نور نبيه جميل (مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية)
يعرف الكارتل بأنه ترتيب تعاوني بين منتجين مستقلين لتنسيق مستويات الإنتاج أو الأسعار بهدف تعظيم الأرباح الجماعية والتأثيرفي السوق وفي ضوء يشكّل قرار انسحاب الإمارات من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في 29 نيسان 2026 ودخل حيز التنفيذ في 1 ايار 2026 لحظة مفصلية في تاريخ الاقتصاد السياسي للطاقة، تتجاوز في دلالاتها حدود الفعل الاقتصادي إلى إعادة تشكيل منطق الفعل الاستراتيجي للدول المنتجة للموارد الطبيعية. فهذه الخطوة لا يمكن اختزالها في إطار تحرير الإنتاج أو تعظيم الإيرادات، بل ينبغي مقاربتها بوصفها تعبيراً عن تحوّل بنيوي في تصور الدولة لدورها داخل النظام الدولي، وانتقالها من موقع العضو في بنية تنسيقية جماعية إلى فاعل مستقل يسعى لإعادة تعريف علاقته بالسوق وبالقوة في آن واحد.
إن التحليل التقليدي الذي يفسر الانسحاب بوصفه استجابة لتباينات في حصص الإنتاج أو رغبة في زيادة العوائد المالية، يعاني من اختزال مخلّ، لأنه يتجاهل التداخل العميق بين الاقتصاد والسياسة في بنية النظام الطاقوي العالمي. وعليه، فإن هذا التحليل ينطلق من فرضية مفادها أن قرار الانسحاب يمثل إعادة تموضع استراتيجي مدفوعاً باعتبارات سيادية، جيوسياسية، وبنيوية، في سياق تحولات أوسع يشهدها النظام الاقليمي و الدولي. وسنوضح ذلك على النحو الاتي:
أولاً: التحول من منطق الكارتل إلى منطق السيادة الإنتاجية
منذ تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، استندت فلسفتها إلى فكرة التنسيق الجماعي لضبط السوق العالمية للنفط، عبر آلية الحصص الإنتاجية التي تهدف إلى تحقيق توازن بين العرض والطلب بما يضمن استقرار الأسعار. غير أن هذا النموذج، الذي يمكن وصفه بـ”منطق الكارتل” يفترض ضمنياً تقارباً في المصالح الاقتصادية والسياسية بين أعضائه، وهو افتراض أصبح هشاً في ظل التحولات الراهنة ولا سيما الصراعات التي تشهدها المنطقة.في ضوء ذلك تشير التقارير الصادرة عن مراكز مثل Chatham House وOxford Institute for Energy Studies إلى وجود توتر بنيوي داخل منظمة “أوبك”. المحرك الأساسي لهذا التوتر هو التضارب بين حاجة المنظمة لخفض الإنتاج لدعم الأسعار، وبين طموح الإمارات لزيادة قدرتها الإنتاجية (التي استثمرت فيها مليارات الدولارات لتصل إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2027). في هذا السياق، يمكن فهم انسحاب الإمارات العربية المتحدة بوصفه تعبيراً عن تفكك هذا الافتراض. فالدولة التي استثمرت بشكل مكثف في توسيع طاقتها الإنتاجية، لم تعد ترى في نظام الحصص أداة لتحقيق مصالحها، بل قيداً يحدّ من قدرتها على تعظيم العوائد في مرحلة زمنية يُتوقع فيها تراجع الطلب العالمي على النفط بفعل التحول نحو الطاقة النظيفة. وعليه، فإن الانتقال من الالتزام الجماعي إلى الاستقلال الإنتاجي يعكس تبنّي نموذج جديد يمكن تسميته بـالسيادة الطاقوية، حيث تصبح الدولة هي المحدد الأساسي لسياساتها الإنتاجية بعيداً عن القيود المؤسسية كما يتفق ذلك مع محور (اتفاقيات إبراهيم) والذي يمهد التحرر من قيود أوبك الطريق لبناء شراكات طاقية وتكنولوجية مع “إسرائيل” تهدف لربط أسواق الطاقة بين الخليج والمتوسط.
ثانياً: الاقتصاد السياسي للقرار: ما وراء تعظيم الأرباح
وفقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA) وتقرير Standard & Poor’s (S&P)
فإن القدرة الإنتاجية للإمارات تتمثل في امتلاكها واحد من أدنى تكاليف استخراج النفط عالمياً، وهي تخطط لرفع طاقتها الإنتاجية، وهو ما يصطدم بـحصص الإنتاج المفروضة من أوبك فضلاً عن الاستثمارات السيادية والتي ضخت عبر شركة أدنوك استثمارات تقدر بـ 150 مليار دولار لتوسيع النشاط، وهو استثمار لا يمكن استرداد عوائده إذا استمر الالتزام الدائم بالخفض اضافة الى تنويع المزيج اذ تسعى الإمارات لتعظيم العوائد النفطية الآن لتمويل مشاريع “ما بعد النفط” والهيدروجين الأخضر قبل حدوث ذروة الطلب العالمي فضلاً عن ان معظم صادرات الإمارات تتجه شرقاً (الصين، الهند، اليابان). الخروج من أوبك أو التلويح به يمنحها مرونة في توقيع عقود توريد طويلة الأمد بعيداً عن قيود الحصص. كما قد يُنظر إلى هذه الخطوة في الولايات المتحدة الأمريكية كإشارة إيجابية لزيادة المعروض العالمي، مما يخفف الضغوط التضخمية، وهو ما يمنح الإمارات “كارت” سياسي قوي في علاقتها مع الولايات المتحدة.
ولهذا القرار تداعيات اقتصادية تتلخص على النحو الاتي:
حرب الأسعار: قد يؤدي أي تحرك انفرادي إلى سباق نحو أدنى الأسعار إذا قررت الدول الأخرى الرد بزيادة الإنتاج للحفاظ على حصتها السوقية.
استقلالية التسعير: التحرر من أوبك يسمح لـ “خام مربان” الإماراتي بأن يصبح معياراً عالمياً مستقلاً في الأسواق الآسيوية، مما يعزز مكانتها كمركز مالي وتجاري للطاقة.
وعلى الرغم من أن البعد الاقتصادي يظل حاضراً بقوة في تفسير القرار، إلا أن قراءته بوصفه مجرد سعي لزيادة الإنتاج تظل قاصرة. فالإمارات لا تتحرك فقط لتعظيم الكمية المنتجة، بل لإعادة تعريف موقعها في سلسلة القيمة العالمية للطاقة. فهي تمتلك واحدة من أدنى تكاليف الإنتاج عالمياً، ما يمنحها ميزة تنافسية تجعلها أقل اعتماداً على الأسعار المرتفعة مقارنة بدول أخرى داخل أوبك.
نستنتج ان قرار خروج الإمارات من أوبك لا يُفهم كنتيجة مباشرة لصراع عسكري، بل كاستجابة لتحول في البيئة الجيوسياسية الإقليمية التي تتسم بارتفاع التوتر مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتغير أولويات الولايات المتحدة في سوق الطاقة، وإعادة هندسة العلاقات الاقتصادية في “الشرق الأوسط” بعد موجة التطبيع، وهو ما خلق سياقاً يسمح بإعادة تعريف القيود المؤسسية التقليدية داخل أوبك.
لكن هناك اسباب اخرى منها هو أن الاقتصاد الإماراتي شهد تحولاً بنيوياً عميقاً خلال العقد الماضي، حيث تراجعت نسبة الاعتماد على النفط لصالح قطاعات مثل الخدمات، التمويل، والتكنولوجيا. هذا التحول يقلل من حساسية الدولة لتقلبات أسعار النفط، ويفتح أمامها هامشاً أوسع لاتخاذ قرارات قد تكون مكلفة على المدى القصير لكنها استراتيجية على المدى الطويل. بمعنى آخر، فإن الانسحاب يعكس ثقة الدولة بقدرتها على امتصاص الصدمات ربما ما حدث هو مشروع تم التخطيط له عبر الزمن اتساقاً مع رؤية الإمارات لمستقبلها في المنطقة.
ثالثاً: البعد السياسي: صراع داخل البنية وليس خارجها
إحدى الثغرات التحليلية الشائعة تكمن في تجاهل البعد السياسي الداخلي داخل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). فالمنظمة، رغم طابعها الاقتصادي، هي في جوهرها بنية سياسية تعكس توازنات القوة بين أعضائها، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية وفي هذا الإطار، يمكن تفسير الانسحاب بوصفه نتيجة لتراكم توترات تتعلق بتوزيع الأعباء والمكاسب داخل المنظمة. ومن وجهة نظر النظرية الواقعية السياسية، الإمارات تدرك أن المنطقة مقبلة على تحولات جذرية، فإما تسوية كبرى أو انفجار كبير. في الحالتين، البقاء داخل تكتل يقيد حركتك الإنتاجية هو مخاطرة.
كما برزت خلافات واضحة حول خطوط الأساس الإنتاجية، حيث رأت الإمارات أن حصتها لا تعكس قدراتها الفعلية، وهو ما اعتبرته اختلالاً في مبدأ العدالة التوزيعية داخل الكارتل. لكن هذا الخلاف التقني يخفي وراءه صراعاً أعمق يتعلق بمن يمتلك القدرة على تحديد قواعد اللعبة داخل المنظمة. وعليه، فإن الانسحاب يمكن قراءته كفعل مقاومة لهيمنة مركزية، وليس مجرد اختلاف حول أرقام.
رابعاً: الجيوسياسة وإعادة التموضع الإقليمي
لا يمكن فصل القرار عن السياق الجيوسياسي الأوسع، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية التي تشمل إيران وتأثيرها على أمن الملاحة في مضيق هرمز. فوجود خصوم إقليميين داخل نفس المنظمة يخلق تناقضاً بنيوياً بين متطلبات التنسيق الاقتصادي واعتبارات الأمن القومي.
في هذا الإطار، يعكس الانسحاب محاولة لإعادة تموضع استراتيجي يسمح للإمارات بمرونة أكبر في بناء تحالفاتها الدولية، سواء مع القوى الغربية أو مع فاعلين جدد في آسيا. كما أنه يمنحها القدرة على استخدام النفط كأداة في سياستها الخارجية بشكل أكثر استقلالية، دون الحاجة إلى مراعاة التوافقات داخل المنظمة.
خامساً: التداعيات: هل نحن أمام نهاية أوبك؟
يثير انسحاب الإمارات العربية المتحدة تساؤلات جوهرية حول مستقبل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). ففقدان أحد أكبر المنتجين لا يؤثر فقط على القدرة الإنتاجية للمنظمة، بل يضرب في صميم مصداقيتها كفاعل قادر على ضبط السوق. وإذا ما اقترن ذلك بخروج دول أخرى في السنوات الأخيرة، فإننا قد نكون أمام مسار تآكلي تدريجي. مع ذلك، فإن القول بنهاية أوبك قد يكون متسرعاً. فالمنظمة لا تزال تمتلك أدوات تأثير مهمة، خصوصاً من خلال تحالفاتها مع منتجين خارجها. لكن ما يمكن الجزم به هو أن دورها سيتغير، من كارتل متماسك إلى منصة تنسيق أكثر هشاشة وأقل قدرة على فرض الانضباط الجماعي.
الخاتمة
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن خروج الإمارات لا يمثل حدثاً معزولاً، بل هو مؤشر على تحول أعمق في بنية النظام الطاقوي العالمي. فالدول المنتجة لم تعد ترى في التنسيق الجماعي السبيل الأمثل لتحقيق مصالحها، بل تتجه نحو نماذج أكثر مرونة تقوم على الاستقلالية والتكيف مع بيئة دولية متغيرة.
وعليه، فإن الأطروحة المركزية التي تطرحها هذه الدراسة هي أن ما نشهده ليس تفككاً عابراً لكارتل نفطي، بل إعادة تعريف لمفهوم “القوة الطاقوية” ذاته، بحيث تنتقل من كونها قوة جماعية تُمارس عبر المؤسسات، إلى قوة سيادية تُمارس عبر الدولة بشكل مباشر. وهذا التحول ستكون له انعكاسات بعيدة المدى ليس فقط على أسواق الطاقة، بل على طبيعة العلاقات الدولية في العقود القادمة.
كما يمكن تفسير خروج الإمارات من أوبك ضمن إطار الجيو- اقتصاد بوصفه انتقالاً من منطق التنسيق الكارتلي إلى منطق الدولة- السوق، حيث يتم إعادة توظيف النفط كأداة سيادية مرنة لتعظيم النفوذ التفاوضي في اقتصاد عالمي متعدد الأقطاب. وفي هذا السياق، لا يُفهم القرار كاستجابة مباشرة لتوترات جيوسياسية، بل كإعادة تموضع داخل بنية اقتصادية عالمية تتزايد فيها أهمية الأدوات الاقتصادية بوصفها أدوات قوة استراتيجية.
بمعنى ان قرار الخروج ليس فنياً بحتاً، بل هو تموضع استراتيجي يضع الإمارات في منطقة وسطى تتيح لها المناورة بين ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية، وتهديدات الجمهورية الإسلامية الإيرانية لها كما ترى، وطموحات الشراكة التكنولوجية والأمنية مع “إسرائيل”.