، بل يُعقّدها، كويتية تكتب: “هذا اللي مر علينا كله مناوشات، بعدها حربهم الصجيه ما بدت. الله يستر علينا من شرهم”، الكلمة الكويتية “الصجيه”- أي الصدق والحقيقية- تُضمر سؤالاً: إذا كان هذا مجرد مقدمة، فماذا يكون الفصل الأصلي؟ وفي السؤال إدانة للحرب، دون أن تتضمن دفاعاً عن إيران.
إسرائيل: الشريك الذي يخلق حرجاً
لعلّ أكثر ما يكشف عن تعقيد الخطاب الخليجي الرقمي هو طريقة التعامل مع الحقيقة الأكثر إحراجاً في هذه الحرب: أن إسرائيل شريك رئيسي في الضربات على إيران. والإحراج هنا ليس مجرد موقف سياسي وأخلاقي، بل هو حرج بنيوي عميق.
اتفاقيات إبراهام عام 2020 فتحت باباً من التطبيع الخليجي مع إسرائيل، لكن غزة- ومجازرها المتواصلة منذ 2023- أعادت رسم هذا المشهد بالدم، والآن يجد المواطن الخليجي نفسه أمام معادلة مستحيلة: يريد هزيمة إيران، لكنه لا يريد أن يكون متحالفاً مع من يقتل أطفال غزة.
النمط الخطابي الأكثر ظهوراً لحل هذا التوتر هو ما يمكن تسميته “التبرئة بالحياد”؛ حيث التأكيد على أن الخليج لم يكن طرفاً في الحرب أصلاً، وأنه حاول منعها، أحد الكتاب السعوديين (معروف بمواقفه المعادية لإسرائيل وبشدة، والناقدة لسياسات بعض دول الخليج، (خاصة فيما يتعلق بالتطبيع أو التنسيق مع أمريكا وإسرائيل) يُعبّر عن هذه الاستراتيجية الخطابية بصياغة دقيقة:
“ما حصل باختصار، أن إسرائيل ظلت على امتداد شهور، تحاول إقناع ترامب بضرورة شن حرب على إيران، في المقابل حاولت دول الخليج منع وقوع هذه الحرب، وأعلنت رفضها لها ومنع استخدام أراضيها، ثم حين بدأت الحرب، كان نصيب دول الخليج 80% من الصواريخ والمسيرات الإيرانية.”
هذه الصياغة تُحقق هدفين في آنٍ: تُدين إيران لضربها الجيران، وتُبرّئ الخليج من أي تحالف مع إسرائيل؛ بالتأكيد على أنه حاول منع الحرب أصلاً، الإشارة إلى إسرائيل موجودة، لكنها ليست محوراً- هي مجرد ذريعة في سياق إدانة إيران.
باحث قطري يذهب إلى أبعد من ذلك بصراحة غير معتادة في هذا الخطاب: “لا يمكن أن نأمن إسرائيل لا في هذه الحرب الجارية، ولا في مستقبل الإقليم، إسرائيل تريد إنشاء إسرائيل الكبرى”. وإماراتية تكتب: “أنا ضد إيران وإسرائيل؛ لأنهم دول توسعية ومجرمة”.
المعادلة واضحة في هذا النمط الخطابي: العدو المزدوج لا العدو الواحد.
أما النمط الأكثر توتراً، فهو ما يمكن تسميته “خطاب الدرع”: الشعور بأن الخليج تحوّل إلى درع لإسرائيل دون أن يختار ذلك، تغريدة تُلخّص هذا المشهد بجلاء: “أصبح الخليج وكأنه درع يحمي إسرائيل، فبينما توجه إسرائيل ضرباتها إلى إيران، تأتي معظم الردود الإيرانية لتصيب الخليج، نحو تسعين في المئة من الضربات وقعت في دول الخليج”، هذا الشعور بالاستخدام غير المباشر- لا التحالف الاختياري- هو ما يُولّد أعمق حالات الغضب في الخطاب الرقمي الخليجي المرصود.
أمريكا: الحليف في قفص الاتهام
وإذا كانت العلاقة مع إسرائيل مصدر حرج، فإن العلاقة مع أمريكا تمر في هذا الخطاب بما هو أعمق: أزمة ثقة استراتيجية في النموذج الأمني بأكمله.
منذ نهاية الحرب الباردة، قامت المعادلة الأمنية الخليجية على ركيزة واحدة: الحماية الأمريكية مقابل النفط والقواعد العسكرية والاستثمارات، هذه المعادلة ليست مجرد تحالف، بل هي النموذج الأساسي الذي بنت عليه دول الخليج أمنها القومي لعقود، وقد كشفت هذه الحرب عن هشاشة هذا النموذج بطريقة، لم تكن مألوفة في الخطاب الرقمي الخليجي من قبل.
النمط الخطابي الأكثر حدةً في هذا السياق يتمثل في تغريدة السياسي الكويتي ناصر الدويلة التي جمعت بين التشخيص الاستراتيجي والغضب الشعبي:
“بعد أن انكشفت قوة الولايات المتحدة في هذه المواجهة، وصارت جيوش العرب هي التي تحمي الوجود الأمريكي، ولم يعد للوجود الأمريكي أي دور في حماية الخليج… يجب اليوم إعادة النظر في الوجود الأمريكي في الخليج الباهظ التكاليف، طز في أمريكا”.
“طز في أمريكا”- ثلاث كلمات وإن صدرت من سياسي بارز يمثل أحد التوجهات السياسية الكبرى في الكويت، إلا إنها تختصر انقلاباً خطابياً حاداً، لكن الأهم فإن الدويلة لا ينتقد أمريكا من موقع المعادي لها، بل من موقع الحليف المخذول، وهذا التمييز جوهري: ليس رفضاً للعلاقة، بل احتجاجا على شروطها.
مستخدم آخر يُفصّل ما أجمله الدويلة في نمط خطابي أكثر تحليلية: “أمريكا اعتدت على إيران دون أخذ رأي دول الخليج، أمريكا تهاجم منشآت الطاقة، دون أخذ رأي الخليج. أمريكا قامت بتسخير قواعدها وإمكانياتها لحماية إسرائيل، وتركت الخليج يواجه مصيره، حتى في المفاوضات أمريكا، تبحث عن مصالح إسرائيل، ولم تهتم بمصالح الخليج.”
في المقابل، يظهر في الفضاء الرقمي المرصود نمط خطابي مغاير، يدافع عن الحضور الأمريكي، باعتباره ضرورة وجودية: “لهذا السبب لدينا قواعد، ولدينا حليف قوي مثل أمريكا، إيران تدمرت بالكامل”، لكن ما يُلاحَظ في تغريدات مارس 2026، أن هذا الصوت بات أكثر دفاعية، وأقل ثقة مما كان عليه قبل اندلاع الحرب، وهو مؤشر خطابي على تحول لافت في البنية الاستدلالية السائدة.
ثمة نمط ثالث، يتعلق بالقواعد العسكرية الأمريكية تحديداً، باعتبارها سبب الاستهداف الإيراني للخليج، تغريدة تُعبّر عنه: هالزعماء الخليجيين، خاصة عندنا في السعودية والإمارات، يقفون مع أمريكا ضد إيران…
هم يشترون أسلحة بمليارات من أمريكا، يبنون قواعد لهم عندنا، ويحمون كراسيهم بالتحالف هذا…”، وهو نمط أقل انتشاراً، لكن حضوره الخطابي كاشف، هذا النمط موجود بين بعض الخليجيين، (خاصة المعارضين للتطبيع أو التبعية الأمريكية الكاملة)، لكنه ليس الأغلبية كما شرحت سابقاً، معظم التغريدات الخليجية في الفترة نفسها، توجه اللوم الأكبر إلى إيران نفسها، وترى أن “الحجة بالقواعد” ذريعة، أو أن إيران تكره العرب أصلاً.
الفاتورة الاقتصادية: حين تُصبح الحرب معيشة يومية
يكشف رصد التغريدات الخليجية عن نمط خطابي، لا يُقدَّر حقه في التحليلات السياسية المعتادة: الخوف الاقتصادي المباشر الذي يُترجم الحرب من حدث جيو سياسي إلى تهديد معيشي ملموس.
مضيق هرمز ليس مجرد جغرافيا في الوعي الخليجي؛ إنه الشريان الذي يمر عبره نحو 40% من إمدادات النفط والغاز العالمية، حين بدأت إيران تضرب السفن في المضيق، لم يكن الأمر مجرد أزمة دولية، بل بات تهديداً مباشراً للاقتصادات الخليجية القائمة على الاستقرار اللوجستي.
مستخدم خليجي يُؤرّخ للحظة بأرقام ملموسة: “المضيق شبه مغلق فعلياً، وحركة السفن في أدنى مستوياتها، بينما يترنح سعر برميل برنت قرب حاجز الـ100 دولار”، وشركة ألومنيوم البحرين “ألبا” أعلنت إغلاق ثلاثة خطوط إنتاج، تمثل 19% من طاقتها الإنتاجية؛ بسبب توقف الشحن عبر المضيق، وهو حدث اقتصادي ملموس، يُترجم الحرب إلى أرقام وظائف وخسائر.
أما النمط الخطابي الأكثر تركيباً في هذا المحور فيتمثل في تغريدة تُقرأ كتشخيص استراتيجي: “إيران بتضرب في ثقة المستثمرين، بأن الخليج منطقة آمنة، الإمارات كانت شريان اقتصادي لإيران لسنين، التجارة بينهم وصلت 24 مليار دولار، الإمارات اختارت السلام، إيران ردت عليها بالصواريخ”، هذه التغريدة تُقدّم الحرب على إيران لا كانتصار مرتقب، بل كعدوان على نموذج اقتصادي قائم على الانفتاح والاستقرار.
ما يُشير إليه هذا النمط الخطابي، هو أن الخليج لم يعد يقرأ الأمن بمفرده، ولكن مرتبطا بالنموذج الاقتصادي الخليجي- مراكز لوجستية ووجهات سياحية وأسواق مالية وشركات طيران- يقوم كلياً على الاستقرار، وحين تنهار هذه الصورة، فإن ما يُفقد ليس فقط الإيرادات، بل الهوية الاقتصادية نفسها. إلغاء 40 ألف رحلة جوية- وهو ما أشارت إليه تقارير منقولة في التغريدات- يعني أن دبي فقدت في أسابيع، كثيرا مما بنته في عقود.
غزة وإيران: ازدواجية المعايير كجرح مفتوح
ثمة نمط خطابي يتحرك تحت سطح كل هذه النقاشات، نادراً ما يُعبَّر عنه بصراحة، لكنه يُلقي بظلاله على كل شيء: التناقض الذي يرصده بعضهم بين حدة الموقف من إيران وخفوت الموقف من إسرائيل في غزة.
“لم تجتمعوا على حرب غزة، وتضجوا الإعلام بنباحكم الكاذب والمنافق، كما تعملون الآن ضد إيران، لماذا؟ هل لأنها دولة مسلمة؟ وفي غزة عدو شرس، لا تتجرأون على الاقتراب منه، ما كل هذا الذل والهوان؟”
هذا الرأي استثناء نسبي بين الخليجيين على X، الغالبية العظمى من التغريدات الخليجية في مارس 2026 توجه اللوم الأساسي إلى إيران؛ بسبب الضرر المباشر الذي لحق بالخليج (الصواريخ على المنشآت والمدن)، وترى أن المقارنة مع غزة “مضللة” أو “دعاية إيرانية”، أما هذا النمط فيأتي من أقلية معارضة للتطبيع أو التحالف الأمريكي.
هذا الصوت- وإن كان أقل حضوراً، يكشف عن جرح حقيقي في الوعي الجمعي العربي، الخطاب هنا لا يُدافع عن إيران بالضرورة، لكنه يستنكر منطقاً انتقائياً، يرى فيه أصحابه نفاقاً سياسياً؛ فالغضب الموجَّه لإيران لم يُوجَّه بنفس الحدة لإسرائيل، حين كانت تقصف غزة.
والمفارقة أن إيران نفسها استثمرت هذا التناقض تاريخياً في خطابها، حين قدّمت حروبها الإقليمية دائماً، باعتبارها دفاعاً عن فلسطين، مستغلةً الفجوة بين الشعور الشعبي العربي تجاه القضية الفلسطينية وبين المواقف الرسمية العربية، وحين بدأت هذه الحرب، وجد بعض المتابعين الخليجيين أنفسهم في موقف، يصعب تفسيره بسهولة: كيف يدعمون ضرب من قدّم نفسه حليفاً لغزة؟
هذا التوتر لا حلّ له سهلاً في الوعي الجمعي الخليجي، وهو ما يُفسّر- جزئياً على الأقل- لماذا أصرّت دول الخليج الرسمية على التأكيد بأنها حاولت منع الحرب، الحياد هو الملاذ الوحيد من تناقض لا مخرج منه، وهذا الخطاب الرسمي وجد صدىً واسعاً في الفضاء الرقمي، مما يُشير إلى توافق- طوعي أم كرهي- بين التأطير الرسمي وحاجة فعلية في الخطاب الشعبي للتبرؤ من التورط.
وحدة الأنماط وتعدد الأصوات
يكشف رصد التغريدات بحسب الهوية الوطنية- وإن كانت هذه الهوية لا يمكن التحقق منها دائماً- عن نمط مثير: الأطر التفسيرية الكبرى مشتركة، لكن التركيز يتباين، بحسب “الجرح الخاص” لكل دولة.
في الخطاب السعودي المرصود، يبرز التركيز على التفاصيل العسكرية وعلى قاعدة الأمير سلطان تحديداً، وكل خبر عن هجوم إيراني على القاعدة، يُستقبَل بمزيج من الغضب والسخرية المرّة من التكاليف الباهظة للحضور الأمريكي، في المقابل، يتميز الخطاب الإماراتي بالتساؤل: “لماذا نحن؟”، في إشارة إلى أن الإمارات رأت نفسها طرفاً بريئاً، حتى في تعريف الصراع، فكيف تُضرب؟ “دولة بنت هويتها على الانفتاح والوساطة، وليس على المواجهة”- هكذا غرد البعض.
أما الخطاب الكويتي فيتسم بالقلق الأمني اليومي؛ نتيجة صفارات الإنذار، والقواعد القريبة من المدن، والخوف على الأبناء، مع دعوات متكررة للحياد.
أما الخطاب القطري، فيبرز فيه نمط مختلف تماماً: الفخر بالحياد الدبلوماسي الناجح. مستخدم قطري يكتب: “برغم أن القواعد العسكرية في قطر أمريكية لكنها أعلنت وقف كافة عمليات الاعتداء على إيران من أرضيها وبذلك إيران أوقفت كل ضربات.” هذا خطاب النجاة.
ما يوحّد هذه الأصوات المتباينة، وهو بالمناسبة النمط الأعمق في العينة المرصودة كلها، هو رفض أن يكون الخليج ساحة حرب بالوكالة لأي طرف، هذا الرفض يُعبَّر عنه بأشكال مختلفة: بالغضب السعودي، والتساؤل الإماراتي، والقلق الكويتي، والفخر القطري، لكنه في جوهره موقف واحد: “هذه ليست حربنا، وثمن دفعناه لم نختره”.
الحياد الدفاعي: حالة وجودية بلا اسم
ما تُجلّيه أنماط الخطاب الخليجي الرقمي في هذه الحرب، ليس موقفاً سياسياً قابلاً للتصنيف في ثنائيات التحليل التقليدية، فهو ليس دعماً ولا معارضة، وليس تحالفاً ولا عداوة، هو حالة أكثر تعقيداً، يمكن تسميتها “الحياد الدفاعي”: حالة من يدافع عن نفسه، دون أن يختار الحرب، ويتمنى هزيمة الخصم، دون أن يرغب في دفع ثمنها.
مواقف الخليج- كما تتشكل في هذه الأنماط الخطابية- لا يريد هزيمة أمريكا، لكنه يريد حضوراً أمريكياً، يحميه فعلاً لا يورّطه، لا يريد انتصار إيران، لكنه لا يريد فوضى ما بعد سقوطها. لا يريد التحالف مع إسرائيل، لكنه لا يريد عداوتها، لا يريد الحرب، لكنه يعيش في قلبها.
ويبقى السؤال الجوهري مفتوحاً، لا تستطيع عينة التغريدات التي لا تتصف بالشمول والإحاطة، الإجابة عنه: هل هذه الأنماط الخطابية تعكس تحولاً حقيقياً في بنية الوعي السياسي الخليجي، أم أنها ردود فعل آنية تتبخر بانتهاء الأزمة؟ هل الغضب من أمريكا عابر أم بداية مراجعة استراتيجية فعلية؟ هل إسرائيل عدو أم جزء من الأمن الإقليمي؟ هل إيران الضعيفة المنهكة جار أم خصم استراتيجي؟ هل الانتماء العربي لا يزال فاعلا أم لم يُغنِ عن أهل الخليج من الصورايخ والمسيرات شيئا؟ وأخيرا وليس آخرا، ما حقيقة هذا الموقف المتوتر أو المتشنج من المصريين ومصر الرسمية؟
ما يمكن قوله بثقة هو أن الفضاء الرقمي الخليجي وثّق لحظة نادرة من الصراحة: لحظة يتساءل فيها جيل خليجي بصوت مرتفع عن جدوى المعادلات السياسية والأمنية والاقتصادية التي ورثها.
الكويتية التي كتبت “الله يستر علينا”، والسعودي الذي كتب “راجع حساباتك يا خوي” لا يُعبّران عن موقفين مختلفين في جوهرهما، إنهما يُعبّران عن نمط خطابي واحد: شعب يراقب حرباً لم يخترها، يدفع ثمنها، ولا يملك أن يوقفها، وفي هذا النمط بكل ما فيه من تناقض وخوف وغضب مكتوم، يكمن ما هو أعمق من أي استطلاع رأي: الحقيقة الإنسانية لمن تخيل أنها “اللحظة الخليجية.