دراسات

الخليج بعد عاصفة الحرب| تبدد اليقينيات دون نبذها.. حماية أمريكا واحتواء إيران والتقارب مع إسرائيل

post-img

محمد سعد (مصر 360)

كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أن منظومة الحماية نفسها يمكن أن تتحول في لحظات التصعيد الكبرى، إلى مصدر تهديد أيضاً. فالقواعد العسكرية، والشراكات الدفاعية مع واشنطن، والتموضع داخل الاستراتيجية الأمريكية، لم تعد تعني الردع فقط، بل جعلت عدداً من دول الخليج مسرح عمليات للصراع الذي بدأته إسرائيل والولايات المتحدة، سواء عبر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أو عبر تهديد الملاحة والطاقة والأسواق.

لكن صدمة الحرب لم تنتج موقفاً خليجياً موحداً، بل كشفت انقساماً أعمق، كان قائماً من قبل. فهناك دول رأت في إسرائيل شريكاً أمنياً ضرورياً في مواجهة إيران، وأخرى نظرت إليها، باعتبارها قوة عدوانية قد تجر المنطقة إلى أزمات، لا تخدم مصالح الخليج. وبين هذين الاتجاهين، توزعت مواقف الدول الخليجية بين الانخراط، والحذر، ومحاولات التوازن.

ومع ذلك، بقي خيط مشترك واضح: لا رغبة خليجية في حرب مفتوحة مع إيران، ولا قدرة في الوقت نفسه على الاستغناء عن الحماية الأمريكية.

من هذا المنطلق، يحاول هذا التقرير قراءة اتجاهات المراجعة الخليجية بعد الحرب، لفهم ما إذا كانت الأزمة قد دفعت المنطقة إلى إعادة صياغة معادلة الأمن التقليدية، أم أنها اكتفت بكشف الانقسامات القديمة وتعميقها.

المظلة الأمريكية بين الضرورة والتكلفة

أظهرت حرب 2026 أن المقاربة القديمة القائمة على استيراد الحماية الأمريكية، أو ما يمكن تسميته بتعهيد الخدمات الأمنية لواشنطن- أي منح واشنطن الدور الأكبر في ضمان أمن دول الخليج مقابل ضمان تدفق النفط في الأسواق العالمية وضمان تدفق الاستثمارات في السوق الأمريكي- أظهرت فجوات انعكست على الأمن الخليجي. فقد افترض هذا النموذج، أن بإمكان دول الخليج تقليل المخاطر عبر المظلة الأمريكية، من دون أن تتحول هي نفسها إلى ساحة مباشرة للصراعات التي تخوضها واشنطن في المنطقة.

لكن الحرب كشفت هشاشة هذه المعادلة. فالقواعد العسكرية، والشراكات الدفاعية، وشبكات الحماية التي صُممت للردع، تحولت في لحظة التصعيد إلى نقاط انكشاف محتملة، سواء عبر الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، أو عبر اضطراب الملاحة والطاقة والأسواق.

كما سقط تصور موازٍ، مفاده أن بعض الدول يمكنها الجمع بين الشراكة مع واشنطن والحياد العملي تجاه خصومها. فقد أظهرت الأزمة أن مجرد الارتباط بالبنية الأمنية الأمريكية قد يكون كافياً لإدخال الدولة في دائرة التهديد، حتى من دون مشاركة هجومية مباشرة.

ومع ذلك، لا تعني هذه المراجعة توجهاً خليجياً نحو الانفصال عن الولايات المتحدة. فلا تزال واشنطن في نظر معظم العواصم الخليجية، الطرف الوحيد القادر على تقديم مظلة ردع متكاملة، تشمل الدفاع الجوي والاستخبارات، والتسليح المتقدم، وحماية الملاحة. لذلك، يدور النقاش الحقيقي حول كيفية تقليل كلفة الاعتماد على واشنطن، لا إنهائه.

فعلى المستوى العملي، لا تزال البنية الدفاعية الخليجية مرتبطة بدرجات متفاوتة بالولايات المتحدة، سواء عبر القواعد العسكرية، أو أنظمة الدفاع الجوي، أو التدريب، أو الاستخبارات، أو حماية الملاحة. وتشير تقديرات أمنية إلى أن معظم القدرات الخليجية في الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي، والقيادة المشتركة ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على التكنولوجيا الأمريكية والتنسيق مع القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.

لكن الحرب أظهرت في المقابل، أن هذا الاعتماد لا يوفر الأمان كاملاً. فقد رأت طهران في القواعد والمنشآت المرتبطة بالوجود الأمريكي أهدافاً محتملة أو أدوات ضغط، بينما دفعت الأسواق الخليجية كلفة التصعيد عبر اضطراب التجارة والطيران والطاقة. وخلصت تحليلات استراتيجية، إلى أن الحرب هزّت نموذج الأمن والأعمال الخليجي، لأن الحماية الأمريكية بقيت ضرورية، لكنها لم تمنع انتقال كلفة المواجهة إلى الخليج نفسه.

ومع ذلك، لا يبدو أن أمام دول المجلس بديلاً جاهزاً. فالصين شريك اقتصادي رئيسي، لكنها لا تقدم التزامات دفاعية مماثلة، وروسيا منشغلة بأولوياتها الدولية، أما بناء منظومة خليجية مستقلة بالكامل فما زال هدفاً سياسياً أكثر منه واقعاً عسكرياً.

لذلك، لا تتجه المراجعة الخليجية إلى فك الارتباط بواشنطن، بل إلى إعادة ضبط العلاقة معها. أي الحفاظ على الشراكة الدفاعية الأمريكية، مع تقليل كلفتها عبر تنويع الشركاء، وخفض التوتر مع إيران، وتجنب التورط في مواجهات مفتوحة لا تخدم أولويات الخليج الاقتصادية.

بكلمات أخرى، لم تعد المعضلة الخليجية في الحاجة إلى الولايات المتحدة، بل في كيفية البقاء تحت المظلة الأمريكية، دون أن تتحول هذه المظلة نفسها إلى سبب للاستهداف.

أمن مستورد.. وبدائل على الهامش

ومن هنا، برزت ما يمكن تسميته بـ”أفكار الهامش” أي تصورات لم تتحول بعد إلى عقيدة رسمية، لكن سُمح لها بالظهور على السطح في النقاشات العلنية بعد الحرب.

أولى هذه الأفكار تتعلق بفصل الشراكة العسكرية عن الوجود المادي للقواعد الأمريكية  فقد أثار الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله نقاشاً، حين اعتبر في تصريحات متداولة بعد الحرب، أن القواعد الأمريكية في الخليج قد تتحول من أصل استراتيجي إلى عبء أمني، وأن بالإمكان الحفاظ على علاقات دفاعية قوية مع واشنطن عبر التسليح والتدريب والتدخل السريع عند الحاجة، من دون الحاجة إلى انتشار عسكري دائم واسع على الأرض.

الفكرة الثانية هي تنويع الشراكات الدفاعية مع قوى إسلامية من خارج المنطقة العربية لكنها متقاطعة مع الشرق الأوسط بمفهومه الجيو سياسي، مثل باكستان وتركيا. فهاتان الدولتان تملكان قدرات عسكرية مقدرة، وعلاقات تاريخية متفاوتة مع الخليج، ويمكن– نظرياً– الاستفادة منهما في التدريب، والتعاون الصناعي العسكري، والدعم العملياتي، من دون الحساسية السياسية التي يثيرها الوجود الغربي المباشر.

أما الفكرة الثالثة، وهي الأكثر إثارة للجدل، فتتمثل في تعميق التعاون الدفاعي مع إسرائيل، هذا الاتجاه يحظى بحماسة أوضح في الإمارات والبحرين، انطلاقاً من النظر إلى إسرائيل بوصفها قوة عسكرية وتكنولوجية متقدمة، وقادرة على توفير قدرات في مجالات الدفاع الجوي، والأمن السيبراني، والإنذار المبكر، فضلاً عن كونها بوابة إضافية إلى دوائر النفوذ الغربية. لكن هذا الخيار يحمل في المقابل كلفة سياسية ورمزية عالية في بيئة عربية، لا تزال تنظر إلى إسرائيل بعين الريبة أو العداء، خصوصاً بعد الحروب المتكررة في غزة والمنطقة.

ما يجمع هذه الأفكار الثلاث، ليس أنها بدائل جاهزة، بل أنها تعكس إدراكاً خليجياً جديداً: المشكلة لم تعد في غياب الحماية، بل في ثمنها السياسي والأمني. فالمظلة الأمريكية لا تزال قائمة، لكنها لم تعد مجانية، والتقارب مع إسرائيل قد يوفر مزايا، لكنه يجلب معه خصوماتها، أما تنويع الشركاء فيظل محدوداً بقدراتهم وبحسابات الجغرافيا السياسية. كما تكشف هذه الاتجاهات، بصورة غير مباشرة، عن استمرار محدودية الثقة في إمكان بناء ترتيبات أمنية عربية- عربية فعالة، حتى بعد الأزمات الأخيرة، إذ لم تبرز الشراكة العربية البينية بوصفها الخيار الأول أو البديل الطبيعي في لحظة مراجعة كبرى كهذه.

لذلك، تبدو أولى المراجعات الخليجية بعد حرب 2026 أقرب إلى جدل حول شكل الاعتماد الخارجي لا حول مبدأه. فالخليج لم يغادر مرحلة الأمن المستورد، لكنه بدأ يناقش للمرة الأولى، بوضوح أكبر، شروط هذا الاستيراد وكلفته وحدوده.

إسرائيل: شريك دون إعلان

“ثمة وحشٌ يتربص في الغابة، وإن لم نجده، فعلينا أن نخترعه.”ريتشارد مورفي- دبلوماسي أمريكي“

سعت إسرائيل إلى مواجهة مع إيران؛ لتحقيق هدفين؛ أولهما هو هدف خاص بتقويض قدرات إيران كدولة معادية لتل أبيب، أما الثاني، فكان خلق الخطر. فقد صممت إسرائيل استراتيجية التقارب الأمني مع دول الخليج، على أنها قادرة على تقديم خدمات أمنية ضد “الوحش” الإيراني. الحرب التي سعت لها إسرائيل وبدأتها ونسقت لها حولت التهديد الإيراني النظري لتهديد واقعي، بما خلق بيئة أمنية مواتية لتسويق نبوءة تل أبيب الأمنية، تحويل الخيال لواقع.

أظهرت حرب 2026 أن حضور إسرائيل في المعادلة الخليجية لم يعد مقتصراً على البعد الدبلوماسي الذي دشّنته الاتفاقات الإبراهيمية، بل امتد بدرجات متفاوتة إلى المجال الأمني والدفاعي. غير أن هذا الحضور ظل في أغلب الحالات، عملياً أكثر منه سياسياً؛ أي شراكة تُدار في الغرف المغلقة، لا عنواناً معلناً، تتبناه العواصم الخليجية في المجال العام.

تبدو الإمارات والبحرين المثال الأوضح على هذا الاتجاه، بحكم انخراطهما الرسمي في مسار التطبيع منذ عام 2020. ففي حالة الإمارات، أفادت تقارير، بأن إسرائيل أرسلت بطاريات دفاع جوي من طراز القبة الحديدية إلى أبوظبي خلال الحرب، إلى جانب عناصر عسكرية للمساعدة في تشغيلها، في خطوة عكست مستوى متقدماً من التعاون الأمني بين الطرفين.

كما تزايدت معدلات التنسيق بين أبوظبي وتل أبيب إذ شمل تبادل معلومات استخباراتية وتعاوناً في مواجهة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وهو ما يعني أن العلاقة تجاوزت منذ فترة طويلة حدود التمثيل الدبلوماسي أو الشراكات التجارية.

أما البحرين، فبحكم موقعها واستضافتها للأسطول الخامس الأمريكي، بدت أكثر التصاقاً بالبنية الأمنية الغربية في الخليج، ما يجعل أي تقارب أمني مع إسرائيل جزءاً من شبكة أوسع، تقودها الولايات المتحدة، حتى إن لم يُعلن بتفاصيله.

لكن اللافت أن هذا التطور الأمني لم يتحول إلى خطاب سياسي خليجي جامع. فلم تُظهر المملكة السعودية أو قطر أو عُمان ميلاً إلى تقديم إسرائيل كشريك أمني في الحرب، رغم تقاطع المصالح في مواجهة التصعيد الإيراني. كما تجنبت دول التطبيع نفسها تحويل التعاون القائم إلى عنوان سياسي صريح، يمكن تسويقه داخلياً أو إقليمياً.

ويعكس هذا التردد إدراكاً خليجياً لحساسية الرأي العام العربي، خصوصاً في ظل استمرار العدوان على غزة، وبقاء إسرائيل موضع رفض واسع في المنطقة. لذلك، بدا أن كثيراً من العواصم الخليجية تفضل الاستفادة من القدرات الإسرائيلية في التكنولوجيا والدفاع والاستخبارات، من دون دفع الكلفة السياسية لإعلان شراكة عسكرية كاملة.

بعبارة أخرى، خلقت إسرائيل البيئة المواتية للتقارب، رغم أنها هي من أشعلت الحرب ورسخت الخطر. غير أنها استفادت من الحرب كطرف. لم تصبح إسرائيل حليف معلناً للخليج، لكنها لم تعد أيضاً طرفاً خارج الحسابات الأمنية. وهنا تكمن إحدى أبرز مراجعات ما بعد الحرب: القبول بإسرائيل كشريك يظهر كشبح، يظهر ظله بقوة في الترتيبات الأمنية لبعض دول الخليج، لكن دون اعتراف رسمي.

إيران خصم لا يمكن إسقاط الجغرافيا معه

رغم حدة المواجهة في حرب 2026، لم تتعامل دول الخليج مع إيران بوصفها خصماً، يمكن عزله بالكامل أو شطبه من معادلة الإقليم، بل كجار صعب وخطر في آن، لا يمكن تجاهل وزنه الجغرافي والسياسي والاقتصادي. ولهذا، جمع الخطاب الخليجي بين مسارين متوازيين: إدانة الهجمات الإيرانية، مع إبقاء قنوات التهدئة مفتوحة وتجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

في الجانب الأول، أدان مجلس التعاون الخليجي الهجمات الإيرانية على دول المجلس، واعتبرها انتهاكاً للسيادة ومخالفة لمبادئ حسن الجوار والقانون الدولي. كما شددت بيانات خليجية متفرقة على حق الدول في الدفاع عن أراضيها وحماية منشآتها الحيوية.

لكن هذه الإدانة لم تتحول إلى استراتيجية تصعيد شامل. ففي عُمان، واصلت مسقط لعب دور الوسيط، واستقبلت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي؛ لبحث أمن مضيق هرمز وسبل إنهاء الحرب في استمرار للدور العماني التقليدي كقناة اتصال بين الخصوم.

وفي قطر، حافظت الدوحة على خطاب، يوازن بين رفض استهداف أراضيها، والإبقاء على قنوات اتصال مع طهران، بما ينسجم مع سياسة قطرية طويلة، تقوم على الجمع بين الشراكة الأمريكية والانفتاح على إيران. كما فضّلت دول أخرى، بينها السعودية والإمارات، رفع مستوى الردع والدفاع من دون تبني خطاب، يدفع نحو مواجهة إقليمية مفتوحة.

خريطة المواقف الخليجية

رغم وجود قواسم مشتركة بين دول الخليج بعد حرب 2026، فإن الاستجابات لم تكن موحدة، بل كشفت عن تفاوتات تعكس اختلاف الموقع الجغرافي، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، وحجم الانخراط في الترتيبات الأمنية الجديدة، إضافة إلى الحسابات الداخلية لكل دولة.

قطر وعُمان: وساطة وتوازن

مثّلت قطر وعمان النموذج الأقرب إلى سياسة التوازن. فالدوحة رغم استضافتها قاعدة العديد الأمريكية حافظت على قنوات اتصال مع إيران، وسعت إلى الفصل بين شراكتها الأمنية مع واشنطن وعلاقاتها الإقليمية. أما عمان، فواصلت دورها التقليدي كوسيط هادئ، مستفيدة من رصيد طويل في إدارة الاتصالات بين الخصوم.

السعودية: ردع محسوب

اتخذت السعودية موقفاً أكثر تشدداً تجاه الهجمات الإيرانية، ورفعت منسوب الردع السياسي والأمني، لكنها تجنبت في الوقت نفسه الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. فالمملكة بحكم وزنها الإقليمي ومكانتها الاقتصادية، تدرك أن كلفة الحرب المباشرة ستكون مرتفعة على الجميع، بما في ذلك أسواق الطاقة وخططها التنموية الكبرى.

الإمارات والبحرين: انخراط أمني أعلى

بدت الإمارات والبحرين أكثر قرباً من المنظومة الأمنية الغربية، وأكثر استعداداً للانخراط في ترتيبات دفاعية متقدمة، سواء عبر الشراكة الوثيقة مع الولايات المتحدة أو عبر مسار التطبيع مع إسرائيل. وقد أفادت تقارير أن الدولتين، على عكس مواقف معلنة لدول خليجية أخرى، تشاركان إسرائيل في هدف إسقاط النظام الإيراني مهما كانت الكلفة. وقد منح ذلك الدولتين مظلة ردع إضافية، لكنه وضعهما أيضاً في موقع أكثر حساسية تجاه ردود الفعل الإيرانية، كما زاد التكلفة السياسية وتكلفة السمعة الإقليمية المرتبطة بصورة التقارب مع إسرائيل في البيئة العربية.

الكويت: إدانة قوية وحذر سياسي

اتخذت الكويت خطاباً واضحاً في إدانة الهجمات الإيرانية والدفاع عن سيادة الدولة، لكنها حافظت على نهج حذر تجاه التورط العسكري المباشر أو الاصطفافات الحادة. ويعكس هذا الموقف خصوصية الكويت، حيث تلعب الاعتبارات الداخلية والحياة البرلمانية والرأي العام دوراً أكبر من كثير من دول الخليج الأخرى في رسم حدود القرار الخارجي.

استنتاج

بعد حرب 2026، لم يعد السؤال في الخليج، من يحمي المنطقة؟ بل ما ثمن هذه الحماية، ومن يدفع فاتورتها عند اندلاع النار؟ فالأزمة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية مع إيران، بل لحظة كشفت هشاشة مسلمات قديمة، وأظهرت أن بعض ما كان يُعد مصادر قوة قد يتحول سريعاً إلى مصادر انكشاف. ومن هذه اللحظة يمكن استخلاص الاستنتاجات الآتية:

1- لا تعني المراجعة الخليجية بعد حرب 2026 الخروج من المظلة الأمريكية، بقدر ما تعني البحث عن صيغة لا تتحول فيها هذه المظلة نفسها إلى بوابة تنفذ منها أخطار الصراع إلى الداخل الخليجي. فالحرب لم تُسقط معادلة الاعتماد الأمني على واشنطن، لكنها كشفت كلفتها وحدودها، ودفعت العواصم الخليجية إلى التفكير في كيفية تقليل الانكشاف من دون خسارة الحماية.

2- كما أظهرت الأزمة أن الخليج، رغم وحدته المؤسسية، لا يتحرك ككتلة سياسية واحدة. فهناك اتفاق عام على ضرورة احتواء إيران ومنع تهديدها لأمن المنطقة، لكن وسائل هذا الاحتواء وحدوده ما زالت محل تباين واضح بين الدول الأعضاء، تبعاً لاختلاف الجغرافيا والحسابات الداخلية وتصور كل دولة لطبيعة التهديدات الإقليمية.

3- وفي هذا السياق، تبدو المراجعات الراهنة أقرب إلى تشديد للمواقف السابقة منها إلى انقلاب عليها. فالدول التي دخلت حرب 28 فبراير، وهي أقرب إلى إسرائيل وأكثر استعداداً للتعاون الأمني معها، خرجت أكثر ميلاً إلى تعميق هذا التعاون، متجاهلة عن قصد أو رغبة، أن إسرائيل كانت الطرف الذي أشعل الأزمة من بدايتها. وفي المقابل، فإن الدول التي دخلت الحرب وهي أكثر تشككاً في السلوك الإسرائيلي وعدائيته النشطة، خرجت منها أكثر تحفظاً تجاه منحه دوراً أمنياً أوسع، وأكثر تمسكاً بسياسات التوازن والتهدئة.

4- إسرائيل نجحت في تسويق نبوءتها عن الخطر الإيراني لدى بعض العواصم الخليجية لترسخ دورها كشريك أمني.
فقد ارتفعت قيمتها لدى بعض العواصم بوصفها مصدراً للتكنولوجيا والردع، رغم أن التصعيد نفسه زاد من هشاشة البيئة الأمنية الخليجية.

5- إيران بقيت خصماً لا يمكن تجاوز الجغرافيا معه. لذلك لم يتجه الخليج إلى منطق الحرب المفتوحة، بل إلى مزيج من الردع والاحتواء، انطلاقاً من أن الجوار يفرض واقعيته، مهما بلغ التوتر.

6- البدائل بدأت تُناقش، لكنها لم تنضج بعد. فنقاشات مثل تقليل القواعد الأمريكية، شراكات مع تركيا وباكستان، تعاون أوسع مع إسرائيل؛ كلها أفكار مطروحة، لكن أياً منها لم يتحول بعد إلى عقيدة مستقرة.

7- الغائب الأكبر كان البديل العربي المشترك ففي لحظة مراجعة كبرى، لم يتم طرح في أي من العواصم الخليجية فكرة التنسيق الأمني العربي-العربي كبديل قابل للتنفيذ، وهو ما يكشف عمق أزمة الثقة العربية- العربية وأزمة النظام الإقليمي العربي.

8- لم تُنتج حرب 2026 معادلة خليجية جديدة، لكنها بددت كثيراً من اليقين القديم. فالمظلة الأمريكية بقيت قائمة، لكن تكلفتها أصبحت أوضح. والتقارب مع إسرائيل قد يوفر مزايا، لكنه يحمل أعباءه. وإيران بقيت خصماً، لا يمكن تجاهل حضوره، كما أن الخليج أصبح منفتحا على بدائل لضمان الأمن، ليس من ضمنها بدائل عربية. وبين هذه الحقائق، يبدو أن التحدي الخليجي المقبل لن يكون في اختيار الحلفاء، بقدر ما سيكون في إدارة كلفة الخيارات.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.