دراسات

دبلوماسية الظل: أي مسار ممكن لإنهاء الحرب على إيران؟

post-img

هاني زايد (مركز رع للدراسات الاستراتيجية)

في لحظات الذروة العسكرية، حين تبدو ساحات القتال وكأنها تحسم كل شيء، تتشكل في الظل أسئلة أكثر تعقيدا من الحرب نفسها. وبين الضربات المتبادلة وانهيار قنوات الاتصال الرسمية، تتقدم أنماط بديلة من التفاعل، أقل صخبا وأكثر مرونة، لتملأ الفراغ.

وسواء انتهت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عبر تسوية تفاوضية، أو نتيجة استنزاف متبادل، أو مزيج من الاثنين، فإن نهايتها تظل مسألة وقت؛ وعندها ستجد واشنطن وطهران نفسيهما أمام معضلة واحدة: كيف يمكن إدارة علاقة لا يستطيع أي منهما تحمل استمرارها في حالة عداء مفتوح امتد لأكثر من ٤٧ عاما.

فمنذ زمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية عام 1979، مرورا بمفاوضات عام 2015 وما أعقبها من انهيار ومحاولات إحياء متعثرة، وصولا إلى جولات التفاوض الأخيرة التي سبقت اندلاع الحرب بأيام، فشلت كل المساعي الجادة لإرساء مسار سلام دائم بين الولايات المتحدة وإيران، بفعل عوامل متعددة منها الضغوط السياسية الداخلية في كلا البلدين، وتعقيدات البيئة الإقليمية، فضلا عن توقيتات تفاوضية أطاحت بها التطورات المتسارعة على الأرض.

وفي ظل هذا التعقيد، تبرز “دبلوماسية المسار الثاني” بوصفها أحد الخيارات الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق بين الجانبين، مقارنة بالدبلوماسية الرسمية التقليدية، أو ما يعرف بـ”دبلوماسية المسار الأول”.

دبلوماسية المسار الثاني:

تعرف “دبلوماسية المسار الثاني” بأنها نمط من الجهود غير الرسمية الرامية إلى تسوية النزاعات، يقوده فاعلون من خارج الأطر الحكومية، مثل الأكاديميين ومنظمات المجتمع المدني والخبراء؛ وتركز تلك الدبلوماسية على خفض التوتر وبناء الثقة بين أطراف الصراع عبر حوارات هادئة، وتتيح قدرا أكبر من المرونة في تناول القضايا المعقدة بعيدا عن ضغوط الإعلام وحسابات التفاوض الرسمي.

وبرز مصطلح “دبلوماسية المسار الثاني” خلال سبعينيات القرن العشرين، قبل أن يتبلور بشكل أوضح في مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي” في عام ١٩٨١ بعنوان “السياسة الخارجية عند فرويد”.

 وعلى الرغم من أن المقال كتب بشكل مشترك بين ويليام ديفيدسون وجوزيف مونفيل، إلا أن المصطلح ينسب غالبا إلى مونفيل، الذي كان يعمل في السلك الدبلوماسي الأمريكي. “تنطلق دبلوماسية المسار الثاني من فرضية أن الصراعات القائمة أو المحتملة يمكن احتواؤها أو تخفيف حدتها عبر استدعاء القواسم الإنسانية المشتركة، والاستناد إلى منطق حسن النية والعقلانية في إدارة الخلافات”، بحسب مونفيل.

الإصلاح الدستوري في البوسنة والهرسك نموذجا:

تعد تجربة مفاوضات الإصلاح الدستوري في البوسنة والهرسك عامي 2005 و2006 مثالا هاما على نجاح دبلوماسية المسار الثاني؛ فقد كانت العملية التي أنتجت “حزمة أبريل” من التعديلات الدستورية مدفوعة ليس من قبل مفاوضين حكوميين، بل من قبل أمانة منظمة غير حكومية عملت جنبا إلى جنب مع الأحزاب السياسية البوسنية التي تمثل المجتمعات العرقية الثلاثة. وكان الطابع غير الرسمي للعملية هو العامل الحاسم في نجاحها؛ إذ أتاح للأطراف استكشاف الأفكار، وطرح المقترحات، والتراجع عن المواقف دون التكاليف السياسية التي تصاحب المفاوضات الرسمية. وأقر جميع الأطراف بأنها قدمت نموذجا شرعيا وقابلا للتطبيق، ولا تزال حتى اليوم مرجعا لإصلاح الدستور في البوسنة.

عوامل حاسمة في الحرب الإيرانية:

في ظل التعقيدات التي تحكم المشهدين الأمريكي والإيراني، يبدو هذا المسار الأكثر قابلية للتطبيق.

وفي ظل هذا التداخل، تبرز مجموعة من العوامل الحاسمة القادرة على تحديد ملامح أي مسار دبلوماسي مستقبلي بين الطرفين، من أبرزها:

(-) الداخل الأمريكي والايراني: في الولايات المتحدةـ تحول الملف الإيراني إلى ساحة تنافس حزبي، حيث تميل الإدارات الديمقراطية إلى الانخراط في حوارات محدودة، في حين تتبنى الإدارات الجمهورية نهج الضغط، ما يجعل استمرارية أي اتفاق رسمي يجري التوصل إليه بين الطرفين رهينة لتقلبات الداخل السياسي الأمريكي.

وفي المقابل، يفرض هيكل النظام السياسي في إيران قيودا واضحة على أي مسار للتطبيع؛ إذ تتركز صلاحيات السياسة الخارجية في يد المرشد الأعلى، ما يحد من قدرة المسؤولين المنتخبين على إحداث تحول حقيقي في العلاقات الخارجية؛ فيما يشكل النفوذ الاقتصادي للحرس الثوري الإيراني عاملا إضافيا يعزز استمرار العزلة، باعتبارها بيئة تحمي مصالحه من المنافسة الخارجية؛ ما يفرض تعاملا براجماتيا من كلا الطرفين في أي محادثات مستقبلا.

(-) البرنامج النووي الإيراني: تضررت البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل كبير، ما دفع طهران للتهديد بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؛ وهو تهديد قد يرقى إلى واقع في ظل دولة جرى استهداف قيادتها دون مساءلة، وربما ترى في الردع النووي ضرورة أكبر البقاء. لذا لا يمكن لأي مسار دبلوماسي غير رسمي بعد الحرب أن يستأنف من حيث توقفت عند حدود مفاوضات 2015، بل عليه التعامل مع بيئة جديدة تماما.

(-) تقلص عدد الوسطاء المحتملين على الجانبين: حيث أدى اغتيال مسؤولين إيرانيين كبار إلى تدمير الشبكات الشخصية التي تقوم عليها أي دبلوماسية مستقبلية؛ ما يجعل بناء أي علاقات جديدة -خارج القنوات الرسمية- أمرا ضروريا، وليس مجرد خيار.

تصاعد خسائر الحرب:

على الرغم من أن دبلوماسية المسار الثاني لم تستخدم بجدية كأداة لعلاقات أمريكية إيرانية دائمة، إلا أن تصاعد خسائر الحرب من كلا الطرفين يجعل تجاهلها أكثر كلفة؛ حيث تكتسب أهميتها من إنجاز العمل التحضيري طويل الأمد الذي تعجز عنه الدبلوماسية الرسمية، من خلال:

١. بناء الثقة الشخصية بين الطرفين بعيدا عن خطوط العداء المباشر.

٢. تحديد مجالات التوافق التي يمكن البناء عليها.

٣. توليد أفكار سياسات مبتكرة تدفع الاطر الرسمية لتبنبها لاحقا.

٤. الحفاظ على قنوات الاتصال عندما تكون القنوات الرسمية مغلقة أو غير قابلة لفكرة التفاوض المباشر.

قنوات خلفية في زمن الحرب:

شهدت الحرب الحالية ما يمكن وصفه بـ”شكل بدائي من دبلوماسية المسار الثاني”، من خلال مبادرات باكستان تركية عمانية مصرية مشتركة. حيث عمدت تلك الدول إلى نقل الرسائل بين واشنطن وطهران؛ فيما وصف بقنوات خلفية أنشئت بشكل ارتجالي في زمن الحرب، بهدف خفض التصعيد الفوري دون البحث عن بناء علاقات طويلة الأمد بين الجانبين.

ومع ذلك، فإن وجود مثل هذه التحركات يؤكد أنه حتى في أكثر الظروف عدائية، يمكن للقنوات غير الرسمية ملء الفراغ الذي يتركه انهيار التواصل المباشر.

كما يمكن البناء على تلك المبادرات كخطوة تمهد الطريق أمام “دبلوماسية المسار الثاني” في مرحلة ما بعد الحرب، وخلق تحالف موثوق وقادر على استكشاف شروط التطبيع المحتمل، وتحديد مجالات التقارب الممكنة، ووضع الأطر الفكرية اللازمة لأي عملية تفاوضية رسمية بين طهران وواشنطن مستقبلا.

كما يجب مراعاة طبيعة التركيبة السياسية في إيران؛ ما يستوجب ضم مسؤولين إيرانيين يتمتعون بثقل حقيقي داخل بنية السلطة؛ حيث يفتقر مجتمع المنفى الإيراني، بما في ذلك الشخصيات المرتبطة بمشاريع استعادة الملكية مثل رضا بهلوي، إلى تأثير حقيقي في الواقع السياسي الإيراني، ومشاركتهم قد تفقد أي عملية جادة شرعيتها؛ ما يعني أن استبعاد من يمتلكون السلطة الفعلية ليس مسارا جادا. وإشراك المتشددين ليس عائقا أمام دبلوماسية المسار الثاني، بل شرطٌ لمصداقيتها.

والأهم من ذلك، اختيار لحظة الانفتاح القصوى؛ فعلى سبيل المثال، لم تبدأ عملية البوسة إلا عندما أدرك عدد قليل من الفاعلين أن انتظار جاهزية القنوات الرسمية هو بحد ذاته شكل من أشكال التقاعس المكلف. أولئك الذين بنوا الإطار حين لم يكن أحد يطلبه كانوا مستعدين عندما حانت اللحظة.

والمحصلة، لا تبنى التسويات الكبرى في لحظة توقيع الاتفاقات، بل في المساحات الرمادية التي تسبقها، حيث تختبر الأفكار وتبنى الثقة بعيدا عن الضغوط السياسية والإعلامية. وما تكشفه الحرب على إيران هو أن القنوات الخلفية التي تنشأ على عجل لاحتواء التصعيد، رغم محدوديتها، تعكس حاجة دائمة إلى بنية أعمق وأكثر استدامة من التواصل غير الرسمي، ويصبح الرهان الحقيقي أكبر من انتظار لحظة سياسية مواتية، حيث يمتد إلى صناعة تلك اللحظة عبر عمل تراكمي طويل تقوده دبلوماسية المسار الثاني.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.