مصر 360
مع تصاعد الاضطرابات العالمية الناجمة عن الحروب في الشرق الأوسط والنزاعات المسلحة في إفريقيا، وما خلّفته من تداعيات اقتصادية متشابكة، تجد الدول الإفريقية التي ترزح أصلًا تحت وطأة الهشاشة البنيوية والأزمات الإنسانية المزمنة نفسها في مواجهة ضغوط مركبة، تهدد تماسكها السياسي واستقرارها الاقتصادي. وقد تواكب ذلك مع تحولات ملحوظة في السياسة الأمريكية، وتذبذب في مستويات الانخراط الغربي في إدارة النزاعات، فضلًا عن تصاعد التوترات مع إيران، وما أفرزته من اختلالات في أسواق الطاقة، لا سيما في ظل التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز.. في محصلة هذه التحولات، تبلورت بيئة دولية، تتسم بسيولة عالية، تتيح لقوى كروسيا فرصًا أوسع لإعادة التموضع داخل فضاءات الفراغ الجيو سياسي.
في هذا الإطار، يبرز التمدد الروسي في السودان ودولة جنوب السودان بوصفه تجليًا لمسار استراتيجي أوسع، يستهدف إعادة بناء النفوذ الروسي في إفريقيا، لا مجرد استجابة ظرفية لتداعيات الحرب السودانية، فالسودان في الإدراك الجيو سياسي الروسي، يمثل عقدة التقاء لثلاثة مسارات حيوية: الانفتاح على البحر الأحمر، التحكم في الموارد الاستراتيجية وعلى رأسها الذهب، والتوغل في العمق الإفريقي الغني بالثروات، ولا تنفصل هذه الاعتبارات عن سياق الضغوط الغربية المفروضة على موسكو، ما يجعل من إفريقيا والسودان على وجه الخصوص مجالًا بديلًا لإعادة إنتاج النفوذ الاقتصادي والسياسي.
في المراحل الأولى من النزاع، اتسم السلوك الروسي بقدر ملحوظ من البرجماتية المرنة والغموض المحسوب، حيث اعتمدت موسكو على أدوات غير رسمية، وفي مقدمتها شبكات فاجنر، التي نسجت علاقات وثيقة مع قوات الدعم السريع، سواء عبر التدريب أو عبر شبكات استغلال الموارد، خاصة الذهب، غير أن هذا النمط من الانخراط القائم على الفاعلين غير النظاميين، بدأ يكشف عن محدوديته مع تعقّد المشهد، ما دفع موسكو إلى الانعطاف تدريجيًا نحو دعم مؤسسات الدولة الرسمية في مسعى لمأسسة نفوذها وضمان استمراريته.
ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعكس قطيعة مع الأدوات السابقة بقدر ما يعبر عن إعادة تركيبها ضمن نموذج مزدوج، يجمع بين الرسمي وغير الرسمي، وهو نموذج سبق أن اختبرته موسكو في ليبيا، حيث مزجت بين الدعم العسكري غير المباشر والانخراط السياسي والدبلوماسي، بما مكّنها من ترسيخ حضور مؤثر دون الانزلاق إلى كلفة التدخل المباشر. ويبدو أن هذا النموذج يُعاد تكييفه في الحالة السودانية، مع مراعاة خصوصيات السياق وتوازناته المتحركة.
وتكشف المقارنة مع الحالة الليبية، أن روسيا لا تتجه نحو حسم الصراعات، بقدر ما تميل إلى إدارتها، على نحو يضمن استدامة الحاجة إلى دورها كفاعل وسيط أو كقوة مرجّحة، لا يمكن تجاوزها، ففي ليبيا، أسهمت موسكو في تكريس توازن هش طويل الأمد، وفي السودان تبدو بصدد إنتاج صيغة مشابهة قائمة على منع الانهيار الكامل لأي طرف، مع الإبقاء على قنوات التأثير مفتوحة على امتداد طيف الفاعلين.
هذا النهج يتقاطع مع تمدد النفوذ الروسي في جمهورية إفريقيا الوسطى، بما يوحي بمحاولة تشييد قوس جيو سياسي ممتد من الساحل الليبي شمالًا إلى عمق إفريقيا الوسطى، وصولًا إلى السودان والبحر الأحمر، ويمنح هذا الامتداد روسيا قدرة نوعية على الربط بين مسارح متعددة، وتوظيفها ضمن بنية استراتيجية واحدة قوامها التحكم في الموارد، وتأمين الممرات، وتعزيز الحضور العسكري.
غير أن هذا التمدد لا يجري في فراغ، بل يتشابك مع منظومة معقدة من التحالفات والتقاطعات الإقليمية والدولية، فالإمارات، بوصفها داعمًا رئيسيًا لقوات الدعم السريع، تمثل في الوقت ذاته شريكًا اقتصاديًا مهمًا لروسيا، بينما تضطلع مصر بدور محوري في دعم مؤسسات الدولة السودانية، وتتعامل بحساسية عالية مع أي حضور عسكري أجنبي في البحر الأحمر، هذا التباين يفرض على موسكو انتهاج سياسة توازن دقيقة، قوامها تفادي الاصطفاف الحاد، وبناء شبكة علاقات مرنة، تسمح لها بالمناورة بين المحاور المتنافسة.
وفي موازاة ذلك، يفتح التراجع النسبي للدور الصيني في بعض القطاعات، لا سيما الطاقة مجالًا أمام روسيا لتعزيز حضورها، لكنه في الوقت ذاته، يخلق ساحة تنافس ضمني بين موسكو وبكين، فبينما تميل الصين إلى مقاربة اقتصادية منخفضة المخاطر، تعتمد روسيا نموذجًا أكثر تركيبًا، يجمع بين الأدوات الاقتصادية والعسكرية، ما يفضي إلى علاقة مركبة، تتراوح بين التكامل والتنافس داخل الساحة السودانية.
أما على المستوى الدولي، فإن أي توجه روسي نحو إنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر، يتجاوز كونه شأنًا ثنائيًا، ليمس مباشرة توازنات القوى البحرية العالمية، في ظل ارتباطه بحسابات الولايات المتحدة وحلف الناتو وأمن الممرات الاستراتيجية، وبذلك، يتحول البحر الأحمر إلى فضاء تنافس مفتوح، يعاد فيه تعريف معادلات الردع والنفوذ.
فيما يتعلق بمآلات الصراع في السودان، فإن طبيعة الانخراط الروسي، ترجّح سيناريو إطالة أمد النزاع، بدلًا من حسمه، فموسكو عبر إدارتها المتوازنة لعلاقاتها مع مختلف الأطراف، تسعى إلى تثبيت موقعها بغض النظر عن مآلات المواجهة، وهو ما يقتضي الحفاظ على حالة من التوازن غير المستقر. ولا يعني ذلك بالضرورة سعيها لإدامة الحرب، بقدر ما يعكس استفادتها من بيئة سيولة، تسمح بتعظيم مكاسبها الاستراتيجية.
في هذا السياق، يمكن قراءة السلوك الروسي بوصفه استثمارًا مرحليًا في الفراغ الجيو سياسي، لكنه استثمار مندرج ضمن رؤية بعيدة المدى؛ لإعادة ترسيم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي. فروسيا لا تتحرك بوصفها فاعلًا تفاعليًا فحسب، بل كقوة تعيد إنتاج المجال الجيو سياسي وفق تصوراتها، مستفيدة من انكفاء نسبي للغرب، ومن حاجة الفاعلين المحليين إلى شركاء قادرين على تقديم دعم سريع وأقل تقييدًا بالشروط السياسية.
ومع ذلك، يظل هذا المسار محفوفًا بدرجة عالية من عدم اليقين، نظرًا لتعدد الفاعلين وتضارب المصالح، بما قد يفضي إلى تقاطعات حادة، سواء بين روسيا والقوى الإقليمية، أو بينها وبين القوى الدولية الأخرى. كما أن تعقيد البنية الداخلية للصراع السوداني يحد من قابلية أي تدخل خارجي لفرض ترتيبات مستقرة أو نهائية.
في المحصلة، يتبدى الدور الروسي في السودان بوصفه ممارسة مركبة لإدارة التعقيد واستثمار الفراغ وبناء نفوذ متعدد الطبقات، تتداخل فيه الأدوات العسكرية والاقتصادية، الرسمية وغير الرسمية. وهو ما يجعل موسكو فاعلًا مرنًا عالي التأثير، قادرًا على إعادة تشكيل شبكات التحالف دون الاضطرار إلى حسم الصراع، في سياق مفتوح على احتمالات متعددة، تتراوح بين تكريس أنماط نزاع ممتد، أو إعادة إنتاج توازنات جديدة، تعيد تعريف بنية الدولة والنفوذ في السودان والإقليم برمّته.