مقالات

شبح بن جوريون في البحر الأحمر: مصر وإعادة تكوين “حلف الأطراف”

post-img

محمد عبد الكريم (موقع مصر 360) 

يشهد إقليم البحر الأحمر والقرن الإفريقي تحركات إسرائيلية متسارعة، تعيد إحياء مفهوم “حلف الأطراف” الذي صاغه ديفيد بن جوريون في سنوات تأسيس دولة الاحتلال.

وتتقاطع هذه التحركات مع تحولات إقليمية ودولية، وبروز نقاط صراع متعددة في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، بما يثير تساؤلات حول إعادة تشكيل موازين القوى وموقع مصر منها، خاصة مع تصاعد النشاط الإسرائيلي في القرن الإفريقي، والتوجه المتزايد نحو التعاون مع إثيوبيا، وإيجاد صلات مع إقليم “صوماليلاند” عبر الاعتراف به دولة مستقلة، والتعاون مع الطرفين يتصل مباشرة بإعادة تفعيل مفهوم الأطراف بصيغة جديدة.

وفي عالم شرق أوسطي اختلطت فيه دعوات حملات توراتية لإعادة خريطة الإقليم لما قبل الميلاد بقرون، بخطبة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أمام الكنيست الإسرائيلي خلال زيارته (25- 26 فبراير)، وتعهد لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتشكيل حلف جديد “بعد نهاية الحلف الشيعي، ولمواجهة الحلف السني الجديد الآخذ في التشكل”، على أن يضم دولًا عربية وإفريقية ومن خارج الإقليم (مثل الهند).

مع تزامن هذا التوجه مع نشاط في القرن الإفريقي، بارتدادات مرتقبة على أمن البحر الأحمر وجهود خلخلة رؤية دوله المشاطئة لأمنه واستقراره؛ يبدو أن السلم والاستقرار مسألة بعيدة المنال، وأن عجلة استعادة “الأطماع” الدينية والإمبراطورية على مقدرات هذا العالم وثرواته ومستقبل شعوبه، قد دارت بأقصى قوتها.

يضاف إلى ذلك، ما عززته الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران من تقارب عدد من دول الخليج العربي مع إسرائيل، لدرجة الحديث عن ضرورة الاحتماء مستقبلًا بمظلة أمنية إسرائيلية أكثر تماسكًا ونفوذًا، أو التوصل إلى صيغة لتحالف قد تمتد إحدى ساحات أنشطته إلى البحر الأحمر، بما يطرح إشكالية حول طبيعة التحولات الجارية في الإقليم، وما إذا كانت تمثل إعادة تشكيل لتحالفات الأطراف وانعكاساتها المحتملة على أمن البحر الأحمر والدور المصري فيه.

إسرائيل واستعادة “حلف الأطراف”

ينظر الإسرائيليون لديفيد بن جوريون، على أنه زعيم ينتمي لجيل من القادة يفتنهم التاريخ، من أمثال ونستون تشرشل وشارل ديجول وفلاديمير لينين وجوزيف ستالين، وأن وجود مثل هؤلاء لم يقتصر على تأثيرهم المباشر في مسار التاريخ، بل إنهم عملوا بكد على صياغة الوعي التاريخي لشعوبهم، وصورة ماضيهم القريب أو بالغ البعد.

ورأى بن جوريون أن النظر للتاريخ على أنه علم يحاول عكس حقيقة الماضي أمر بالغ التضارب، وأن “المؤرخ الحق” يجب “أن يتقصى الحقيقة التاريخية”، ولا يكتفي “بمعرفة هذه الحقيقة”، مما يشير على رؤية برجماتية للتاريخ وتوظيفه سياسيًا عبر استغلال مساحات تفسيره قسرًا لصالح هذا التوظيف؛ كما ارتبط تاريخ المنطقة في عقله بنصوص الكتاب المقدس وخرائطه، وهو الأمر الذي وجد أصداء في المنطقة بعد 7 أكتوبر 2023، وحتى الوقت الحالي، وعلى سبيل المثال رد السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي (20 فبراير 2026) في لقاء مع المعلق المحافظ توكر كارلسون على تعليق الأخير الذي بادر بدوره بتأكيد أنه “وفق الكتاب المقدس، فإن أحفاد إبراهيم كانوا لينالوا الأرض التي تضم اليوم أغلب الشرق الأوسط، بما في ذلك أجزاء من الأردن وسوريا والعراق  ولبنان” واقتبس من سفر التكوين، قبل أن يسأل هاكابي، عما إذا كان لإسرائيل الحق في تلك الأراضي.

وجاء رد هاكابي معبرًا عن قناعته، أنه سيكون من الأفضل لو أخذ اليهود تلك الأراضي كلها، قبل أن يستدرك قائلًا: “إنهم لا يطلبون العودة للوراء والاستيلاء عليها كلها، لكنهم يطلبون على الأقل أخذ الأرض التي يحتلونها الآن، ويعيشون فيها، ويملكون الآن شرعية، وتمثل ملاذًا آمنًا لهم”.

مثل الرد الأول صدمة في جنبات الدول العربية التي بادرت (22 فبراير) بإدانة التعليق “الداعم لسياسة توسع إسرائيل في الشرق الأوسط”، وما لمح له في موضع آخر من تأييده تقديم الولايات المتحدة دعمًا شكليًا لسيادة إسرائيل على أرجاء متفرقة من الشرق الأوسط، ووقعت على البيان 14 دولة عربية وإسلامية، من بينها الإمارات ومصر والسعودية ومنظمة العالم الإسلامي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي.

ورغم مبادرة الخارجية الأمريكية بالتأكيد أن تصريحات هاكابي قد “اقتطعت من سياقها”، فإن الأمر يتجاوز بالضرورة، مجرد زوبعة عابرة، لا سيما إذا تم وضعها في سياق إعلان نيتنياهو تكوين حلف “بقيادة إسرائيلية” للعمل في المنطقة، مضافًا لذلك فهم استدامة فكرة “حلف الأطراف” The alliance of the periphery، أو سياسة الأطراف، والتي تطورت لاحقًا في العقيدة الدبلوماسية الإسرائيلية باسم مفهوم الأطراف Periphery Doctrine.

وتقوم فكرتها ضمن سياسات إسرائيل الإقليمية، بتحالف تل أبيب مع عدد من الدول الواقعة على “أطراف” العالم العربي (أو الشرق أوسط العربي)، وللمفارقة، فإن إثيوبيا وحدها هي التي ظلت “الحليف” الدائم لإسرائيل، بعد التحولات الأخيرة في إيران وتركيا اللتان كانتا أبرز مراكزه في عهد بن جوريون.   

ومن ثم، فإن أفكار نيتنياهو التوسعية، والتي نركز هنا على جانبها الإفريقي والظهير للبحر الأحمر، تتسم بالخطورة والجدية الكاملين بالنظر على جذورها في قيام الدولة الإسرائيلية نفسها، ووصف نتنياهو الملفت للتعاون المصري- السعودي (المدعوم تركيًا حتى الان) بالمحور السني الآخذ في التكون، وكذلك، والأهم بطبيعة الحال الخطوات التي تتخذها تل أبيب في تكوين “محور” يقود الإقليم ككل، وفي جزء منه المنطقة التي نتناولها.

وفي الإطار العملي لإحياء سياسة الأطراف، تبدو إثيوبيا الحلقة الأكثر مركزية في التحرك الإسرائيلي داخل القرن الإفريقي.

إسرائيل وإثيوبيا: حماس وتوجس!

تبدي إسرائيل اهتمامًا تقليديًا فائقًا بعلاقات متميزة مع إثيوبيا لاعتبارات سياسية وجيو استراتيجية مفهومة، مضافًا لها مكانة إثيوبيا الإفريقية (لا سيما في جنوب الصحراء)، والتي تمثل بوابة ملكية لإسرائيل لتعميق علاقاتها في القارة، كما صرح مجددًا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتزوج خلال زيارته لأديس أبابا (25 فبراير 2026)؛ وأعاد خلال لقائه مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تأكيد ملاحظات نتنياهو بخصوص “المحور السني” وضرورة تكوين محور مناهض (تكون إثيوبيا في قلبه)، إذ أعرب عن أن هناك دولًا في إفريقيا وما وراءها “يحاولون تحجيم علاقات إسرائيل في إفريقيا، لكن رابطتنا قوية، ومصالحنا المشتركة أقوى من أية محاولة لتحجيمها”.

تلك التصريحات تشير إلى تصاعد الحماس الإسرائيلي التقليدي لتمتين العلاقات مع إثيوبيا كخطوة أولى– دائمًا- لعودة إسرائيل القوية إلى إفريقيا بعد تراجع وجودها منذ حرب الإبادة التي ترتكبها بحق الفلسطينيين، وقادت إلى تغير صورة إسرائيل الذهنية وسط شعوب القارة، ولا سيما الشباب.       

من جهتها، فإن أديس أبابا، التي تقيم بالفعل شراكة استراتيجية وعسكرية مع إسرائيل، وتتعدى علاقات البلدين ما يتم الإفصاح عنه، تعمد إلى انتهاج إظهار نوع من التوازن في علاقاتها الموزعة بين إسرائيل ودول شرق أوسطية (أبرزها السعودية في السياق الحالي المتعلق بالبحر الأحمر)، وبدا ذلك في تصريحات الرئيس الإثيوبي تاي أتسكي سيلاسي (خلال زيارة نظيره الإسرائيلي) التي أكد خلالها أهمية تقوية العلاقات الدبلوماسية والسياسية بين البلدين، وأن أديس أبابا (التي استقبلت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية السعودي قبل زيارة هيرتزوج بأسبوع واحد تقريبًا) تدعم “حل الدولتين (الإسرائيلية والفلسطينية) من أجل تسوية الصراع” في الشرق الأوسط.

وهذه التصريحات لا يمكن اعتبارها تكتيكية؛ لأنها تتسق مع مواقف نظم إثيوبية مختلفة، بدءًا من هيلاسيلاسي مرورًا بمنجستو، ووصولًا للوقت الحالي، وملاحظة أنها جميعًا كانت تبني موقف معتدل من إسرائيل والقضية الفلسطينية يبقي على توازنات إثيوبيا ومكانتها الإقليمية والإفريقية كقوة كبيرة، تتمتع باستقلال قرارها السياسي.

لكن الملفت هنا أنها تأتي فيما تسعى إسرائيل جاهدة، وأكثر من أي وقت مضى، لاستمالة إثيوبيا في صفها بشكل كامل، وكذلك دفعها – حسب مراقبين محليين في القرن الإفريقي– للاعتراف بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة على غرار الخطوة التي اتخذتها إسرائيل نهاية العام الماضي، وأثارت لغطًا إفريقيًا وعربيًا كبيرًا منذ ذلك الوقت.    

“أرض الصومال” في قبضة الحلف الإسرائيلي

خطت إسرائيل خطوة أخرى في مسار تكوين “محورها” على الجانب الغربي من البحر الأحمر؛ فقد أعلنت قبول أوراق اعتماد أول سفير “لصوماليلاند” (محمد حاجي) رسميًا، في خطوة تعمق الصلات بين الجانبين. وعززت تقارير إعلامية إسرائيلية (25 فبراير) أن تلي ذلك خطوات أكثر قوة بالإعلان عن ترقب زيارة رئيس “صوماليلاند” عبد الرحمن محمد عبد الله للقدس في نهاية مارس المقبل في أول زيارة رسمية له لإسرائيل.

ويبدو أن الزيارة ستحمل نتائج استراتيجية وأمنية هامة في القرن الإفريقي (والبحر الأحمر)، إذ صرح وزير الشؤون الرئاسية في “صوماليلاند” خضر حسين عبدي، أن “بلاده تستعد لمنح إسرائيل والولايات المتحدة، وصولًا تفضيليًا وحصريًا لمواردها المعدنية”، وأن حكومة بلاده “منفتحة على استضافة قواعد عسكرية (إسرائيلية)، وأنه “لا يمكن استبعاد إمكانية (السماح بإقامة) وجود عسكري إسرائيلي دائم في صوماليلاند”.

وفي ضوء التنسيق الإسرائيلي الأمريكي اللحظي في الشرق الأوسط، تكشف  تعليقات هاكابي وموقف واشنطن المبرر لخطوة إسرائيل في مجلس الأمن على سبيل المثال، فإن التقارير الواردة عن دراسة إدارة ترامب لخطوة الاعتراف بأرض الصومال، والتي يتوقع جديتها، تؤشر إلى دعم واشنطن لخطوات “المحور الإسرائيلي” وتمدده في البحر الأحمر، وأن الموقف التبريري لخطوة إسرائيل في الاعتراف بأرض الصومال، ستليه خطوات محددة في الفترة المقبلة، بحيث تثبت واشنطن واقعًا جيو سياسيًا جديدًا في جنوبي البحر الأحمر، يكون لإسرائيل فيه دور ملموس ومباشر، ويتصل بمواجهة للنفوذ الصيني في القرن الإفريقي، بحيث يصبح التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي (وبمشاركة دول أخرى أبرزها تايوان والهند) وسيلة لمواجهة هذا النفوذ وموازنته بشكل جذري وأكثر إيلامًا للصين ومصالحها، وضمن دائرة أشمل من متغيرات السياسة الدولية الراهنة.

مصر وحلف الأطراف: لا مساس بأمن البحر الأحمر

مع تزايد الضغوط الإسرائيلية في مسار “الحلف الجديد”، والمدعومة أمريكيًا على أقل تقدير مع عدم استبعاد، أنها تأتي تلبية لسياسة مشتركة مع واشنطن مسبقًا، اتجهت مصر نحو تعميق دبلوماسيتها الجديدة نسبيًا في القرن الإفريقي والبحر الأحمر (التي تتسم بطابع استباقي واضح). وعلى سبيل المثال، ردت الخارجية المصرية على تقارير إعلامية مختلفة، ظهرت منذ منتصف فبراير الجاري، بأن القاهرة أبدت انفتاحًا، أو أنها “قد” توافق على حصول إثيوبيا على منفذ (سيادي) على البحر الأحمر مقابل تسوية “ملف سد النهضة“، وتنفي ما جاء في هذه التقارير. كما حضر ملف أمن البحر الأحمر في قلب أجندة قمة هامة، عقدها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

كما تسعى القاهرة، حسبما يستنتج من مناقشات السيسي، وابن سلمان من جهة التوقيت ووضع القمة في سياقها الإقليمي إلى التعاون مع الرياض في ملف تنشيط مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، وتوفير تدابير مالية مهمة لتنفيذ مرحلة من برامجه الأولية التي سبق وضعها بغرض دعم التنمية والتعاون الأمني، وربما العسكري بين دول الحوض بغرض الحفاظ على استقراره، وما يتطلبه ذلك من رؤية مشتركة.

هذا التوجه بثير تخوف، أشار له مراقبون محليون في القرن الإفريقي، ورأوا أن التعاون الثلاثي: المصري- السعودي- التركي يكتسب أهمية سياسية متزايدة في الإقليم، وطالب عدد منهم في المقابل بتكثيف التعاون الإسرائيلي- الإماراتي لمواجهة هذا التعاون (Horn Review, Feb. 25).

ويتوقع في الفترة المقبلة، أن تدفع مصر بقوة في مسار حفظ أمن البحر الأحمر، الأمر الذي سيمثل اختبارًا هامًا للدبلوماسية المصرية وقدرتها على موازنة مصالحها ومصالح دول الحوض مع المتغيرات الإقليمية الحادة، وضرورة عدم الزج بالإقليم برمته في مرمى الأطماع التوسعية الإسرائيلية التي لا تلقى بالًا لمصالح دول الإقليم وشعوبه، بقدر ما تكتنفها أفكار دينية وسياسية متطرفة، تعود لسنوات نشأتها الأولى وأفكار قادتها حينذاك.

 وفى نفس الوقت، تمارس إسرائيل هذا التوسع في الإقليم لصالح الولايات المتحدة بعد التراجع التكتيكي الذي تلتزمه الإمارات ظاهريًا حتى اللحظة على الأقل، وتوقعات عودة لسياساتها الخشنة في الإقليم، سواء ضد مصالح السعودية، ضمن سياساتها التي ألحقت أضرارًا كبيرة بمصالح مصر، بعد خسارتها صورتها التقليدية كدولة استقرار وسلام وذات قوة عسكرية مهمة على خلفية أدائها التخادمي في الحرب التي كانت دائرة حتى أمس في الخليج العربي.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.