تقارير

الحرب لم تنتهِ في بحر غزة

post-img

محمد النعامي - مؤسسة الدراسات الفلسطينية

يشق قارب صيد صغير، على متنه صيادون، طريقه هارباً نحو شاطئ بحر غزة، وتطارده في الخلف طلقات الجنود الإسرائيليين المنطلقة من الزوارق الحربية، وصليات من الرصاص المتفجر التي لا تتوقف وتنهمر لتصيب القارب ومحيطه.

سرعان ما بدأت الدماء تتسرب من القارب الصغير إلى مياه البحر، معلنةً ارتقاء الصياد عبد الرحمن القن شهيداً، بينما أُصيب رفيقه الصياد يامن القن، بجراح خطِرة، لتضاف دماؤهم إلى دماء 232 صياداً قتلهم الاحتلال.

وعلى الرغم من الإصابة، فإن يامن لم يتوقف عن التجديف، بل كافح بآخر ما تبقّى لديه من قوة، حتى تمكن من الوصول إلى الشاطئ، حاملاً معه جثمان رفيقه الذي قضى بتهمة محاولة إطعام أطفاله.[1]  

جرائم مستمرة
في 4 كانون الثاني/يناير 2026، كان المشهد الدموي، الذي وُثِّق بكاميرا من الشاطئ قبالة منطقة المواصي جنوبي القطاع، غيض من فيض من عمليات القتل والإعدام الذي ينفذها الاحتلال، هذه الجريمة التي تتكرر بصورة شبه يومية بحق صيادي قطاع غزة؛ إذ تتحول رحلة البحث عن الرزق إلى رحلة موت، ويتحول البحر إلى ساحة يقتنص فيها جنود الاحتلال الصيادين.

والجدير بالذكر أن جرائم الاحتلال بحق الصيادين في غزة لم تبدأ مع الحرب الأخيرة، إنما يمتد تاريخها إلى ما بعد النكسة. إذ ازدادت حدتها منذ 2007 مع فرض الاحتلال حصاراً شاملاً، براً وبحراً، على قطاع غزة. وخلال تلك السنوات، تقلصت مساحات الصيد المسموح بها عدة مرات، وتعرّض الصيادون بصورة ممنهجة لإطلاق النار أو الاعتقال في أثناء ممارسة عملهم في البحر.

بيد أن ما يحدث اليوم يمثل مرحلة غير مسبوقة من التصعيد والتضييق؛ إذ يترافق الاستهداف المباشر مع تدمير واسع للبنية التحتية لقطاع الصيد، بحسب ما يقوله الصيادون.

وتطرح هذه الجرائم تساؤلاً عميقاً لدى الصيادين، حول هدف الاحتلال من الاستهداف المتواصل لهم، ومحاولته الواضحة لإنهاء تواجدهم في البحر عبر اعتداءاته الدموية.

وفي هذا السياق، أفاد مسؤول لجان الصيادين الفلسطينيين، زكريا بكر، بأن الاحتلال يواصل انتهاكاته الجسيمة بحق الصيادين منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على القطاع وحتى بعد وقف إطلاق النار، مؤكداً أن هذه السياسة لا تقتصر على استهداف الصيادين بالقتل فحسب، بل أيضاً تهدف بوضوح إلى تحويل البحر منطقةً محظورة وخطِرة، عبر فرض منع شامل للصيد، وإطلاق النار المتكرر على كل مَن يحاول الوصول إلى البحر، بالإضافة إلى استهداف المرافئ ونقاط تجمع الصيادين القصف الجوي والبري.

وأوضح بكر أن المساحة التي يعمل فيها الصيادون في بحر غزة لا تتجاوز 2% من مساحة الصيد الطبيعية، وحتى في هذا النطاق الضيق يتعرضون دائماً لإطلاق النار والاعتقال والمصادرة، فضلاً عن الإصابات المباشرة التي تطالهم.

وأكد أن هذه السياسة تسعى لشل قطاع الصيد بالكامل، وحرمان آلاف العائلات من مصدر رزقها الوحيد، في ظل أوضاع معيشية واقتصادية كارثية.[2]  

"الموت يحاصرنا"
للوقوف على واقع الصيادين عن قرب، توجهنا إلى شاطئ مدينة دير البلح، حيث تجمع عشرات الصيادين، في جوار مراكبهم المركونة فوق رمال الشاطئ ويراقبون البحر بحذر وترقب.

وهناك، أجمعوا على أن الاحتلال يعتبرهم هدفاً عسكرياً في الأوقات كافة، سواءً كانوا في عرض البحر أو حتى على الشاطئ، وخلال الحرب أو بعد وقف إطلاق النار؛ إذ يتعرضون للاستهداف المباشر من دون أي مبرر.

وفي مقابل سواحل القطاع، وبمسافة تقل عن كيلو متر، تصطف الزوارق الحربية موجهة مدافعها تجاه غزة وصياديها، وفي بعض الأحيان تقترب الزوارق بشدة من الشاطئ وتلاحق الصيادين، وتسبب الفزع للنازحين، الذين يطالهم أيضاً نصيب من رصاص وقذائف الزوارق.

قال الصياد محمود سعد، وهو أحد الصيادين الذين عايشوا جرائم الاحتلال: إن رحلة الصيد، أو ممارسة مهنة الصيد عموماً، باتت اليوم أقرب إلى الانتحار، لكن لا بديل عنها كمصدر دخل بالنسبة إليه، وخصوصاً في ظل الأوضاع المعيشية القاسية التي يعيشها قطاع غزة من فقر وبطالة وانهيار اقتصادي شامل.

وأضاف في حديث لنا: "إننا نخرج في كل رحلة ونعلم أننا أقرب إلى الموت من الحياة، من دون أي ضمان للعودة سالمين، عدا أن فرص النجاح في صيد الأسماك أصبحت ضئيلة للغاية إذ إن المساحة المتاحة للصيد محدودة والأسماك فيها شحيحة."

وأكد سعد أن كل صياد عمل أو جرب العمل خلال فترة الحرب يمكنه أن يروي عشرات، وربما مئات المواقف، التي كان الموت فيها قريباً جداً منه.

كما روى أحداثاً صعبة تعرّض لها مؤخراً في أثناء إبحاره للصيد، قائلاً: "شخصياً نجوت من الموت عدة مرات، إحدى الحوادث كانت عندما انطلقت مع شقيقي على متن القارب لمسافة تتراوح من 150 إلى 200 متر داخل البحر، وهي منطقة يُفترض أنها آمنة للصيد. وفجأة، بدأ إطلاق نار كثيف من زوارق الاحتلال في اتجاهنا، وبدأنا محاولة النجاة وعشنا أوقاتاً مرعبة كدنا خلالها نخسر حياتنا."

وتابع الصياد أن إطلاق النار انهال بكثافة من مناطق تمركز زوارق الاحتلال، وكان موجهاً مباشرةً نحوهما. وأوضح أن الاحتلال أصاب المركب بطلقتين، بينما كانت الرصاصات تتطاير فوقهما وحولهما على مسافة قريبة جداً، كادت إحداها أن تصيبه.

وأوضح أنهما شرعا في التجديف بطريقة هستيرية في اتجاه الشاطئ، في حالة من الهلع الشديد، يترقبان كل رصاصة يمكن أن تنهي حياتهما في أي لحظة. وأشار إلى أنهما وصلا إلى الشاطئ بأعجوبة، إلاّ إن إطلاق النار لم يتوقف حتى بعد الوصول، واستمر تجاه الشاطئ.

وأكد الصياد أن جميع الصيادين يتعرضون لمثل هذه المواقف الخطِرة في أثناء عملهم في البحر، إلاّ إن القليل منهم فقط يتمكن من النجاة.

وشدد على أن الزوارق الحربية تطلق الرصاص والقذائف بصورة متواصلة، وتحاول بشتى الطرق قتل الصيادين فور دخولهم ضمن مدى أسلحتها. وأضاف إلى أن هذه الجرائم أدت إلى تشريد مئات من عائلات الصيادين وإحالتها إلى اليتم والفقر والضياع.

كما أوضح سعد أن الصيادين يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مُرّ، إمّا ترك أطفالهم يواجهون الجوع وعائلاتهم تغرق في الفقر، وإمّا المخاطرة بحياتهم ومحاولة التكيف مع أحوال الحرب والموت المحيط بهم.

وقال إنه اختار محاولة التكيف مع أحوال الحرب، لذلك يبحر لمسافات قريبة من الشاطئ ولا يمكث طويلاً في البحر، مع حرصه قبل الإبحار على مراقبة وجود الزوارق الحربية القريبة من مناطق الصيد.

وأضاف إلى أنه وزملائه في المهنة يتوخون أقصى درجات الحذر، ويتجنبون الإبحار قبالة المناطق التي تتركز فيها خيام النازحين؛ إذ إن نيران الرصاصات والقذائف التي تستهدف الصيادين في الأغلب ما تطال تلك الخيام المنتشرة على الشاطئ. ويأتي هذا الإجراء في محاولة جادة من طرف الصيادين للحفاظ على أرواح العائلات النازحة.[3]  

استئصال مهنة الصيد
لم يكتفِ الاحتلال بجرائمه الدموية بحق الصيادين فقط، بل أيضاً عمل على تدمير قطاع الصيد بالكامل خلال الحرب وحتى بعدها، وهو ما أكد عليه رئيس نقابة الصيادين في غزة، زكريا بكر؛ إذ قال: إن تدمير هذا القطاع كان تدميراً إسرائيلياً ممنهجاً، سبقته سنوات من الحصار البحري الخانق، ومنع لإدخال معدات الصيد، وعمليات الملاحقة والمطاردة اليومية للصيادين حتى قبل حرب الإبادة.

وأشار بكر إلى أن قطاع الصيد يُعد ثاني أهم قطاع إنتاجي في غزة بعد الزراعة، وكشف أن الاحتلال دمر خلال أشهر الحرب الأولى 95% من مراكب الصيادين، لإحداث عجز في تأمين الغذاء لأكثر من مليونيْ فلسطيني.

كما أوضح أن ميناء غزة كان يؤمّن ما نسبته 70% من الإنتاج السمكي في القطاع، وكان يصدّر في كثير من الأحيان إلى الضفة الغربية.

وكشف أيضاً أن الاحتلال دمر الميناء بأكثر من 26 صاروخاً من مقاتلات "16F "، وشطره إلى نصفين؛ الأمر الذي أدى إلى غرق مئات المراكب والقوارب البحرية الصغيرة، بالإضافة إلى المراكب السياحية، فضلاً عن تدمير محلات بيع الأسماك والمنشآت المرتبطة بقطاع الصيد.[4] 

ويأتي استهداف الاحتلال لقطاع الصيد في غزة، كجزء من تدميره الشامل للاقتصاد في القطاع الذي يسجل انكماشاً بلغ 84%، ورفع نسبة البطالة المستفحلة في غزة؛ إذ بلغت نسبة البطالة 78% وهي النسبة الأعلى عالمياً.[5] 

ويعمل الاحتلال، عبر تدميره مناحي الحياة كافة، وخصوصاً الاقتصاد، على جعل قطاع غزة مكاناً غير صالح للحياة، ولكي يشجع الهجرة منه، ضمن مخططه الواضح لإفراغ غزة من أهلها، وهو المسعى الذي لم يتوقف الاحتلال عن محاولة تنفيذه على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار.

أمّا الصياد سالم التعابين، فقد قال إنه اعتزل مهنة الصيد منذ بداية الحرب على غزة، لكنه اضطر إلى العودة إلى البحر مع اشتداد المجاعة؛ إذ لم يكن أمامه خيار آخر لإطعام عائلته. وأوضح أن المخاطرة كانت هائلة، لكنه انطلق بأدنى الإمكانات لمحاولة صيد الأسماك، بعد أن هدد الجوع حياة أطفاله.

وأضاف في حديث لنا: "عندما وصل الأمر إلى حد أن أرى أطفالي في حالة من الإعياء نتيجة قلة الطعام، لم يكن أمامي خيار سوى المخاطرة والعودة إلى البحر، ومع عودتي إلى العمل عشت لحظات كان الموت فيها قريباً مني، وكاد رصاص الزوارق أن يصيبني في أكثر من مناسبة."

وأوضح التعابين أن رصاص الزوارق الحربية ليس رصاصاً عادياً، إنما هو رصاص يشبه القذائف الصغيرة، ويطلق الاحتلال النار بطريقة تصيب القارب مباشرةً أو تحدث انفجاراً قريباً منه، وهو ما يتسبب بأضرار جسيمة، بالإضافة إلى القصف المباشر الذي تشنه الزوارق بشتى الأساليب.

وأشار إلى أن عمليات الاعتقال من الانتهاكات التي يتعرض لها الصيادون أيضاً. وأوضح أن الزوارق الحربية تتجه بسرعة نحو القوارب الصغيرة، وتقوم باعتقال الصيادين ومعاملتهم بوحشية؛ إذ يجبرون على البقاء في المياه الباردة قبل صعودهم إلى الزورق الحربي الإسرائيلي.

وأضاف إلى أنه بمجرد صعودهم يتعرضون للتعذيب مرة أُخرى، ثم يُقادون إلى السجون، بحيث يواجهون أساليب تعذيب شديدة ويجري استجوابهم عن أشخاص داخل غزة، وليس عن مهنة الصيد، مؤكداً أن بعض الصيادين ما زالوا في عداد المفقودين حتى اليوم.

وشدد الصياد على أن الاحتلال يعمل بطريقة ممنهجة منذ بداية الحرب على تدمير قطاع الصيد في غزة، عبر قصف الموانئ، واستهداف المراكب حتى وهي خارج البحر، وقصف غرف الصيادين، واغتيال صيادين بعينهم.

وأكد أن الاحتلال لم يترك وسيلة إلاّ واستخدمها بغية تدمير هذا القطاع الحيوي، حتى عندما يكون الصيادون ضمن المسافات المسموح بها وفق اتفاقات وقف إطلاق النار.

وأكد التعابين أيضاً أن الاحتلال يمنع بالكامل إدخال أي معدات لإصلاح القوارب أو إدخال قوارب جديدة، وهو ما دفع بعض الصيادين إلى صناعة مراكب بدائية من الأخشاب والبلاستيك. وأوضح أن الأضرار التي تصيب محركات القوارب أو بنيتها تكلف مبالغ كبيرة، في وقت لا يعود فيه الصيد بأي دخل حقيقي بسبب القيود المفروضة، وهو ما يجعل واقع الصيد في غزة اليوم الأسوأ على الإطلاق.

وأيضاً، تساءل عن صمت الوسطاء تجاه الخروقات اليومية التي يرتكبها الاحتلال في كل قطاع غزة، وخصوصاً على طول الشاطئ وفي مياه البحر. وأوضح أنه كان من المفترض إعادة وضع بحر غزة إلى سابق عهده، لكن الاحتلال لم ينفذ ذلك، إنما تعامل مع البحر وكأن الحرب فيه لا تزال مستمرة.

وأضاف إلى أن أي شخص يحاول تأمين رزق أطفاله أصبح يُعتبر في نظرهم إرهابياً، ومعرضاً للقتل، الأمر الذي يسبب بتيتيم الأطفال وتشريد العائلات.

ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران في 1 آذار/مارس 2026، زاد الوضع في بحر غزة سوءاً؛ إذ توقفت بصورة شبه كاملة طلعات الصيد وزادت وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على الشاطئ الغزي، والذي كان آخره مجزرة نفذها الاحتلال بقصفه المدفعي تجاه خيام النازحين قبالة البحر في قرية الزوايدة، والتي راح ضحيتها 3 شهداء بينهم طفلة وصحافية.[6] 

[1] "لحظة إطلاق زورق بحرية تابع للاحتلال النار تجاه قارب صيد بالقرب من شواطئ خان يونس"، "يوتيوب"، 4/1/2026.
[2] "بكر: الاحتلال صعّد استهدافه لبحر غزة و232 صياداً ارتقوا منذ الإبادة"، "فلسطين أونلاين"، 4/1/2026.  
[3] مقابلة مع الصياد محمود سعد، شاطئ دير البلح، 11/2/2026.
[4] "كيف دمر الاحتلال قطاع الصيد البحري بغزة؟"، "الجزيرة"، 17/10/2025.  
[5] "الإحصاء الفلسطيني يرصد كارثة إنسانية شاملة في أرقام عام 2025"، "الجزيرة"، 31/12/2025.
[6] مقابلة مع الصياد سالم التعابين، شاطئ قرية الزوايدة وسط القطاع، 11/2/2026.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.