أنور الهواري (مصر 360)
العقل السياسي العربي المعاصر ليس سواء، فهو يختلف باختلاف الخبرات التاريخية التي تشكل منها. اللقاء الأول مع الاستعمار الأوروبي المعاصر في القرنين التاسع عشر والعشرين كان مختلفاً. ففي مصر والشام والجزائر والمغرب وليبيا كان اللقاء متشابهاً: ففي مصر والشام قاتلوا الغزو الفرنسي بقيادة نابليون، ثم في مصر قاتلوا الغزو البريطاني في العقد الأول ثم العقد التاسع من القرن التاسع عشر ثم نهضت حركة تحرر وطني في مصر على مدى سبعة عقود، تخللتها ثورتان حتى تم جلاء الإنجليز، وفي الجزائر قاتلت جيوش الداي حسين الغزاة الفرنسيين 1830، حتى استسلمت، ثم قاتلهم الأمير عبد القادر خمسة عشر عاماً حتى استسلم 1845، وبعده استأنف الجزائريون القتال حتى ثورة مقراني 1871، ولقي الغزاة الإسبان مقاومة باسلة في الريف المغربي؛ فعجزوا عن إخضاعه حتى عام 1926، ولقي الإيطاليون مقاومة باسلة في ليبيا تواصلت عشرين عاما 1911- 1931، وعندما وقعت العراق والشام تحت الغزوين الفرنسي والبريطاني في أواخر الحرب العالمية الأولى، واجهتهم ثورات متكررة سواء في العراق أو سوريا، أما الشعب الفلسطيني فهو في ثورة دائمة من ثورة متواصلة من مائة عام، لا تكاد تخمد حتى تشتعل، في ظل هذا السياق التاريخي، وفي المواجهة مع الاستعمار الغربي تشكل التيار الرئيسي للعقل السياسي العربي المعاصر، حيث جرت مقاومة الغزو حين داهم بلادنا، ثم انتصر علينا لاختلال موازين القوة سواء العسكرية أو السياسية، فقد جاءنا الغزاة الغربيون، بعدما استوت ثم نضجت عندهم فكرة الدولة القومية، بينما كان العرب- باستثناء مصر- قبائل في الأساس، تحت غلالة من دول هشة التكوين والملامح، كما جاءنا الغزاة الغربيون بجيوش نظامية حديثة، وهو مالم تكن لنا به خبرة إلا بعد جيوش محمد علي باشا في مصر ابتداءً من العام 1824، صحيح انهزم العرب في كافة ما بذلوه من مقاومة شريفة، لكن هذه المقاومة شكلت اللبنة الأولى في بناء العقل السياسي العربي، عقل لا يطمئن للغرب، وعلى هذا المعنى تأسست فكرة الوطنية وفكرة الدولة القومية كإطار للوعي الجمعي ضد ما يمثله الغرب من أخطار وتحديات وجودية، صحيح أنه حدث بعد الاستقلال نوع من الابتذال لفكرة الوطنية، وصارت الديكتاتوريات العربية تستخدمها شعاراً، تمارس تحته كافة أشكال القمع والقهر، لكن هذا لا يمنع حقيقة أن الوعي الجمعي الذي يتشكل منه التيار الرئيسي من العقل السياسي العربي كان وما زال يرى في الغرب خطراً كامناً أو ظاهراً وعدواً مستعلناً أو مستخفياً.
في حالة الخليج الأمر مختلف، صحيح أنه مثله مثل باقي العالم العربي- باستثناء مصر- كانت القبيلة هي التجسيد السياسي الوحيد فيه باستثناء عُمان التي كانت حتى منتصف القرن التاسع عشر إمبراطورية حقيقية، بعضها عُمان الحاضرة وبعضها في شرق إفريقيا، أما السعودية الأولى فقد أجهزت عليها قوات محمد علي باشا 1818م، ثم السعودية الثانية أجهزت عليها قوات منافسيها من آل الرشيد 1891، ثم السعودية الثالثة فقد اكتمل بناؤها 1932 أي سوف تكمل المائة عام الأولى من تاريخها 2032 م. القبيلة في الخليج كانت ذات طابع مختلف عن القبائل التي قاتلت الغزاة الفرنسيين في الجزائر، أو الإسبان في المغرب، أو الإيطاليين في ليبيا، قبائل الخليج- بالغريزة- برجماتية عملية نفعية، تحسب الحسبة ولا تندفع في مثاليات ولا وراء مبادئ ولا عقائد ولا شعارات، مهما كانت نبيلة، هذا الطبع البرجماتي هو جوهر العقل السياسي الخليجي الذي تشكل عبر قرنين من الزمن من مطلع القرن التاسع عشر حتى الاتفاقات الإبراهيمية التي هي ليست اكثر من تحالف صريح بين ثروة الخليج وقوة إسرائيل وأمريكا.
طبيعة الحياة الشاقة التي تعيشها القبيلة تفرض تلك البرجماتية، ثم السياق التاريخي الذي جرى في إطاره اللقاء مع الغرب يفرض ذلك، كانت هذه القبائل، وهذا الخليج جزءاً من طريق بريطانيا إلى درة التاج بين المستعمرات في الهند، كانت بريطانيا في حاجة إلى ولاء وخدمات هذه القبائل، وكانت القبائل مستعدة لهذا وذاك، فلم يدخل الإنجليز كغزاة، ومن ثم لم تضطر القبائل لقتال الغزاة، ثم لم يستوطن الانجليز كاحتلال، ومن ثم لم تكن ثمة دواعٍ لتنشأ حركات وطنية، تثور ضد الإنجليز أو تفاوضهم من أجل الجلاء. أخذ الانجليز كل ما يشاؤون بموجب اتفاقات، وفرضوا حمايتهم بموجب اتفاقات، ثم بعد أن قضوا أغراضهم وقرروا- من أنفسهم- تفكيك إمبراطورياتهم منحوا هذا القبائل صكوك الاستقلال، وجعلوا منها دولاً ذات عضوية في الأمم المتحدة، ولها أعلام وطنية ودبلوماسية وأناشيد وطنية.
كل ما اضطرت إليه بريطانيا، حتى تبسط سيطرتها على قبائل الخليج في مطلع القرن التاسع عشر هو: تجريد أسطول بحري خرج من مستعمراتها في بومباي الهند في 3 نوفمبر 1819، وعليه طواقم للتفاوض مع شيوخ القبائل في المنطقة بين جزيرة قطر وحدود سلطنة عمان، ونجحوا في عقد اتفاقات- مؤقتة يتم تجديدها عاماً وراء عام- معهم في يناير 1820 أصبحت تمثل دعامة النفوذ البريطاني في الخليج. ومن هذه اللحظة بدأت هذه القبائل- لأول مرة في تاريخها- تشق طريقها البطيء نحو مفهوم الدولة. يذكر دكتور عبد العظيم رمضان في ص 27 من كتابه “الغزوة الاستعمارية للعالم العربي وحركات المقاومة”، أن الاتفاقات المؤقتة تحولت في عام 1853 إلى اتفاقات دائمة. هذه البداية لبلورة العقل السياسي الخليجي قبل قرنين من الزمان، يلزم الوقوف عندها طويلاً، فهي تفسر ما يستعصي فهمه من تحولات، تبدو للبعض طارئة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك، هي من طبيعة العقل الخليجي ومن جنسه ومن طينته، وهي تعبير صادق عنه، كعقل عملي نفعي برجماتي، تأسس على الصفقات والاتفاقات وتبادل المنافع ومقايضة المصالح منذ أول يوم تأسس فيه، فلم يكن ثمة غزو ومن ثم لم تكن مقاومة، ولم يكن ثمة استيطان ومن ثم لم يكن هناك داعٍ لحركات وطنية، فقط كانت هناك حماية بريطانية مرغوبة من شيوخ القبائل، وفي المقابل كان هناك ولاء للمصالح البريطانية، يستسيغه العقل القبائلي ويتقبله دون إحساس بسيادة تنتهك أو كرامة وطنية تُجرَح، كانت المسألة أبسط من ذلك بكثير.
فكرة الوطنية في الخليج تختلف عنها في باقي العالم العربي، فهي ليست مواجهة مع الغرب ولا الاستعمار ولا أي شيء من ذلك. فكرة الوطنية في الخليج تعني أمراً خاصاً جداً، هو الحفاظ على هذا الكيان السياسي الناشئ من رحم القبيلة، والذي صار اسمه دولة، ثم الحفاظ على هذه الدولة الوليدة تحت سيادة قبيلة واحدة، تتوافق وتتراضى مع نظرائها من القبائل، ثم ضمان بقاء هذه الدولة، بعد أن تصادفت لها ثروات أسطورية دون جهد بشري، ثم وهذا هو الأهم: حماية هذه الدولة من أقرب الجوار، ثم من أكبر الجوار يستوي في ذلك العراق مع إيران مع السعودية، لهذا كله كان من المفهوم جداً أن تختار هذه الدولة أن تتقارب ثم تتحالف بما لديها من موقع جغرافي مهم ثم ثروات أهم مع القوة، سواء كانت ممثلة في إسرائيل أو أمريكا. ومما يجعل من ذلك التحالف ضرورة ثلاثة أمور: أولها أنها دول بلا عمق تاريخي أو جغرافي. ثانيها أنها دول بلا مجتمعات، إذ أهلها يمثلون أقليات وسط أغلبيات من الغرباء، ثالثها أن المطامع فيها من الأشقاء قبل الغرباء، فما فعله العراق مع الكويت أغسطس 1990 جعل الكويت وغير الكويت تتوقع الشر من أقرب شقيق أو صديق.