مقالات

خروج الإمارات من "أوبك" و"أوبك بلس".. لحظة انكشاف في تاريخ النفط والسياسة

post-img

د. أحمد قنديل ( مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية)

في التاريخ لحظات لا تُقرأ بوصفها مجرد أخبار عابرة، بل باعتبارها إشارات إلى أن شيئًا أعمق يتحرك تحت السطح. وقرار دولة الإمارات العربية المتحدة، في 28 أبريل 2026، بالانسحاب من منظمة "أوبك" وتحالف "أوبك بلس"، هو من هذه اللحظات التي لا يمكن اختزالها في حسابات إنتاج أو خلافات على حصص، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها إعلان خروج من منطق، ودخول في منطق آخر. خروج من زمن "التكتلات"، حيث كانت الدول تحتمي ببعضها البعض داخل أطر جماعية، إلى زمن "الدولة المفردة"، التي تتحرك وفق حساباتها الخاصة، وتعيد تعريف مصالحها بعيدًا عن أي التزام سابق. إذ يبدو لكثير من المراقبين اليوم أن الفكرة، التي صمدت لعقود طويلة، والتي تقوم على أن سوق الطاقة يمكن إدارته عبر التوافق الجماعي، وأن مصالح الدول المصدرة للنفط يمكن احتواؤها داخل إطار واحد، وكأنها تواجه اختبارها الأصعب.

من التكتل إلى الدولة المفردة

حين تأسست "أوبك" في ستينيات القرن الماضي، كانت تعبيرًا عن لحظة صعود للدولة الوطنية في مواجهة هيمنة شركات النفط الكبرى. وكان النفط آنذاك أداة تحرر، بقدر ما كان موردًا اقتصاديًا. وكان الاصطفاف مع الجماعة، في ذلك السياق، ضمانة للقوة. لكن ما تغير اليوم هو أن الدولة نفسها لم تعد ترى في الجماعة ضمانًا، بل قيدًا. ومن هنا، فإن القرار الإماراتي لا يعكس مجرد اختلاف في التقدير، بل يعكس تحولًا في العقيدة، من "العمل الجماعي" إلى "التحرك السيادي"، ومن الالتزام المشترك إلى الحرية المنفردة.

وفي هذا السياق، الإمارات لم تغادر "أوبك" فقط، بل أعادت تعريف موقعها في السوق العالمي للنفط، من عضو في كيان منضبط إلى فاعل مستقل، يحدد إنتاجه وفق مصالحه، لا وفق توازنات الآخرين أو حساباتهم. وبعبارة أخرى، اختارت أبوظبي نموذجًا للتعامل مع سوق النفط العالمي يقوم على السرعة، والانفتاح، والارتباط المباشر بالعالم.

وقد جاء القرار الإماراتي في توقيت بالغ الدلالة، حيث تحوّل مضيق هرمز من ممر للتجارة إلى نقطة اختناق استراتيجية، نتيجة اندلاع واستمرار الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران. وعندما تتحول الجغرافيا إلى عنصر ضغط، فإن الحسابات الاقتصادية تعاد صياغتها على أساس أمني. وفي هذا السياق، يمكن فهم سعي الإمارات إلى تقديم نفسها كمصدر طاقة مستقل، عن "أوبك" و"أوبك بلس"، في إطار مساعيها الرامية إلى تعزيز الروابط الأمنية والعسكرية مع الولايات المتحدة في مواجهة "التهديد الإيراني" المستمر، وبناء موقع جديد لها في السوق العالمية للنفط يقوم على التحرر من قيود الجوار وحسابات الآخرين.

من السعر إلى الزمن

من ناحية أخرى، يأتي القرار الإماراتي في ظل تغير عالمي مهم. فلوقتٍ طويل، كان السؤال المركزي لدى الدول الرئيسية المصدرة في سوق النفط العالمي هو: كيف نرفع السعر؟، وكيف نحافظ عليه؟، وكيف نمنع انهياره؟. لكن اليوم تقف معظم هذه الدول أمام سؤال مختلف، وهو: متى نبيع النفط؟، حيث يتحرك العالم، ببطء ربما، لكن بثبات، نحو أنماط طاقة جديدة، تتخلى عن النفط والغاز الطبيعي وتعتمد على الطاقة المتجددة، خاصة تلك المرتبطة بالشمس والرياح. وهذا يعني أن النفط، رغم استمراره، لم يعد موردًا بلا نهاية زمنية. ومن هنا، يبدو أن أبوظبي أصبحت تتبنى رؤية تقول إن القيمة ليست في الاحتفاظ بالنفط، بل في تحويله الآن، وبسرعة، إلى أدوات قوة أخرى في الاقتصاد، وفي التكنولوجيا، وفي المستقبل، بدلاً من أن تتركه في باطن الأرض، حيث قد يفقد قيمته. وهنا، تنتقل الإمارات، ببساطة، من منطق "إدارة الندرة" إلى منطق "استباق الزمن". وهذه المقاربة، من جانب أبوظبي، تنتمي إلى ما يُعرف بـ"مدرسة التسييل السريع"، التي ترى أن الاحتفاظ بالنفط تحت الأرض قد يؤدي إلى فقدان قيمته في ظل التحول نحو الطاقة النظيفة. وبالتالي، فإن الهدف لم يعد فقط الحفاظ على الأسعار، بل تعظيم العائدات في أقصر وقت ممكن، لتوظيفها في بناء اقتصاد ما بعد النفط.

"أوبك" بين البقاء والتغير

بخروج الإمارات، تفقد "أوبك" ما بين 12–15% من قدرتها الإنتاجية، وهو ما يضعف قدرتها على لعب دور "البنك المركزي للنفط في العالم". لكن الأهم من ذلك هو الأثر النفسي والسياسي للقرار، إذ يخلق سابقة قد تشجع دولًا أخرى على المطالبة بمرونة أكبر أو حتى الخروج. فهل يعني القرار الإماراتي نهاية "أوبك"؟. ربما يكون من المبكر إعلان ذلك. لكن المؤكد أن المنظمة لم، وربما أيضًا لن، تعود كما كانت. إذ أن خروج دولة بحجم الإمارات، وهي ثالث أكبر منتج داخلها (بعد السعودية والعراق)، يضعف قدرتها على التأثير، ويطرح سؤالًا حول جدوى الالتزام الجماعي داخلها. والأخطر من ذلك هو ما يمكن أن نسميه "تأثير العدوى" أو "تأثير الدومينو". فإذا نجحت التجربة الإماراتية في زيادة حصتها من السوق العالمية في وقت سريع، فهل تتبعها دول أخرى (مثل العراق والكويت على سبيل المثال)؟، وإذا حدث ذلك، فهل تبقى "أوبك" منظمة مؤثرة، أم تتحول إلى مجرد إطار رمزي؟

"أوبك بلس".. تحالف تحت الضغط

إذا كانت منظمة "أوبك" قد فقدت أحد أعمدتها، بخروج أبوظبي منها، فإن تحالف "أوبك بلس"، بما يمثله من شراكة أوسع، يواجه اختبارًا أكثر تعقيدًا. فالتحالف، الذي قام على توازنات دقيقة بين مصالح متعددة، يجد نفسه اليوم أمام واقع جديد يتمثل في خروج لاعب رئيسي من المعادلة، وتوجهه على الأرجح إلى التعاون مع الدول المستهلكة الرئيسية في العالم، وهو الأمر الذي قد يساهم بشكل رئيسي في إعادة تعريف قواعد اللعبة في نظام الطاقة العالمي. وهنا، يصبح السؤال: هل يستطيع تحالف "أوبك" بلس الاستمرار بنفس الفاعلية في ظل هذا التحول الكبير؟، أم أننا أمام بداية تفككه تدريجيًا؟، وهل يتحول التنسيق داخل هذا التحالف الموسع، الذي يضم "كبار مصدري النفط في العالم"، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية وروسيا إلى استثناء، والتنافس إلى قاعدة؟. وتزداد أهمية وخطورة هذه التساؤلات في ظل تأكيد العديد من المراقبين على أن العالم بدأ في الآونة الأخيرة في الانتقال من نظام "التنسيق المؤسسي" إلى نظام "الترتيبات الثنائية"، حيث تُدار السوق عبر صفقات مباشرة بين المنتجين والمستهلكين.

وفي غياب التنسيق بين اللاعبين الكبار، يصبح السوق العالمي للنفط أكثر عرضة للتقلب. وهذه قاعدة أكدها التاريخ مرارًا. وبالتالي، عندما تتحرك الدول وفق حساباتها الفردية، فإن التوازن يصبح هشًا، وتزداد احتمالات الدخول في صراعات على الحصص، قد تصل إلى ما يُعرف بـ"حروب الأسعار". وهي حروب، وإن بدت اقتصادية، فإن آثارها تمتد إلى الاستقرار السياسي والمالي. وفي هذا السياق، يبرز سؤال آخر وهو من يضبط السوق العالمي للنفط إذا غابت "أوبك"؟. ربما لا يكون هناك جواب واضح. وربما يكون هذا هو جوهر المرحلة الجديدة. عالم بلا منظم واحد، بل مجموعة من الفاعلين، لكل منهم حساباته.

ومن ناحية أخرى، وإلى جانب غياب الفاعل المنظم في سوق النفط العالمي، يفتح القرار الإماراتي أيضًا الباب أمام ترتيبات مالية جديدة، قد تشمل تسعير جزء من النفط بعملات غير الدولار، أو بناء شراكات مالية مع قوى صاعدة مثل الصين والهند، وهو الأمر الذي قد يشير إلى احتمال حدوث تآكل تدريجي في مركزية نظام "البترودولار"، لصالح نظام أكثر تنوعًا، قد يشمل اليوان الصيني والروبية الهندية على سبيل المثال.

في النهاية، يمكن القول إن القرار الإماراتي يكشف أكثر مما يغير في طبيعة نظام الطاقة العالمي. إذ يكشف هذا القرار "التاريخي" حدود النظام القديم، ويُظهر ملامح النظام الجديد. فنحن أمام لحظة انكشاف غير مسبوقة في تاريخ النفط والسياسة. لحظة تتراجع فيها اليقينيات، وتتصاعد فيها الأسئلة. عالم لم تعد فيه القواعد مستقرة، ولا الأدوار ثابتة. وفي مثل هذه اللحظات، قد لا يكون المهم فقط ما حدث، بل ما يعنيه. وما يعنيه هذا القرار الإماراتي، ببساطة، هو أننا دخلنا عصرًا جديدًا، عصرًا تُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة، لا داخل "أوبك" فقط، بل في النظام الدولي بأسره.

فهذا القرار يكشف، وبوضوح، أننا أصبحنا أمام عالم لم يعد فيه النفط مجرد سلعة تُدار عبر منظمة، بل أصبح أداة سيادية تُستخدم في بناء التحالفات، وإعادة توزيع القوة. كما أننا أصبحنا أيضًا أمام انتقال من "عصر الإجماع" إلى "عصر الأسئلة المفتوحة"، حيث لا توجد إجابات نهائية، بل مسارات متعددة تتشكل وفق تفاعلات معقدة بين الطاقة، والاقتصاد، والسياسة، والأمن، والتكنولوجيا. وفي هذا العالم الجديد، نحن لا نشهد خروج دولة من منظمة، بل خروج "فكرة" من التاريخ، وصعود نموذج جديد يقوم على السيادة الطاقية، والمرونة الجيوسياسية، والتنافس المفتوح.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.