منى علي (صفر)
يرقى إغلاق ممر مائي استراتيجي على يد أمةٍ محاصرة إلى مصاف أندر الأحداث والآثار على مر تاريخ الاقتصاد العالمي. إذ لم يحدث هذا سوى مرتين بعد الحرب العالمية الثانية. في 1956، أغلقت مصر قناة السويس لخمسة أشهر، في عملٍ كسر عملة بريطانيا الإمبراطورية وأعلن بداية عصر البترودولار. بيّن هذا الحدث للمرة الأولى أن بمقدور دولة صغيرة إلحاق ضرر فادح بالنظام الاقتصادي المُخضِع لها. وها هي إيران اليوم تفرض حصاراً فعلياً على مضيق هرمز، شريان عبور ربع النفط العالمي عبر البحر. والسؤال الآن هل تنذر هذه الأزمة بنهاية الهيمنة الأميركية – وتدشن بداية الصراع على هوية البديل وطبيعته.
أسفرت الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران عن ترك نحو 3,000 سفينة عالقةً في مياه الخليج وعجز نفطي عالمي يفوق 11 مليون برميل في اليوم. طال الاضطراب كامل سلاسل توريد الهيدروكربونات: لا صادرات النفط والغاز وحدها، بل معها توريدات اليوريا المستخدمة في الأسمدة، والهيليوم المستخدم في أشباه الموصلات، والكبريت المستخدم في العتاد العسكري. ها هي إيران بعد معاناة طويلة من العقوبات الغربية، تستخدم السلاح الاقتصادي نفسه.
التداعيات كارثية ومتلاحقة. ففي النصف الشمالي من الكوكب، تنفَد الأسمدة بالتزامن مع بدء المزارعين بذر المحاصيل الربيعية. وينسحب الأمر ذاته على السودان الذي يعاني من المجاعة. وقد ابتدأت مصر وسريلانكا تطبيق سياسات العمل من المنزل لترشيد استهلاك النفط. ففي القاهرة، أوُعِزَت المطاعم والمحال التجارية أن تغلق أبوابها عند التاسعة ليلاً. وعلى امتداد آسيا، تتهاوى العملات – من الوون إلى الروبية – على وقع خروج رأس المال. أنفقت تركيا مليارات الدولارات للحفاظ على استقرار الليرة.
لا تدل أزمة مضيق هرمز على نهاية منظومة الدولار الهيدروكربوني التي كانت على الدوام مزيجاً قابلاً للانفجار من السطوة والتقلب. بيد أنّها تكشف عن تغييرات هيكلية لازمة لحدوث تغيير في الهيمنة
لا تقتصر الارتدادات والصدمات على الدول المكابدة لضائقة مالية. ففي بريطانيا، المستوردة الكبيرة للطاقة، ارتفعت عائدات السندات السيادية (المؤثرة في كلفة الاقتراض الحكومي) إلى مستويات لم تصلها منذ الأزمة المالية في 2008. أما الولايات المتحدة، أكبر منتجي النفط والغاز، فلعلها أقل تأثراً بالاضطرابات، لكن لا يزال من المتوقع أن يتجاوز معدل التضخم فيها 4%. وعلى صعيد المستثمرين، فقد عمد هؤلاء إلى التخلص من سندات الخزانة الأميركية بسرعة وكمية دفعت بعض بنوك وول ستريت إلى ترك شاشاتها والعودة إلى الطريقة القديمة في التداول البشري المباشر. من جهتها، تشذ الصين عن الفوضى العامة، وهي التي تمتلك احتياطيات ضخمة من الطاقة، إذ لا تزال عائدات سنداتها مستقرة.
تُمثل أزمة هرمز اختبار ضغطٍ مالي، بقدر ما هي كشف حساب جيوسياسي. إذ قد تُؤذن بأفول عهد الدولار الأميركي، بصفته عملة الاحتياطي العالمي ومعيار القيمة الكوني – وضعية حملت الهيمنة الأميركية طيلة سبعة عقود. ففي خلال هذه الحقبة، تفرد الدولار بتقويم السعر العالمي للنفط الخام (تجارة فاقت قيمتها التريليون دولار في 2024) ومعظم الديون العالمية، المُقدرةِ إجمالاً بنحو 100 تريليون دولار من الديون القائمة. وفي غضون السنوات الأخيرة، مال ارتفاع أسعار الطاقة إلى تقوية الدولار، بتحويله الثروات من الدول الأقل قدرةً على تكبد فداحة الخسارة إلى الولايات المتحدة.
لا تدل أزمة مضيق هرمز – حتى اللحظة – على نهاية منظومة الدولار الهيدروكربوني التي كانت على الدوام مزيجاً قابلاً للانفجار من السطوة والتقلب. بيد أنّها تكشف عن تغييرات هيكلية لازمة لحدوث تغيير في الهيمنة. سمحت إيران بمرور سفن الدول «غير المعادية» لقاء رسوم عبور تبلغ 2 مليون دولار، تفضِّل استلامها باليوان. لئن تحول العالم عن الدولار الهيدروكربوني إلى البترويوان، فسوف يتردد عندئذٍ صدى آخراً من أصداء أزمة قناة السويس التي أنهت عهد الجنيه الإسترليني كعملة احتياطي عالمية. لكن على خلاف 1956، تتمتع دول الجنوب العالمي اليوم بثقل سياسي وازن لصياغة ملامح النظام الاقتصادي الناشئ.
تشهد الهيمنة الأميركية تآكلاً على مدار سنوات سبقت أزمة مضيق هرمز. تتعدد الأسباب وراء هذا التآكل، فمنها تنامي الاستياء من هيمنة الدولار وصعود الصين بوصفها منافس هيكلي والدفع نحو تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتزايد الحزم الجيوسياسي في الجنوب العالمي.
جاء المنعطف المفصلي قبل 4 سنوات حين اجتاحت روسيا أوكرانيا. واستجابةً لذلك، عمدت الولايات المتحدة إلى حشد تكتلٍ دوليٍ واسع بغية فرض حزمةٍ من العقوبات على موسكو. وفي المقابل، رد بوتين بوقف إمدادات الطاقة عن أوروبا؛ لتخرج أسعار الغاز عن السيطرة. وتحت وطأة اليأس، سارع قادة أوروبا إلى مضاعفة الاستثمارات في الطاقة النظيفة، بالتوازي مع التحول نحو مصادر بديلةٍ للوقود الأحفوري، من بينها الغاز الطبيعي المسال الأميركي. وبحلول العام 2023، جاءت قرابة نصف واردات القارة من الغاز من الولايات المتحدة، لتحصد صناعتُها النفطية والغازية أرباحاً قياسية. وعلى وقع تصاعد فواتير الطاقة، توالت قرارات الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم؛ فتراكم بذلك مزيد من العوائد في خزائن البنوك الأميركية. تضافر المسار التصاعدي لقيمة الدولار مع تفاقم أعباء سداد الديون وأسفرا عن أشد تراجعٍ سنويٍ في احتياطيات النقد الأجنبي العالمية منذ ما يربو على عقدين من الزمن.
بيّنَت أزمة الطاقة في العام 2022 القوة القسرية الاستثنائية للدولار الإمبراطوري: قدرة الولايات المتحدة على إقصاء روسيا عن النظام المالي العالمي بين عشيةٍ وضحاها. وهي دروسٌ وعاها الجنوب العالمي جيداً، وطالما حدث هذا لروسيا، يمكن تكراره على أي دولةٍ أخرى
بيّنَت أزمة الطاقة في العام 2022 القوة القسرية الاستثنائية للدولار الإمبراطوري: قدرة الولايات المتحدة على إقصاء روسيا عن النظام المالي العالمي بين عشيةٍ وضحاها. وهي دروسٌ وعاها الجنوب العالمي جيداً، وطالما حدث هذا لروسيا، يمكن تكراره على أي دولةٍ أخرى. وعليه، تصاعدت وتيرة البحث عن بدائل للاعتماد على الدولار – مسارٌ طالما تصدر أروقة الدبلوماسية ومقررات قمم بريكس. توسع نظام الدفع عبر الحدود الصيني. تضاعفت الاتفاقيات التجارية الثنائية المُقومة بالعملات المحلية. بموازاة ذلك، شرعت مجموعة بريكس، بعد توسعها العام 2024 بضم مصر وإثيوبيا والسعودية والإمارات وإيران، في التداول حيال تأسيس بنيةٍ تحتيةٍ مشتركةٍ للتسويات المالية، مستقلةٍ عن الأنظمة المتمحورة حول الدولار كنظام سويفت. لم تبلغ أيٌّ من هذه المبادرات مرتبة الإحلال الكلي للدولار. عمدت بعض الدول إلى تعزيز احتياطياتها الدولارية، بالتزامن مع اتجاه أخرى صوب تنويع حيازاتها بالذهب، وفعلت فئة ثالثة الأمرين. بيد أن تضافرها قد أرسى المعالم الأولية لهيكلٍ ماليٍ بديل.
رسّخ الاجتياح الروسي عن غير قصدٍ الهيمنة الأميركية على أسواق الطاقة العالمية. (فحتى قُبيل اندلاع حرب أوكرانيا، استأثرت الولايات المتحدة بإنتاج خُمس النفط والغاز عالمياً؛ مُتخطيةً بذلك سائر الدول). عمدت واشنطن إلى توظيف تلك السطوة بنهجٍ متصاعد التعسف، فطمست الفواصل بين مناورات السوق وممارسات الإكراه الاقتصادي. وعلى سبيل المثال، تتضمن عقود الغاز الطبيعي المسال الأميركية، على النقيض من نظيراتها القطرية، بنداً لـ«مرونة الوجهة» يتيح تحويل مسار المُنتَج صوب الأسواق الأربح في أوروبا. أسفر هذا عن نقص حاد في آسيا، وجملة تداعياتٍ أخرى.
وعلى خلفية هذا المشهد، بدأ تصدع الأسس السياسية للهيمنة الأميركية. فالتهديدات بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي، واستهداف حلفاء ككندا والدنمارك، والحروب الجمركية التعسفية؛ بددت بِرُمّتها وهم قيام أميركا – ودولارها الهيدروكربوني – بدور القوة الضامنة للاستقرار. ولئن استلزمت الهيمنة قبولاً من الكيانات الخاضعة لتنظيمها، فقد استبدل به ترامب شيئاً أقرب إلى الانتزاع الخالص: «ادفع أو استحمل».
كيف قد تبدو إرهاصات التحول في الهيمنة؟ تُقدم أزمة السويس أُنموذجاً تاريخياً في هذا الصدد. ففي منتصف القرن العشرين، تدفق جُلّ النفط المُتجه صوب أوروبا عبر قناة السويس على متن سُفنٍ تنقله من حقولٍ نفطيةٍ خاضعةٍ – بأغلبيتها – للسيطرة البريطانية في الخليج. كان «نفط الإسترليني» بالغ الأهمية لاستقرار المالية البريطانية الهشة بعد الحرب، والمُثقَلةِ بديونٍ طائلةٍ لصالح الولايات المتحدة. ولطالما رابطت القوات البريطانية في منطقة القناة، حيث تستوفي شركة قناة السويس الأنغلو-فرنسية رسوم وتعرفات العبور. وبحلول العام 1954، انتزع جمال عبد الناصر اتفاقاً يقضي بانسحابها في غضون عامين.
بُعيد جلاء آخر طلائع القوات البريطانية في العام 1956، وإثر كشف أن عبد الناصر كان يشتري أسلحة من السوفييت، بادرت الولايات المتحدة وبريطانيا، على نحوٍ مباغت، إلى التنصل من تعهداتهما بتمويل بناء السد العالي. وفي خطوةٍ انتقامية، عمد عبد الناصر إلى تأميم شركة قناة السويس. لم يتسبب هذا الاستحواذ في إيقافٍ فوريٍ لحركة الملاحة في القناة، لكنّه برهن على قدرة مصر على جعل الممر المائي سلاحاً بيدها. ولتأمين عبور «نفط الإسترليني» بالقوة، غزت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل مصر. كان لتل أبيب مسوغاتها الخاصة لخوض غمار هذه المغامرة، فقد دأبت مصر – بالتعاون مع السعودية – منذ النكبة على حظر عبور ناقلات النفط المتجهة صوب إسرائيل عبر القناة.
جاء رد عبد الناصر بسيطاً، لكنّه فعّال: إغراق سفن مُعبأةٍ بالخرسانة بغية سد القناة. وقد تسبب هذا الإغلاق من تشرين الأول/أكتوبر 1956 حتى آذار/مارس 1957 في حالات نقص حاد في الإمدادات النفطية داخل بريطانيا. قُنِّن استهلاك البنزين، وخُفِّضَت إمدادات وقود التدفئة. عمد هارولد ماكميلان إلى تقليص الإنفاق الدفاعي، واستنزاف الاحتياطيات الدولارية لبريطانيا في محاولة مستميتة لحماية الجنيه الإسترليني. وعلى الرغم من ذلك كله، احتاجت بريطانيا، بحلول العام 1957، إلى حزمة إنقاذٍ ماليٍ من صندوق النقد الدولي.
بعثت أزمة السويس ارتداداتٍ طالت أقصى أصقاع الاقتصاد العالمي. أنعشت الميزانيات العمومية الأميركية، وقوّضت مكانة بريطانيا في التراتبية العالمية، وحكمت على الجنيه الإسترليني بمستقبلٍ من عدم الاستقرار المزمن
وجهت تلك الاضطرابات مُضاربي العملات إلى الجنيه الإسترليني؛ فبدؤوا موجاتٍ متلاحقةٍ من عمليات البيع المكثف. ومع إطالة أمد المواجهة، تنامت مخاوف إدارة أيزنهاور حيال انقلاب الدول النفطية في الشرق الأوسط على الغرب، واصطفافها إلى جانب الاتحاد السوفياتي. وعليه، أحجمت واشنطن عن إمداد بريطانيا بالدولارات والنفط لتمويل حملة السويس، لتحقق بذلك أثرها المنشود: إجبار بريطانيا على الرضوخ وإجلاء قواتها. في المقابل، استلزم إقناع إسرائيل وقتاً أطول. إذ كان على أيزنهاور التلويح بورقة العقوبات لإرغام تل أبيب على الانسحاب من سيناء وقطاع غزة.
بعثت أزمة السويس ارتداداتٍ طالت أقصى أصقاع الاقتصاد العالمي. أنعشت الميزانيات العمومية الأميركية، وقوّضت مكانة بريطانيا في التراتبية العالمية، وحكمت على الجنيه الإسترليني بمستقبلٍ من عدم الاستقرار المزمن. أُجبر حي المال اللندني على إعادة صياغة هويته ليصبح المستشار لأسواق الدولار. وعلى الرغم من ذلك، واصل الإسترليني تمويل ثلث التجارة العالمية. وقد استلزم الأمر انقضاء بضعة عقودٍ إضافية – شهدت انهيار نظام بريتون وودز، ومواجهة أوبك إبّان السبعينيات، وصدمة فولكر، وأزمة الديون العالمية في الثمانينيات – قبل أن يرسخ نظام الدولار أركانه.
وبقراءةٍ استرجاعية، لم تمثّل أزمة قناة السويس، على وجه الدقة، نهاية حقبةٍ. بل كانت بمثابة لحظة التجلي الأول لمسار تحول في الهيمنة من الإسترليني إلى الدولار. ينسحب هذا التشخيص بِحذافيره على أزمة مضيق هرمز. والسؤال الآن: كيف قد يبدو النظام التالي؟
تتبلور في دول الجنوب العالمي ملامح هذا البديل على مدار السنوات القليلة الماضية؛ في تسارع وتيرة تشييد منظومات الطاقة النظيفة من ألواحٍ شمسية ومزارع رياح ومركباتٍ كهربائية ومصانع للبطاريات ومشروعات الهيدروجين الأخضر، وباتت تلك الطاقة المخرج المرتقب من شرك الدولار الهيدروكربوني.
بالنظر إلى الانخفاض الكبير لأكلاف إرساء منظومات الطاقة النظيفة، فهذا الخيار العقلاني بكل وضوح. في العام 2022، وإثر مكابدة شحٍ حادٍ في الدولار، وتكبد خسائر فادحة جراء الفيضانات العارمة، شهدت باكستان ثورةً في قطاع الطاقة الشمسية بقيادة المستهلكين، وبات خُمس الإمدادات الكهربائية للبلاد تأتي اليوم من هذا القطاع. لا ينحصر نطاق هذا التحول في الدول الأفقر. فقد دفع الاجتياح الروسي الاتحاد الأوروبي صوب ضخ الاستثمارات في قطاع الطاقة النظيفة الذي يستأثر حالياً بنسبة 92% من إجمالي الاستثمارات في مجال الطاقة. أما حصة الطاقة النظيفة في الصين فتقترب من عتبة الـ70%. وعلى الصعيد العالمي، يتدفق ثلثا الاستثمارات الجديدة في قطاع الطاقة (3.3 تريليون دولار) إلى التكنولوجيا النظيفة. وقد أسفرت الزيادة الراهنة في أسعار النفط عن تحفيز الطلب الفعلي على المركبات الكهربائية منخفضة الكلفة في كلٍ من الصين وفيتنام.
وفي بُعدٍ بالغ الأهمية، يُتيح التحول إلى الطاقة النظيفة سيادة أكبر. إذ يمكن تثبيت الألواح الشمسية على أسطح مباني لاهور بمعزلٍ عن أي تسوياتٍ دولارية. كما بوسع رواد الأعمال تشييد مزارع للرياح في المغرب من دون التعرض لعقوبات أميركية. وعلى النقيض من ذلك، يجب استيراد النفط والغاز الطبيعي المسال، المسعرَين بالدولار، مع وجوب سداد أثمانهما من احتياطياتٍ مُهددةٍ بتآكل قيمتها على وقع الصدمة الأميركية التالية.
لا شك، يظل مسار التحول الأخضر متفاوتاً بشدة – تقيده في الكثير من البلدان محدودية الوصول إلى رأس المال والتكنولوجيا – ويخلق ارتهاناتٍ جديدة خاصةٍ به. تبرز الصين بمثابة مركز الثقل الناشئ. فمنذ العام 2022، شهدت استثماراتها الأجنبية في التكنولوجيا النظيفة طفرةً هائلة طالت 50 دولة، وبحجمٍ وطموحٍ يحيل أي مقارنةٍ بخطة مارشال إلى مجرد مفارقةٍ تاريخية. تتمركز غالبية أنشطة التصنيع الأخضر هذه في جنوب شرق آسيا؛ وتنمو بوتيرة متسارعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كل تلك المناطق يزداد اعتمادها على التمويل والخبرات التقنية الصينية.
تتبلور في دول الجنوب العالمي ملامح هذا البديل على مدار السنوات القليلة الماضية؛ في تسارع وتيرة تشييد منظومات الطاقة النظيفة وباتت تلك الطاقة المخرج المرتقب من شرك الدولار الهيدروكربوني
لن تشهد سطوة الدولار انحساراً متسارعاً. بل على النقيض من ذلك، تعاظم نفوذ نظام الدولار إبّان أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، على وقع ترنح الاقتصاد العالمي بين الأزمات المتعاقبة، مُستدعياً تدخلاتٍ هيكليةٍ أميركيةٍ أوسع نطاقاً. فإبّان الانهيار المالي في العام 2008، على سبيل المثال، عمد الاحتياطي الفيدرالي رسمياً إلى تأسيس شبكة «خطوط مبادلة» أتاحت للحلفاء المقربين – كالاتحاد الأوروبي واليابان – الوصول إلى السيولة الدولارية الطارئة، وهم منذ ذلك الحين يعتمدون عليها بشدة.
تُمثل هذه الدعامة المالية طوق نجاة: بمقدور الاحتياطي الفيدرالي طباعة الدولارات وتبديد مشكلات السيولة. بيد أنّها في الآن ذاته لجام. فقد غدا سلوك ترامب تجاه الحلفاء غريباً متقلباً بوتيرة متزايدة، يتجلى ذلك الآن في توبيخه للشركاء في حلف شمال الأطلسي لعدم الانضمام إليه في «نزهته» إلى مضيق هرمز. إذا تفاقمت أزمة الطاقة، يُرجح ممارسته ضغوطاً على وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي لتحويل الدعم المالي الأميركي إلى سلاح. وفي واقع الأمر، لم يعد من الممكن عدّ حزم الإنقاذ الفيدرالية أمراً مضموناً. فأي دولة ترفض الرضوخ تعرض نفسها لخطر فقدان هذا الدعم بالكامل.
ينتهي جُلّ النفط المُتدفق عبر مضيق هرمز إلى القارة الآسيوية. وقد طالت الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن الهجوم الأميركي-الإسرائيلي كبار مستوردي الوقود الأحفوري من الدول الثرية كاليابان وكوريا الجنوبية، وقد تكبدتا مليارات الدولارات للحفاظ على استقرار عملتيهما. وفي حال حدوث انهيارٍ مالي، تستطيعان على الأقل استخدام خطوط المبادلة الدولارية؛ وهو خيار ليس متاحاً للمستوردين الأفقر في القارة كبنغلاديش والفلبين.
تطرح باكستان أمامهم أُنموذجاً مغايراً. فقاعدتها الشمسية أكسبتها مرونة طاقية أكثر ومنحتها ثقلاً جيوسياسياً أكبر مما توقعه جُلّ المراقبين. فاستطاعت إسلام آباد تأمين العبور الآمن لشحناتها النفطية عبر المضيق.
يغلب على أزمات الطاقة إحداث تبعات سلبيةٍ حادةٍ وممتدة الأثر. ولعل ذلك يفسر مبادرة وكالة الطاقة الدولية (كونسورتيوم من 32 دولة) بإعلان ضخ 400 مليون برميلٍ نفطيٍ في الأسواق العالمية؛ في مسعىً استثنائيٍ متعدد الأطراف. وحتى الولايات المتحدة – الدولة المارقة بكافة المقاييس – تتخذ إجراءات لتخفيف الآثار السلبية. فقد رفع وزير الخزانة سكوت بيسنت العقوبات مؤقتاً عن النفط الروسي المنقول بحراً، فضلاً عن النفط الإيراني؛ ليتيح بكل صراحة دخولهما إلى الداخل الأميركي. وعلى الرغم من حمل كلتا الخطوتين دلالاتِ يأسٍ، فإنهما تُنذران —بشؤم— باحتمالية الاستيلاء على قطاع النفط الإيراني على الطريقة الفنزويلية.
وإلى غاية اللحظة، لم تنجح أي من تلك التدخلات. إذ يواصل خام برنت تحليقه عند تخوم 110 دولارات للبرميل، بعدما كان 60 دولاراً قُبيل اندلاع الحرب. بموازاة ذلك، تحصد إيران التي تمر سُفنُها عبر المضيق بحريةٍ مطلقة قرابة ضعف العوائد النفطية المُحققةِ إبّان العام المنصرم.
تَرَقُّبَ الانهيار المباغت للقوة الأميركية، وإفساح المجال لبديلٍ أفضل، يُعدُّ ضرباً من السذاجة. فالأرجح تآكلها المتدرج، مع إجهاضها – بالعنف والإكراه الاقتصادي – لإرهاصات بزوغ نظامٍ دوليٍ جديد
أماطت أزمة مضيق هرمز اللثام عن هشاشة منظومة الوقود الأحفوري، وفضحت حدود القوة الأميركية. إذ لم تعد تبدو واشنطن قادرة على حسم حروبها المُفتعلة، أو احتواء التداعيات الاقتصادية الناجمة عن تهورها. بيد أن تَرَقُّبَ الانهيار المباغت للقوة الأميركية، وإفساح المجال لبديلٍ أفضل، يُعدُّ ضرباً من السذاجة. فالأرجح تآكلها المتدرج، مع إجهاضها – بالعنف والإكراه الاقتصادي – لإرهاصات بزوغ نظامٍ دوليٍ جديد. وتنتصب، إذا لزم الأمر، غزة ولبنان وإيران شواهد شاخصةٍ على اليد الطويلة لآلة الحرب الأميركية.
وفي غمرة يصب العالم جُلّ اهتمامه على إيران التي تقصفها الولايات المتحدة لتعيدها «إلى العصر الحجري»، تفرض واشنطن بالتوازي حصارها النفطي الخاص. وإذ يترنح الاقتصاد الكوبي على شفا الانهيار، من المؤلم أن يتذكر المرء أنّه في هافانا صاغت الأممية الأولى إطار عملٍ طموحٍ للتجارة والتوظيف للنظام الدولي بعد الحرب. اقترح ميثاق هافانا آلياتٍ لإرساء استقرار أسعار السلع الأساسية، وإعادة هيكلة التجارة العالمية لتحرير الجنوب العالمي من الارتهان المستمر للقوى الاستعمارية القديمة. بيد أن رفض الولايات المتحدة المصادقة على الميثاق أفضى إلى وأده.
أيُّ دولٍ سوف تجتمع لصياغة ميثاق هافانا جديد والالتزام به؟ إن توسع مجموعة بريكس وأنظمة الدفع الإقليمية وطفرة الطاقة النظيفة، لا تُشكل في حد ذاتها تحالفاً من هذا القبيل، بيد أنها تُمثل مُجتمعةً مواده الخام. والحلقة المفقودة هنا هي الفعل السياسي المُؤسِس؛ فعل يضاهي بريتون وودز جديد لنظام ما بعد الهيمنة الأميركية، لا يستمد شرعيته من المصادقة الأميركية أو حتى انخراطها فيه.
جعلت أزمة مضيق هرمز أُفول الهيمنة الأميركية ممكنة التخيل. كما برهنت، للمرة الأولى ربما، على حيازة الجنوب العالمي الإرادة السياسية والأفكار اللازمة لبناء نظامٍ دوليٍ جديد.