د. شرين محمد فهمي (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)
كشف تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى عن وجود انقسامات عميقة بين أفرع تنظيم الإخوان المسلمين في الإقليم تجاه الحرب، ليعود ملف العلاقة بين إيران وتنظيم الإخوان المسلمين إلى واجهة النقاش السياسي على خلفية المواقف المتخذة والتصريحات المنسوبة لقادتها والبيانات الواردة من قبل أفرعها المنتشرة في الإقليم، والتي تأرجحت ما بين داعم ومساند لإيران ومبرر لعملياتها العسكرية في سياق ممارسة حق الدفاع عن النفس وهذا من واقع استمرارية التحالفات والدعم بين الجانبين، ورافض ومدين للنهج الإيراني في التصعيد خاصة بعد الضربات الإيرانية التي استهدفت دولاً عربية، مما يمثل تهديدًا صريحًا ومباشرًا للأمن الإقليمي.
بالإضافة إلى بروز موقف لبعض أفرع تنظيم جماعة الإخوان يتسم بالغموض والضبابية، وهو ما يمكن تصنيفه في المنطقة الرمادية، بحيث لم يدعم ويساند حرب إيران تجاه الإقليم بشكل صريح ولم يدن عملياتها العسكرية والتي توسعت لتشمل بعض دول الجوار. ويمكن تبرير هذا الموقف الرمادي، إما لإدراك الإخوان ضرورة منح الأولوية لمصالح دولها لاسيما الاقتصادية والأمنية، وبالتالي عدم إعلان المساندة من جانبهم بشكل رسمي يحميهم من خطر الانجرار في أي مواجهة عسكرية مع إيران أو المشاركة في الحرب الدائرة في الإقليم، وإما أن يكون موقف الإخوان نابعًا من إجراءات التقييد التي تمارس على أنشطة جماعة الإخوان داخل دولها لا سيما بعد ما تم حظر عملها رسميًا، مما أدخلها في علاقات توتر معها، على نحو جعل الجماعة تركز على قضاياها الداخلية ومواجهة السلطات في محاولة لاستعادة نفوذها بعد تراجع شعبيتها.
ويمكن تناول تباين مواقف أفرع تنظيم الإخوان المسلمين تجاه الحرب الحالية في ثلاث مقاربات رئيسية هي:
مقاربة "الدعم والمساندة"
وتمثلها جماعة الإخوان المسلمين (جبهة لندن)، إذ أصدر صلاح عبد الحق، القائم بأعمال المرشد العام للجماعة، بيانًا في 28 فبراير 2026، أدان فيه الاعتداء الإسرائيلي الأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الذي استهدف دولة ذات سيادة، دون أي مسوغ قانوني أو أخلاقي، ونعى البيان "الضحايا الذين سقطوا جراء هذا العدوان الغاشم"، وقال البيان: "إن الهجوم المدبر على طهران والمدن الإيرانية لا يقف عند حدود محاولة "غير شرعية" لتغيير الحكم في إيران، بل يسعى إلى إخضاع المنطقة تلبية لتطلعات الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية، وهو سراب بعيد المنال لن يتحقق للاحتلال".
وأكد البيان أن استهداف عواصم عربية ليس جزءًا من المعركة بل هو انحراف عن البوصلة الصحيحة، الذي تتزايد معه مخاطر توسع الحرب الإقليمية، كما طالب البيان قادة الدول العربية والإسلامية بتقدير اللحظة الراهنة والتحديات التي تواجهها شعوبهم، والعمل على الاستقلال الاستراتيجي عسكريًا واقتصاديًا، وتطوير التعاون والتنسيق في مواجهة خطط مشروع الاحتلال القائم على التوسع وتفويض أمن واستقرار المنطقة وتهديد سيادة ووحدة دولها. ولذلك تهيب الجماعة، وفقًا للبيان، بجميع الأطراف وقادة المنطقة والعالم الحر بسرعة إتيان الحرب فورًا، وتؤكد "حرصها على سلامة أراضي ومصالح وشعوب دول المنطقة جميعًا بلا استثناء"[1]. وقد سار على نهج القائم بأعمال المرشد، جبهة محمود حسين، التي تنازعه على قيادة الجماعة عالميًا، وأصدر رئيسها محمود حسين، القائم الثاني بأعمال المرشد، بيانًا عبر فيه عن استنكاره لهذه الحرب[2].
ويعكس دعم فرع جماعة المسلمين الأم تاريخ علاقة الجماعة مع إيران، وهو مزيج معقد من التقارب الأيديولوجي والبراجماتية السياسية، تعمق بعد ثورة 1979 التي أيدها الإخوان كنموذج للدولة الإسلامية، ورغم الخلافات المذهبية بين الطرفين، فقد سادت علاقات سرية وتنسيقية خاصة في قضايا "تصدير الثورة" والتعاون ضد خصوم مشتركين[3]، وكذلك اتضح الدعم الإخواني لإيران خلال حربها مع العراق (حرب الخليج الأولى)، حتى بعد عام 2011 حاولت إيران تعزيز علاقتها مع الإخوان في مصر بعد "ثورة يناير" وشارك قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني في لقاءات للتقارب[4].
يضاف إلى ذلك وجود جماعة "الدعوة والإصلاح" (الإخوان المسلمين) في إيران، والتي تأسست عام 1979 وتمارس نشاطها بوضوح (شبه رسمي) رغم كونها من أهل السنة، وهو ما يعزز من استمرارية العلاقة مع الإخوان المسلمين في مصر، ورغم أن العلاقة بين الطرفين وإن تأثرت سلبًا بممارسات إيران الإقليمية والخلاف على مسألة الطائفية (سنة/ شيعة) لكنها نادرًا ما تصل للقطيعة الكاملة، حيث يبقى هناك توافق على أهداف استراتيجية ضد القوى المنافسة في المنطقة[5].
وهناك تقاطع مصالح بين جماعة الإخوان والنظام الإيراني في عدد من الملفات الإقليمية رغم التناقض الظاهري بين الخطابين السني والشيعي، فخلف الشعارات الأيديولوجية المتعارضة، يظهر نمط من التنسيق السياسي والإعلامي يخدم هدفًا مشتركًا يتمثل في إضعاف الدولة الوطنية وإرباك الاستقرار في المنطقة، ويتجلى هذا التقارب في تبادل الخطاب الدعائي وتوظيف الأزمات لإضعاف الأنظمة العربية، وهو ما يعكس، وفق العديد من التحليلات، ما يمكن وصفه بـ"تحالف الضرورة" بين مشروعين أيديولوجيين يجتمعان على هدف الفوضى السياسية[6].
ويتكرر ذلك مع جماعة الإخوان المسلمين في السودان، حيث صدر عن عدد من الشخصيات والقيادات التي تتبع تنظيم الإخوان (الحركة الإسلامية) بالسودان عدة تصريحات تعكس التقارب مع الأجندة الأيديولوجية والجيوسياسية لطهران[7]، ومن هؤلاء القيادي الإخواني السوداني الناجي مصطفى، حيث صرح بأن هناك علاقة وطيدة تربط حرب إيران بالصراع الدائر في السودان، وقال إن مصير الحرب في البلدين واحد، وفق تعبيره، حيث يعتمد الجيش السوداني على طهران لتوفير طائرات مسيرة لمساندته في مواجهة قوات الدعم السريع.
كما أكد أسامة سعيد القيادي بتحالف تأسيس أن العلاقة بين الإخوان في السودان وإيران "علاقة قديمة ومتجذرة" بدأت– قبل قيام الثورة الإيرانية، وتطورت بشكل ملحوظ بعد وصول نظام عمر البشير المدعوم من الإخوان إلى السلطة عام 1989، وتوطدت العلاقة بدءًا من عام 1991 مع زيارة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني إلى السودان وتوقيع اتفاق أمني عسكري، ومنذ ذلك الوقت بدأ التعاون العسكري والأمني بشكل واسع، وفي سياق الحرب الراهنة، يرى سعيد أن ما يجرى في إيران ستكون له تداعيات مباشرة على الداخل السوداني قائلاً: "هذا المحور يشترك في مصير واحد، وأي تراجع يصيب إيران سينعكس على أذرعها، ومن بينها الحركة الإسلامية في السودان"[8].
كما تمثل هذه المقاربة جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، إذ أبدت الأخيرة تعاطفها مع النظام الإيراني متجاوزة في ذلك مجرد الدعم السياسي لطهران إلى تبرير عملياتها العسكرية، حيث وصف المفتي المعزول الصادق الغرياني في مارس 2026 الهجمات الإيرانية بأنها "دفاع عن النفس" بل ذهب الغرياني إلى وصف الحرب ضد إيران بأنها "توسعية لنشر التكفير والإلحاد"، في محاولة لشرعنة التحركات الإيرانية وتوفير غطاء ديني وسياسي لها[9].
ويأتي هذا التقارب والمواقف الداعمة من قبل جماعة إخوان ليبيا تجاه إيران، مدفوعًا بملفات إقليمية مشتركة، وذلك في إطار تحولات جيوسياسية تعزز التعاون في مواجهة النفوذ الغربي وبعض القوى الإقليمية الأخرى، فضلاً عن محاولة سعي إخوان ليبيا من خلال التحالف مع إيران إلى تقوية موقفها الداخلي في ظل الصراعات الداخلية الليبية المسلحة، مستغلين العلاقات المتينة التي تربط طهران ببعض حلفائها في منطقة الشرق الأوسط[10].
كما تتبنى المقاربة نفسها جماعة الإخوان المسلمين في تونس، حيث عبّرت حركة النهضة في بيان لها في 3 مارس 2026 عن رفضها القاطع للعدوان العسكري الإسرائيلي الأمريكي الذي استهدف الأراضي الإيرانية، واعتبرت أن "أي هجوم مسلح يشن على دولة ذات سيادة خارج الأطر القانونية الدولية المعترف بها ودون تفويض من مجلس الأمن، هو انتهاك صريح لميثاق الأمم المتحدة"، وجاء في البيان: "ترفض حركة النهضة في المقابل الضربات الإيرانية التي استهدفت دولًا عربية، وما خلفته من تهديد مباشر لأمن المدنيين والمنشآت الحيوية"[11].
ويرى اتجاه في الكتابات أن إخوان تونس يستخدمون حالياً ملف التقارب مع إيران كأداة سياسية لمحاولة العودة للمشهد السياسي واستعادة نفوذهم بعد تراجع شعبيتهم وحصارهم الأمني والقضائي، حيث يسعى تنظيم الإخوان لاستغلال الأحداث الإقليمية لتنظيم فعاليات تضامنية، وهو ما يراه البعض محاولة لكسر عزلتهم الدولية والمحلية والهروب من قضايا "تسفير الشباب لبؤر الإرهاب" و"الاغتيالات السياسية" و"الجهاز السري" و"التآمر على أمن الدولة"، و"التمويل الأجنبي" وسط دعوات شعبية وبرلمانية لحظر التنظيم ومحاسبته[12].
لذا تحاول قيادات حركة النهضة تحسين صورتها عبر التقارب مع إيران كـ"مناورة سياسية" لترميم وضعها المتأزم داخليًا من خلال توظيف سياق الحرب بين إيران وإسرائيل بمحاولة عناصر الإخوان موازنة مواقفها عبر عدم إدانة إيران بوضوح، مع اتخاذ مواقف تتماشى مع توجهات التنظيم الدولي للإخوان والتي تتقاطع مع مصالح دول مثل تركيا، وهو ما يعكس الحذر من الاصطفاف، أي محاولة تفادي الإخوان في تونس للصراعات المباشرة التي قد تضر بموقعهم خاصة بعد تراجع نفوذهم داخليًا[13].
وتتبع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن المقاربة نفسها، إذ أعربت تصريحات عدة لقيادات بارزة في حزب التجمع اليمني للإصلاح (إخوان اليمن) عن اصطفاف الجماعة إلى جانب إيران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد نشر القيادي البارز في جماعة الإخوان عضو مجلس النواب عبدالله أحمد علي العديني تغريدة عبر حسابه الرسمي على موقع فيسبوك بتاريخ 10 مارس الجاري قال فيها: "أشهدكم إني مع من سيكسر شوكة أمريكا وطغيانها وكبريائها وفسادها وحقدها على الإسلام وظلمها للمسلمين وسفك دمائهم"،[14] وقد جاء هذا التصريح بعد ساعات من إعلان وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان في السودان منظمة إرهابية عالمية[15]، وهو ما دفع سياسيين ومراقبين للمطالبة بضرورة تصنيف جماعة الإخوان في اليمن منظمة إرهابية أجنبية أسوة بفرع الجماعة في السودان وعدد من الدول الأخرى.
ولم يكتف قيادات وناشطو حزب الإصلاح في اليمن بتبني مواقف علنية مساندة لإيران، وإنما وصل الأمر إلى إصدار فتوى دينية تدعو للوقوف مع إيران في الدفاع عن مصالحها وشعاراتها ومنها الفتوى الدينية التي أصدرها مؤخرًا مفتي محافظة تعز التابع لحزب الإصلاح علي القاضي والتي تبرر مساندة إيران. وتأتي مساندة إخوان اليمن لإيران في إطار روابط فكرية وحركية ذات جذور عميقة بين الطرفين، إذ يمثلان وجهين لمشروع الإسلام السياسي السني والشيعي أو ما يعرف بـ"ثنائية الخلافة والإمامة"[16].
وتبنت جماعة الإخوان في موريتانيا المقاربة نفسها، وهو ما يعكسه إعلان حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" تضامنه الكامل مع إيران، كما أدان الحزب الاعتداء على سيادة أي دولة إسلامية أو عربية، ودعا كافة الأشقاء في الإقليم لضبط النفس ومراعاة حرمة الجوار، كما استضاف "تواصل" المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين في موريتانيا، في الأسبوع الأول من شهر مارس، السفير الإيراني جواد أبو علي أكبر لمأدبة إفطار، وظهر بعض الحاضرين وهم يتقدمون لمصافحة السفير، في لقطات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وأثارت ردود فعل متباينة[17]. ولم يكتف الحزب بالإعلان عن تضامنه ومساندته لإيران، بل أصدر بيانًا للشعب الإيراني أعرب فيه عن مواساته له في هذا الظرف الدقيق والحساس وهو يواجه الاعتداء السافر الذي يستهدف سيادته واستقلال قراره السياسي.
مقاربة الرفض والإدانة
وهو ما تجسده جماعة الإخوان في سوريا، إذ خرجت الأخيرة عن المسار الذي اتخذته الجماعة الأم في مصر، وبعض أفرع الجماعة في عدد من الدول الداعمة لإيران في حربها في الإقليم، حيث أصدرت بيانًا عبرت فيه عن موقفها المعارض للتصعيد الإيراني. وجاء في البيان الصادر في 7 مارس 2026: "موقفنا من الطائفية: نحن لسنا طائفيين ونمقت الطائفية، ولكن النظام الإيراني أوغل في طائفيته، وأخذ بسلوكه الممنهج في مناطق نفوذه وبقطعان مليشياته التي تقتل وتسرح وتمرح في البلاد وتقوم بمظاهر طائفية بغيضة تتحدى مشاعر مسلمي سورية في أرض آبائهم وأجدادهم"[18].
وهذا ليس البيان الوحيد الذي أصدرته الجماعة، فقد كان لها بيانات سابقة خلال الهجوم الإسرائيلي على إيران في شهر يونيو عام 2025، حيث أعلنت "تبرؤها" من دعم فروع جماعة الإخوان في الإقليم لإيران في هذه الحرب، واصفة النظام الإيراني بأنه "يمتلك مشروعًا إجراميًا تسبب في تدمير العراق والشام واليمن وتهجير ملايين العرب والمسلمين"[19].
ويعود هذا الموقف الذي يتخذه إخوان سوريا إلى خصوصية التجربة السورية فيما يخص علاقتها مع إيران، فهذا الموقف له جذور تاريخية تعود إلى الفترة التي تلت نجاح الثورة الإيرانية في عام 1979 وتشكل على إثرها نظام حاكم جديد ينتمي إلى المذهب الشيعي ويقيم دولته على أساس ديني، فرغم أن الطائفية العلوية وهي طائفة شيعية، هي التي كانت تحكم سوريا منذ عهد حافظ الأسد حتى عهد بشار الأسد، إلا أن هذا الأمر لم يكن هو العامل الرئيسي في ذلك التقارب والدعم المتبادل الذي كان بين النظامين السوري والإيراني، حيث كان يجمع بينهما مصالح سياسية أخرى، فقد كانت سوريا أول دولة عربية تعترف بالحكومة المؤقتة لرئيس الوزراء مهدي بازركان بعد الإطاحة بالشاه، وبعدها تم عقد مجموعة من الاتفاقيات الثنائية بين الدولتين بشأن النفط والتجارة، واتفاقية سرية بشأن الشئون العسكرية، وكان هناك دعم متبادل بين الدولتين خلال الحرب الأهلية اللبنانية والحرب الإيرانية العراقية، وظلت إيران مستمرة في دعمها لنظام الأسد بعد مجزرة حماة ضد جماعة الإخوان في عام 1982 ولم تهتم بإدانتها ودعمت الجماعة، وهو ما كان له أثر عميق في تغير موقف الجماعة في سوريا من إيران وصل إلى مرحلة من العداء، وازداد عمقه بعد الممارسات الإيرانية في سوريا بعد ثورة 2011. [20]
مقاربة "الترقب الحذر"
عبرت عنها جماعة الإخوان المسلمين في تركيا، إذ تعكس المواقف التركية منذ اندلاع الحرب على إيران مقاربة حذرة تجمع بين السعي إلى تجنب الانخراط المباشر في الصراع وبين الاستعداد للتعامل مع تداعياته الإقليمية المحتملة. ويشير هذا السلوك السياسي إلى أن تركيا لا تنظر إلى الحرب الجارية بوصفها مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف إقليمية ودولية، بل باعتبارها حدثًا قد يعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وما حوله[21]، وبناءً على ذلك لم تبد جماعة الإخوان المسلمين في تركيا أية تصريحات أو تصدر أية بيانات تدين أو تدعم صراحة إيران في حربها بالإقليم، فقد اتسمت تصريحاتها وبياناتها الصادرة باكتفائها بإدانة الانتهاكات السافرة لإسرائيل لدى الشعب الفلسطيني والأراضي المحتلة، وكذلك إجراءات الاحتلال ضد المسجد الأقصى في شهر رمضان، وكأنها تريد أن تتهرب من مسألة الإدانة المباشرة للاعتداء على إيران، أو الاعتداءات الإيرانية على الدول المجاورة.
ويمكن تفسير موقف جماعة الإخوان في تركيا من حرب إيران في الإقليم من منطلق عدد من الاعتبارات منها الخلاف الأيديولوجي العميق، حيث ينظر الإخوان المسلمين إلى إيران كقوة شيعية تسعى لنشر مذهبها وهو ما يتناقض مع المرجعية السنية للجماعة، إضافة إلى تجنب العقوبات الدولية، إذ تفرض القوانين الدولية ضغوطًا لتجفيف منابع دعم جماعة الإخوان، مما دفع تركيا لتبني سياسة حذرة لتجنب العقوبات الاقتصادية، يضاف إلى ذلك التنافس على النفوذ، حيث تستخدم تركيا ملف الإخوان كأداة نفوذ وتنافس مع إيران في الساحة السورية والملف الفلسطيني، وتعارض أي محاولات إيرانية لفرض هيمنة شاملة، علاوة على تغيير الأولويات، فقد شهدت سياسة تركيا "انعطافة براجماتية" تعطي الأولوية لمصالحها الاقتصادية والأمنية على دعم التنظيمات الأيديولوجية.
وتتكرر المقاربة نفسها مع إخوان الأردن، إذ يواجهون تصنيفا قانونيًا، حيث تم حظر الجماعة رسميًا، وتشهد العلاقات مع الدولة توترًا، مما يجعل دعمهم لإيران حاليًا أمرًا مستبعدًا أو غير موجد فعليًا، خاصة مع تباين التوجهات الأيديولوجية والسياسية، كما أن العلاقات الرسمية بين الأردن وايران بالأساس متوترة وتشهد قطيعة متكررة نتيجة مواقف إيران، فضلاً عن تركيز الإخوان في الأردن على قضاياهم الداخلية ومواجهة السلطات، لهذا لم تصدر أية تصريحات أو بيانات عن تنظيم الإخوان في الأردن تجاه التصعيد العسكري الإيراني في الإقليم سواء بالدعم أو بالإدانة، ولكن هذا لا ينفي وجود أصوات للجماعة داخل الأوساط الأردنية تروج لضرورة دعمها لإيران في مواجهتها مع إسرائيل والولايات المتحدة، وتعتمد الجماعة في ترويجها على مبدأ "عدو عدوي صديقي"، محاولة للقفز فوق الخلافات العقائدية والسياسية العميقة مع المشروع الإيراني في الإقليم.
وقد لاقى هذا الأمر معارضة كبيرة من قبل الأوساط السياسية الداخلية بالأردن، حيث يتم الإشارة إلى أن هذا الطرح يتجاهل التدخلات الإيرانية المباشرة في شئون الدول العربية، فالأردن على سبيل المثال، يواجه تحديات أمنية مباشرة على حدوده الشمالية والشرقية مرتبطة بمليشيات مدعومة من إيران، مما يجعل الدعوة لدعم طهران تتعارض بشكل صارخ مع مفهوم الأمن القومي العربي، كما يؤكد المحللون أن جماعة الإخوان تقع في فخ التناقض؛ فهي من جهة تقدم نفسها كمدافع عن الهوية السنية، ومن جهة أخرى تتحالف أو تدعو لدعم مشروع إقليمي إيراني له أجندة توسعية وتخريبية، أحدثت شروخًا واضحة في نسيج مجتمعات عربية مثل العراق وسوريا واليمن، وتنتهك في الوقت الراهن سيادة الدول الخليجية وعدد من الدول العربية كالأردن[22].
وتتبنى جماعة الإخوان في الجزائر المقاربة نفسها، إذ لم يبد كوادرها تصريحات تشير إلى الدعم أو الإدانة للجانب الإيراني في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يثير سؤالًا محوريًا: لماذا التزمت التيارات الإسلامية المحسوبة على جماعة الإخوان هذا الصمت الحذر حتى الآن؟، وذلك بالرغم من وجود تقارب ملحوظ بين خطاب إخوان الجزائر وايران منذ عدة سنوات مدفوعًا ببراجماتية سياسية ومواقف مشتركة من القضايا الإقليمية رغم الاختلافات العقائدية، ويركز الخطاب الإعلامي لإخوان الجزائر على دعم "محور المقاومة" وايران كحليف استراتيجي ضد الغرب وإسرائيل متجاوزًا الخلافات الطائفية[23].
خلاصة القول، إن مواقف أفرع جماعة الإخوان المسلمين في دول الشرق الأوسط تجاه الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران يغلب عليها الانقسام، وفقًا لنهج البراجماتية السياسية، والذي يعزز تحالفاتها ويفسر تبايناتها ويوضح محاولاتها لتصدر المشهد بعد أفولها وتراجع تأثيرها في العديد من الحالات بالإقليم.
[1] "تدين العدوان العسكري الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران"، الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين التنظيم الأم (فرع لندن)، 28 فبراير 2026. على الرابط: https://ikhwan.site/p-223391
[2] " المعلن والخفي في موقف الإخوان من الحرب الإيرانية الحالية"، المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية، أبوظبي، 24 مارس 2026. على الرابط:
https://2u.pw/O3VQej
[3] عماد الدين الجبوري، "تاريخ إيران بجماعة الإخوان" (الحلقة الأولى)، اندبندنت عربية، 30 يوليو 2020، على الرابط التالي: https://urli.info/1rNEA وانظر أيضاً: د. هالني مفيدة، "إيران والإخوان المسلمين: المشتركات الأيديولوجية والعلاقات التاريخية"، مركز الفكر الاستراتيجي، 6 يناير 2022، على الرابط التالي:
https://urli.info/1rNEP
[4] مصادر أمنية مصرية لموقع قناة "العربية": "سليمانى" دخل مصر تحت ستار "سائح" فى عهد "الإخوان"، بوابة الأهرام، 5 يناير 2020، على الرابط التالي:
https://2u.pw/CiHJkP
[5] "الإخوان في خندق إيران.. تاريخ طويل من التحالف السري"، العين الإخبارية، 4 مارس 2026، على الرابط التالي:
https://2u.pw/AEKaKL
[6] "من العداء المذهبي إلى تقاطع المصالح.. كيف التقت أجندة الإخوان مع إيران؟"، حفريات، 10 مارس 2026، على الرابط التالي:
https://urli.info/1rNGN
[7] خالد عبد الرحمن، "توافق سياسي بين "إخوان السودان" والخطاب الإيراني"، حفريات، 15 مارس 2026. على الرابط:
https://urli.info/1mBm7
[8] "رغم الخلاف المذهبي.. ما الذي يجمع إيران وتنظيم الإخوان؟"، سكاي نيوز عربية، 3 مارس 2026، على الرابط التالي:
https://urli.info/1mBmz
[9] "بوصلة" "إخوان ليبيا" تتجه نحو طهران.. هل يعجل التعاطف مع النظام الإيراني بقرار الحظر الدولي؟"، حفريات، 18 مارس 2026. على الرابط: https://urli.info/1rNKB
[10] "الإخوان وايران.. وقفة "العار" ضد الخليج تعزز تاريخ العلاقة"، سكاي نيوز عربية، 3 مارس 2026، على الرابط التالي:
https://urli.info/1rNL6
[11] سالم لبيض، "عندما تنأى تونس بنفسها عن مساندة إيران"، بوابة تونس، 11 مارس 2026، على الرابط التالي:
https://2u.pw/D2QPdP
[12] محسن أمين، "رقصة الديك المذبوح".. إخوان تونس يحاولون العودة من بوابة إيران"، حفريات، 19 مارس 2026، على الرابط التالي:
https://urli.info/1rNLP
[13] كريم المرزوقي، "خارجية تونس والعدوان على إيران.. الحساب المفرط يغلب الحناجر"، الترا تونس، 2 مارس 2026، على الرابط التالي: https://urli.info/1mBr2
[14] لمزيد من التفصيل أنظر الرابط التالي:
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=4197181100524234&set=a.1431991393709899&type=3
[15] "الخارجية الأميركية تصنف إخوان السودان منظمة إرهابية عالمية.. ما دلالة التوقيت؟"، سكاي نيوز عربية. على الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=-avDZs29A90
[16] "إخوان اليمن ومساندة إيران.. فتوى تعري "الروابط الخفية"، العين الإخبارية، 10 مارس 2026، على الرابط التالي:
https://al-ain.com/article/new-brotherhood-iran-yemen
[17] محمد يسري، "حرب إيران.. كيف كشفت تضارب مصالح الإخوان في الخليج العربي؟"، البوابة نيوز، 14 مارس 2026. على الرابط:
https://www.albawabhnews.com/5331032
[18] "موقف إخوان سورية من النظام الإيراني: لسنا طائفيين وتمقت الطائفية ولكن نظام إيران أوغل في طائفيته"، موقع الإخوان المسلمين في سورية، 7 مارس 2026، على الرابط التالي: https://urli.info/1rNOc
[19] للمزيد أنظر: https://urli.info/1mBt6
[20] عماد عبد الحافظ، "لماذا خرج إخوان سوريا عن خط الدعم الإخواني لإيران؟"، حفريات، 22 مارس 2026، على الرابط التالي:
https://urli.info/1rNOO
[21] د. محمد قواص، "تركيا والحرب على إيران: من يملأ فراغًا إيرانيًا محتملًا؟"، مركز تقدم للسياسات، 12 مارس 2026، على الرابط التالي: https://urli.info/1mBtY
[22] "كيف يبرر الإخوان" تحالف الضرورة مع المشروع الإيراني؟ مسؤول أردني يجيب"، حفريات، 19 مارس 2026، على الرابط:
https://urli.info/1mBvo
[23] "تاريخ طويل من التحالفات... الإخوان وايران واستغلال الأزمات الإقليمية"، سكاي نيوز عربية، 3 مارس 2026. على الرابط:
https://www.youtube.com/watch?v=V8M3aEE8MN4