ماجدة القاضي (موقع مصر 360)
اليد الخفية للنفط: أسطول الظل
لم توقف العقوبات الاقتصادية في السنوات الأخيرة تدفق النفط الروسي والإيراني، كما كان متوقعًا، بل أعادت تشكيل طرق انتقاله وبيعه، متجاوزة القيود على الشحن والتأمين والتمويل، حيث نشأت شبكة موازية تعمل خارج القنوات التقليدية، وتعيد توجيه الشحنات، وتبتكر آليات جديدة لتجاوز القيود والعقوبات التي واجهت الدولتين.
وعبر الرغبة للالتفاف على القيود، ظهر ما يعرف بأسطول الظل، والذي أصبح مع مرور الوقت، جزءًا مؤثرًا في بنية سوق الطاقة العالمية.
وفي الحرب الجارية ضد إيران والعقوبات المفروضة عليها، أصبح هذا النظام غير المرئي، يأخذ حيزا أكبر، وتحول من ظاهرة هامشية إلى آلية منظمة، تحفظ استمرار التدفقات النفطية رغم القيود السياسية والاقتصادية، في هذا التقرير تتبع لمسارات بيع النفط عبر شبكات الظل، وأدواتها وكيف تعمل، وما المراكز التي تستقبل النفط، وتعيد بيعه وبأي آليات.
من سوق مفتوح إلى سيادة لوجستية
لا تتحرك شحنات النفط اليوم، كما كانت من قبل في نظام رسمي معروف، حيث تشير الأرقام، أن تجارة النفط للبلدين لم تتوقف، ما يعني أن ما تغير ليس حجم التدفقات، بل طبيعتها وطرق الوصول.
في خلفية المشهد المشتعل من أزمات متتالية، الحرب الأوكرانية الروسية والعقوبات، تشكلت شبكة موازية، تعيد رسم طرق الطاقة بعيدا عن القواعد والقوانين المعترف بها واتفاقات الشركات الكبرى، حيث لا تخضع السفن بالضرورة لأنظمة التتبع.
هنا السؤال مختلف، عمن يبيع ومن يشتري، بل من يملك القدرة على تمرير النفط، حين تغلق طرق النقل بفعل الحرب أو العقوبات؟
ومن هنا بدأ التحول من سوق مفتوح إلى ما يمكن وصفه بسيادة لوجستية، وبروز أسطول الظل.
التحكم في المسارات
مع تشديد العقوبات على روسيا وإيران، لم تختفِ تجارتهما النفطية، ولم تتراجع التدفقات كما هو مفترض، لكن غيرت الشحنات مسارها، وتمت إعادة توجيهها عبر شبكة موازية، تعمل خارج المنظومة النفطية، عرفت لاحقا بأسطول الظل.
هذه الشبكة التي تضم ناقلات ووسطاء وترتيبات مالية بديلة، شكلت وسيلة للالتفاف على القيود، وأصبحت جزءا لا يمكن تجاهله من بنية السوق العالمية نفسها.
وفي هذا التحول، لم يعد النفط، يباع عبر من يملكه، بل عبر من يملك القدرة على نقله وتأمين مروره، أي أن المعادلة تحولت من “سوق نفط” إلى ما يمكن أن نصفه “سيادة لوجستية”، حيث تتحكم شبكات النقل وتأمين غير تقليدية في مسار النفط، وتعيد التوزيع وفق قواعد مختلفة عن السوق الرسمي.
ووفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، توسع عمل أسطول الظل ليشمل مئات الناقلات، التي تعمل خارج الإطار التنظيمي المعتاد، ويتراوح عددها ما بين 300- 600 ناقلة، مما يعنى توسع الظاهرة من كونها هامشية إلى جزء من أداء السوق.
في نفس الوقت، لم تعد سوق الطاقة موحدة، كما كانت، بل تنقسم بين نظام رسمي تحكمه القواعد الغربية، وآخر مواز يتحرك في الظل، يزداد حضوره، كلما اشتدت الأزمات.
الربح من سوق خارج القواعد: شركات الظل وآليات البيع والنقل
التحول لم يكن في السفن فقط، بل فيمن يديرها، ومنذ 2022 ومع بقاء الحرب الروسية الأوكرانية، ظهرت سلسلة من الشركات التجارية في مراكز تجارية كبرى، وبعضها تأسس خصيصا للتعامل مع النفط الخاضع للعقوبات.
يكفي أن نقول إن نسبة كبيرة من حجم النفط الروسي تتحرك عبر سوق الظل، وإن اختلفت التقديرات حولها من 40% إلى أعلى من ذلك متجاوزة نصف المبيعات.
وبالتالي، هذه الشركات لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كمنصات إدارة متكاملة للتدفق والشراء والنقل والتمويل، بغرض إعادة بيع نفط العقوبات.
وإذا كان أسطول الظل هو البنية، فقوته الحقيقية تكمن في آلياته، وهندسة معقدة، تجعل النفط، يفقد هويته أثناء عملية التهريب.
أول هذه الآليات هي التعطيل أو التلاعب بأنظمة التتبع البحري (AIS)، بحيث تختفي السفن من الرادار لفترات، ثم تعود للظهور مرة أخرى في نقاط مختلفة، وبالتالي، ينقطع التتبع المنطقي للشحنة.
الآلية الثانية: وهي الأكثر استخداما، نقل النفط من سفينة لأخرى في عرض البحر بتفريغ الشحنة وإعادة تحميلها مع شحنات أخرى، وبالتالي، تفقد ارتباطها بالمصدر.
ثم يأتي عنصر أكثر تعقيدا: تغيير الهوية القانونية للسفينة، ناقلة واحدة قد تبحر تحت أكثر من علم، أو تسجل عبر شركات مختلفة، وبالتالي، يصبح صعبا معرفة ملكيتها الاصلية، أضف لهذا خلط الشحنات في بعض الأحيان بشحنات مختلفة موثقة لإفقادها هويتها في المتابعة والرقابة.
شبكات التمويل والمتعاملين في الظل
وبالتوازي مع هذه الآليات، ظهر بُعد مالي يضمن استمرار التدفقات، نفط مباع خارج المنظومة التقليدية، ينتقل عبر نظام مالي في الظل هو الآخر، ويصبح تحصيل العوائد عبر أنظمة تحصيل متنوعة ومختلفة.
كمثال في روسيا، تم توسيع استخدام عملات بديلة وآليات دفع خارج الدولار، بينما في إيران، تدار أجزاء من العوائد عبر شبكات مالية غير رسمية، مما يجعل التدفقات موزعة بين قنوات مختلفة.
بهذه الطريقة يجري تحقيق عوائد مستمرة رغم العقوبات ورغم التفكيك الذي يخفض من قيمة النفط، إلا أن الأمر مرهون بالعرض والطلب، وفقا لقواعد الاقتصاد، والطلب على النفط متوافر ولا ينقطع.
وبين نماذج مستفيدة ضمن هذه الشبكة، تأتي الصين والهند، والبلدان لا يتعاملان مع النفط الخاضع للعقوبات كعبء، بل كفرصة تتضح في كون الخصومات السعرية قد تصل الى 10 أو 20 دولارا للبرميل عن السوق العالمي.
هذا الفرق في السعر، يخلق بالطبع حافزا قويا للاستمرار في عمليات البيع والشراء، مما يضمن تدفقا نقديا مستقرا للمنتجين، ويتخطى العقوبات كما حالة إيران وروسيا، وبذلك لم يفشل البلدان في بيع نفطهما، بل أعادتا صياغة طريقة البيع نفسها.
كيف صعد اسطول الظل مع الحرب؟
في ظل هذا التحول، تصاعد دور “أسطول الظل” رغم الحرب، ومع اضطراب الممرات البحرية وتزايد المخاطر الأمنية، استمر في الوصول للمشترين.
هنا تحديدًا ظهرت أهمية البيئة الحاضنة التي تسمح لهذه الشبكات بالعمل: دول وسيطة، ممرات، وتأمين بديل.
في الظاهر، تبدو دول مثل الإمارات وتركيا بعيدة عن الانخراط المباشر في كسر العقوبات، بل ومتضررة حاليا من التصعيد في الخليج، لكن دورها الحقيقي لا يكمن في تمرير النفط جغرافيًا، بل في إدارة ما حوله لتسهيل عمليات البيع، والتعامل مع المشترين عبر شبكات الظل.
مراكز إدارة التدفقات في دبي وسنغافورة
بعد 2022، شهدت مراكز مثل دبي إعادة تموضع لعدد من شركات تجارة الطاقة المرتبطة بالنفط الروسي، حيث تم إنشاء أذرع تجارية جديدة أو نقل النشاط إليها، مستفيدة من بيئة قانونية ومالية أكثر مرونة.
هذه الشركات تدير الصفقات، والتمويل، والتعاقدات، ما يجعلها جزءًا أساسيًا من البنية التي يقوم عليها السوق الموازي، هذا الدور لا يقتصر على الشركات، بل يمتد إلى ما هو أكثر، فيما يخص حساسية إعادة تشكيل مسار الشحنة نفسها.
وثقت بيانات العقوبات الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية حالات لشبكات شحن مرتبطة بالإمارات، حيث شاركت في عمليات نقل نفط إيراني من سفينة إلى أخرى في مياه قريبة من الخليج، ثم إعادة خلطه وتغيير مستنداته لإخفاء مصدره، وبالتوازي، ظهرت مراكز آسيوية مثل سنغافورة كنقطة محورية في “إخفاء الوجهة”.
وفى السياق، أظهرت تقارير نشرتها رويترز، أن ناقلات نفط روسي باتت تسجل وجهتها إلى سنغافورة بشكل متزايد، رغم أن جزءًا كبيرًا من هذه الشحنات يتجه فعليًا إلى الصين، ويوضح المشهد منظومة أوسع، تعيد رسم خريطة التدفقات إلى سوق النفط.
أما الممرات البحرية، فقد تحولت من طرق عبور إلى أدوات ضغط، ولكن رغم التوترات في مضيق هرمز والبحر الأحمر قرب باب المندب، لم تتوقف حركة النفط، لكنها رفعت كلفة المرور، ودفعت إلى توسع عمليات النقل في نقاط بعيدة عن الرقابة.
بيانات حديثة أشارت إلى زيادة ملحوظة في هذه العمليات في شرق المتوسط وغرب إفريقيا، ما يعكس انتقال جزء من التجارة إلى مسارات أكثر تعقيدًا، كلما زادت المخاطر في المسارات المباشرة.
الحلقة الأخيرة في هذه البنية كان ظهور شركات التأمين البديلة الأقل شفافية، والتي دخلت في شبكة الظل، مع انسحاب شركات التأمين الغربية أو رفعها للأسعار، وهي منظومة تأمين بديلة كافية لتشغيل السفن.
تقارير رويترز كشفت، أن بعض هذه السفن تعمل بتغطية محدودة أو عبر شركات صغيرة غير معروفة، وهو ما يسمح باستمرار الحركة، لكنه يخلق مخاطر كبيرة.
وهنا تبدو ظاهرة تفسر جزءًا من هذا التوسع، إذ أن بعض شحنات النفط لا تتحمل التكلفة الكاملة للمخاطر سواء البيئية أو التأمينية، بل تمر عبر منظومة تقلّص معايير الأمان لتقليل الكلفة وتعظيم الربح، أي حادث كبير في هذا السياق، قد لا يجد جهة واضحة، تتحمل مسئوليته.
سوق طاقة مزدوج: الواقع الجديد بعد الحرب والعقوبات
وفي هذا التداخل، لم تعد الدول الوسيطة والممرات والتأمين عناصر منفصلة، بل بنية واحدة: دول توفر الغطاء، عبر بيئة قانونية ومالية مرنة، والممرات المضطربة ترفع قيمة الالتفاف، والتأمين البديل يفتح الطريق.
الحرب الحالية ضد إيران، كان يُفترض أن تضغط على صادرات النفط، لكن لم تؤدِ إلى تراجعها بالقدر المتوقع، إذ بينما حافظت روسيا على صادرات تدور بين 7 و8 ملايين برميل يوميًا، استقرت صادرات إيران في نطاق 1.5 إلى 2 مليون برميل يوميًا، مع ارتفاعات في بعض الأحيان.
هذا الثبات بل والزيادة الجزئية هو نتيجة توسع القدرة على البيع عبر شبكات الظل، التي وفرت مسارات بديلة في لحظة تصاعدت فيها المخاطر على الممرات التقليدية، وبقاء العقوبات، واندلاع الحرب.
بهذا لم يعد أسطول الظل، مجرد شبكة نقل تعمل خارج النظام، بل نظامًا قائمًا على استغلال كل نقطة ضعف ناتجة عن التوترات الدولية.
وكلما ارتفعت المخاطر في العالم المرئي، ازدادت كفاءة النظام الذي يعمل في الظل، وإذا كانت العقوبات قد صنعت أسطول الظل، والحرب منحته الحجم والشرعية التشغيلية، فالخطر أن ما بعد الحرب قد لا يعيدنا إلى سوق واحدة، بل يكرس لواقع جديد: سوق طاقة مزدوجة، تعمل بتوسع في الضوء وتدار في الظل.