كيفن أبو نجم (التلفزيون العربي)
بينما لا تزال أصوات القصف والغارات وتفجير المنازل والبنى التحتية تتردد في جنوب لبنان، تراجعت الاستهدافات الإسرائيلية منذ 17 أبريل/ نيسان في بقية أنحاء البلاد، باستثناء غارة واحدة استهدفت منطقة الشعرة في البقاع شرقي لبنان.
فعقب مباحثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في 14 أبريل، هي الأولى منذ عقود برعاية أميركية، أُعلن عن هدنة دخلت حيّز التنفيذ في 17 أبريل لمدة عشرة أيام، قبل أن تُمدَّد حتى 17 مايو/ أيار، بعد جولة مفاوضات ثانية عُقدت في 23 أبريل.
وقد التزمت إسرائيل هذه الهدنة إلى حدّ كبير خارج الجنوب، بضغط أميركي وطلب مباشر من الرئيس دونالد ترمب، بعد غارات عنيفة استهدفت البقاع وبيروت والضاحية الجنوبية لبيروت خصوصًا، غير أنها خرقتها على نطاق واسع في جنوب لبنان.
فالوضع في الجنوب لم يختلف كثيرًا عمّا كان عليه قبل الهدنة، في ظل استمرار القصف المدفعي والغارات الجوية وعمليات تدمير البنى التحتية والمنازل المدنية، وتفجير قرى بأكملها ضمن ما تُسمّى "المنطقة الصفراء"، التي امتدت لنحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، واتسعت في الأيام الأخيرة.
في مقابل ذلك، صعّد حزب الله عملياته ضد القوات الإسرائيلية جنوبًا، خصوصًا عبر المسيّرات العاملة بالألياف الضوئية، التي كبّدتها خسائر ميدانية قاسية.
بلغت حصيلة العدوان الإسرائيلي على لبنان 2586 شهيدًا و8020 جريحًا منذ 2 مارس/ آذار الماضي. كما تسبب العدوان في نزوح أكثر من 1.6 مليون شخص، أي نحو خُمس سكان لبنان، وفق السلطات اللبنانية.
ترافق هذا الواقع الميداني مع تعقيدات سياسية داخلية، في ظل الانقسام الحاد بين رفض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وقبولها، إضافة إلى معضلة اقتصادية تتصدرها ملفات إعادة الإعمار والخسائر الواسعة جراء الحرب، في بلد كان غارقًا في أزمات مالية واقتصادية حتى قبل اندلاعها.
في خضم هذا المشهد الضبابي، الذي يأتي في مرحلة توصف بأنها من الأخطر على لبنان، تبرز تساؤلات ملحّة عن "اليوم التالي" لما بعد الحرب، والذي قد تدخله البلاد مثقلة بأزمات سياسية وفاتورة اقتصادية مرتفعة.
اليوم التالي رهن بنتائج الحرب
يرى الصحافي يوسف دياب أن شكل اليوم التالي للحرب في لبنان سيبقى مرتبطًا بنتائجها، سواء انتهت باتفاق، أو وفق صيغة غالب ومغلوب.
ويعتبر، في حديث إلى موقع التلفزيون العربي، أن الخروج من تبعات الحرب على الصعيد السياسي قد يكون أسهل إذا انتهت باتفاق وضمانات دولية وعربية وأميركية، بما يتيح تأمين التزامات في الملفات الأساسية، مثل إعادة الإعمار، وتحرير الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وترسيم الحدود.
ويلفت دياب إلى أن تحقق هذا السيناريو بتوافق لبناني قد يفتح الباب أمام انفراج داخلي، خصوصًا أن اتفاقًا من هذا النوع يمكن أن يخفف التوترات السياسية القائمة.
أما سيناريو انتهاء الحرب وفق منطق الغالب والمغلوب لصالح إسرائيل، فيعني، بحسب دياب، دخول لبنان مرحلة انتظار طويلة، ونشوء توترات داخلية إضافية، عبر مزيد من التأزم السياسي والاحتقان الشعبي بين المكونات اللبنانية، فضلًا عن استفحال الأزمة الاقتصادية.
ويقول إن انتهاء الحرب بهذه النتيجة قد يؤسس لأزمة كبيرة، قد تكون تداعياتها على الداخل اللبناني أصعب من الحرب نفسها.
ويشدد دياب على أن السيناريو الأفضل يتمثل في إنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن، من خلال اتفاق بضمانة عربية ودولية، لأن لبنان لا يستطيع وحده تحمل تبعات هذه المواجهة على مختلف الصعد.
إعادة الإعمار والنزوح.. فاتورة اقتصادية ثقيلة
لا تقل التبعات الاقتصادية في اليوم التالي للحرب أهمية عن التداعيات السياسية، خصوصًا في بلد كان أصلًا على حافة الانهيار، ويواجه اليوم معركة من نوع آخر: إعادة إعمار بلا موارد، ونظام مالي منهك، وثقة داخلية وخارجية شبه معدومة.
في هذا الإطار، يشير الصحافي الاقتصادي منير يونس إلى ثلاثة استحقاقات أساسية، أولها ملف النزوح، مع تدمير الجيش الإسرائيلي عشرات القرى بأكملها، خصوصًا في جنوب لبنان، ما يعني تعذر عودة أعداد كبيرة من أبنائها في المدى القريب.
ويشرح، في حديث إلى موقع التلفزيون العربي، أن هؤلاء النازحين سيشكلون ضغطًا إضافيًا على الخدمات وطلب المساعدات، بالتزامن مع توقعات بزيادة استثنائية في مستويات الفقر، وسط تقديرات تتحدث عن وصول 50% من سكان لبنان إلى حد الفقر في اليوم التالي للحرب.
والأربعاء الماضي، ذكر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو مرصد عالمي لمراقبة الجوع، أن نحو مليون شخص في لبنان يُتوقع أن يواجهوا أزمة انعدام أمن غذائي خلال الأشهر المقبلة، نتيجة تجدد الحرب والنزوح الجماعي.
أما الاستحقاق الثاني، وفق يونس، فهو ملف إعادة الإعمار، الذي تضاعفت فاتورته. ويقول إن كلفة إعمار المساكن بلغت، إثر الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2024، نحو خمسة مليارات دولار، وقد تصل في المرحلة الحالية إلى خمسة مليارات إضافية.
وبذلك، يشير يونس إلى أن لبنان يحتاج إلى 10 مليارات دولار على أقل تقدير لإعادة إعمار المساكن، وهو مبلغ غير متوفر، كما أن مصادر تأمينه لا تزال غير واضحة بعد انتهاء الحرب، من دون احتساب كلفة إعادة إعمار البنى التحتية المدمرة.
ويتحدث الصحافي الاقتصادي اللبناني أيضًا عن استحقاقات مالية واقتصادية كانت معلقة، وستعود إلى بساط البحث بعد انتهاء الحرب، وفي مقدمتها الإصلاحات المطلوبة لتوقيع اتفاق تمويلي مع صندوق النقد الدولي.
ويشرح أن لبنان يحتاج إلى توقيع اتفاق مع صندوق النقد والالتزام بإصلاحات محددة في ملفات الإدارة العامة والكهرباء والمصارف، بما يسمح له بالعودة إلى أسواق المال الدولية، ويفتح الباب أمام قروض ومساعدات من الدول المانحة والصناديق التمويلية.
في المحصلة، لا يبدو أن اليوم التالي في لبنان سيكون مجرد نهاية لمرحلة عسكرية، إنما بداية لاختبار وطني شامل. فبين اتفاق يفتح نافذة للتهدئة وإعادة البناء، ونتيجة تكرّس الانقسام وتطيل أمد الأزمات، تقف البلاد أمام مفترق يتجاوز نتائج الميدان إلى سؤال أعمق: أي دولة يمكن أن تخرج من الحرب؟