شاكر جهمي (أوريان 21)
في ذكرى انطلاقتها السنوية الأولى، عودة على تجربة المشاركة في قافلة الصمود البرية. فرغم قطع مسارها في منتصف الطريق وعودتها إلى نقطة انطلاقها، فقد كانت تجربة فريدة من نوعها مثّلت اختبارا حقيقيا لقدرة الانسان على محو حدود وتشييد أخرى دفاعا عن أعدل القضايا. قافلة ضمت نحو 1500 مشارك و20 حافلة أعدت العدة لتنطلق من تونس نحو معبر رفح، بين مصر وغزة المحتلة، لكسر الحصار الذي يفرضه الأبارتهايد الصهيوني وأصدقاؤه في حرب الإبادة التي يسلطها على الفلسطينيين.
صباح التاسع من يونيو/حزيران 2025 لم يكن شارع محمد الخامس، شريان العاصمة تونس، كعادته. الشارع الذي اعتاد الإيقاع السريع لخطوات العمال والموظفين وضجيج السيارات بدا وكأنه يتهيأ لحركية من نوع آخر. أمام الحافلات المصطفة على امتداد الرصيف ارتفعت الأعلام الفلسطينية وتجمعت حقائب السفر واللافتات والسترات وكاميرات الصحفيين في مشهد ممتد لا يعرف الهدوء. الضوء كان يتسلل ببطء فوق الوجوه والسترات كاشفا انتماءات مختلفة: نقابيون بقبعاتهم وصدرياتهم المعهودة، أطباء وفرق صحية، طلبة ومحامون وعمال ومتقاعدون وشباب من الجنسين. لم يكن الحضور صورة نمطية لجمهور متجانس، بل فسيفساء اجتماعية كاملة تكاد تختصر البلاد في رصيف واحد.
على الجانب الآخر من الحافلات تشكلت حلقات بشرية لسلام أخير قبل انطلاق القافلة، عناق طويل لا يحتاج إلى خطاب، وأمهات يخفين قلقا مشروعا وراء الكلمات والدعاء، و أصدقاء يلتقطون صورا سريعة قبل تحرك الموكب، وأطفال يلوحون بأياد صغيرة لا تدرك تماما معنى الحصار، لكنها تستشعر جدية اللحظة.
قافلة الصمود، قضية عابرة للحدود
قد لا نجد قضية حافظت على مكانتها في قلوب أجيال من التونسيين مثل القضية الفلسطينية، قضية تتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ عصيّة على النسيان تحولّت إلى مرآة عاكسة لوجدان الشعوب الحرة. ففي كل مرة يشتد فيها الحصار على غزة أو يشتعل فتيل العدوان، كانت الشعوب الحرة تحاول الانتفاض متجاوزة حدود المكان واللغة لتؤكد أن فلسطين ليست وحدها وأن الحدود المرسومة على الخرائط لا تستطيع أن تفصل بين القلوب النابضة والجرح النازف.
مع خروج القافلة من تخوم العاصمة تونس وانسيابها في طرقات البلاد بدأ الطريق يكشف بعدا آخر للرحلة، بعدا داخليا لا يقل دلالة عن الاتجاه نحو الأراضي الفلسطينية. من العاصمة إلى سوسة، ومن ثم إلى صفاقس ومدن الجنوب، كانت الحافلات تعبر مدنا بتقاليد وأعراف مختلفة لكنها تحظى باستقبال جماهيري مهيب عند دخولها كل محافظة. عند مداخل المدن اصطف مواطنون من تلقاء أنفسهم بعضهم جاء بسيارته ليرافق القافلة لبعض كيلومترات، وآخرون اكتفوا بالوقوف على حافة الطريق رافعين الأعلام أو هواتفهم لتوثيق اللحظة، لم يكن الاستقبال منظما بقدر ما كان تلقائيا وكأن الخبر سبق القافلة بخطوة وأيقظ في الناس رغبة في المشاركة ولو بالتحية.
العشرات من أعضاء مجموعات الألتراس التونسي1 على غير عادتهم كانوا ضمن القافلة يسيرون جنبا إلى جنب يساعدون بعضهم البعض، يرفعون الأعلام الفلسطينية ويهتفون بصوت واحد. شباب طالما ناصروا القضية من مدارج الملاعب عبر لوحات “تيفوهات” فنية، قرروا اليوم المشاركة في القافلة رغم المنافسة الكبيرة والخلافات التي عرفت عنهم.
يقول أحد شباب الألتراس في هذا الشأن:
“هذه الرحلة ليست مجرد مسافة نقطعها، بل هي امتحان لقدرتنا على تجاوز كل خلافاتنا القديمة وإدراك أن التضامن لا يحتاج إلى حدود، وأن العدل يجمعنا على الرغم من كل ما فرقنا في السابق.”
الغرب الليبي.. حين تختفي الانقسامات ويعلو صوت التضامن
قبل الوصول إلى معبر راس الجدير ببن ڨردان كان الطريق يلمّح تدريجيا إلى مدينة لا تشبه غيرها، تبدو بن ڨردان أقرب إلى فضاء مستقل بقوانين عرفية. هي مدينة تشكلت على إيقاع العبور والتجارة، مختلف السلع مكدسة هنا على الأرصفة بعد ان ضاقت بها المحلات، لا تزاحمها غير مكاتب تغيير العملة خارج المنظومة البنكية في حركة بيع وشراء لا تهدأ. تحيط بالمدينة نقاط تفتيش للشرطة والعسكر لتعيدنا إلى الواقع وتذكّرنا .بهجوم داعش الفاشل على المدينة قبل 10 سنوات2
عند معبر راس جدير تدخل القافلة فضاء مختلفا تحكمه الإجراءات والتراتيب، العبور هنا كان هادئا في مجمله وإن استغرق ساعات بحكم العدد الكبير للمشاركين وتنوّع وسائل النقل بين سيارات وحافلات وشاحنات مرافقة. سارت الإجراءات ضمن نسقها الإداري المعتاد دون تعقيدات إضافية أو تعطيل غير مبرر مع توزيع القافلة على مراحل في انتظار استكمال العبور.
في ظل بطء الإجراءات بين البوابة التونسية والليبية وطول الانتظار، تبادل المشاركون الأحاديث على وتيرة منخفضة توحي بأن الجميع يتحاشى رفع صوته أمام المجهول القريب. انطباعات متفرقة عما ينتظر خلف الخط الحدودي في بلد يدخله غالبية المشاركين في القافلة للمرة الأولى ومحمّل في الذاكرة الجماعية بمشاهد التوتر والانقسام وأخبار الاشتباكات التي راكمتها السنوات الأخيرة فلم يكن الخوف صريحا لكنه كان حاضرا في نبرة الكلام وفي الأسئلة المتكررة عن الطريق والمدن وعما إذا كان المسار آمنا بما يكفي، فيما كانت هذه الهواجس تقابل بمحاولات طمأنة متبادلة وبإصرار واضح على مواصلة الرحلة رغم الغموض.
بعبورنا الحدود الليبية، بدا الطريق وكأنه صفحة بيضاء على وشك أن تكتب عليها لحظة استثنائية من التلاقي والفرح الجماعي. في غرب ليبيا، استقبلتنا هذه المناطق التي عرفت في السنوات الأخيرة انقسامات حادة وصراعات قبلية وسياسية بلغت في كثير من الأحيان اشتباكات مسلحة راح ضحيتها عدد من القتلى والجرحى، - استقبلتنا هذه المرة بابتسامات مشرقة وأيادي مرفوعة في الهواء، كانت الحافلات تتقدّم على الأسفلت وكأنها تجوب مساحة أكبر من الأرض مشحونة بمعنى الوحدة والتضامن.
أثناء عبور المدن الليبية يحدثنا عبد الحميد، شاب ليبي من منطقة مصراته قرر أن يشارك في القافلة ويواصل الرحلة معها قائلا
“انظروا.. هذه المدن التي فرقها الخلاف والنزاعات الداخلية اليوم تجتمع على التضامن والترحيب بضيوفها "
، كلمات اختزلت المشهد وأكدت أن القافلة لم تكن تمر عبر جغرافيا فقط، بل عبر مساحة رمزية أعادت ترتيب الأولويات وجعلت التضامن مع فلسطين قوة موحّدة تفوق أي انقسام.
حين تواجه القافلة حدودا بين وطن وشعب واحد
يوم الجمعة 13 يونيو/حزيران 2025 وصلنا إلى تخوم مدينة سرت، توقفت الحافلات استجابة لقوات شرق ليبيا في نقطة تفتيش غير منتظرة، لم يكن بالمكان منشآت خاصة للإدارة والراحة كتلك التي تعترض المسافرين عند الحدود ومداخل المدن، لكن الجميع فهم أن القافلة أدركت أعقد البوابات والحدود، بوابة وهمية معقدة بين شرق ليبيا وغربها وحدود نفوذ القوى المتنازعة بين الغرب والشرق الليبي، حدود سياسية وفكرية تقسم الوطن الواحد والشعب الواحد. كانت لحظة قاسية أدرك فيها المشاركون أن الحدود ليست فقط ما يحدد على الخرائط، بل أيضا ما يصنعه الانقسام السياسي والهيمنة على القرار الذي يمكن له أن يحاصر الجسد والروح معا.
بعد تأكد استحالة التقدم نحو سرت ورفض مرور القافلة بالشرق الليبي ومنه إلى الحدود الليبية المصرية، أقيم مخيم في العراء على أطراف الطريق في مساحة صغيرة طوقتها قوات شرق ليبيا بالحواجز لتمنع خروج أو دخول أي شخص بحرية. وكأن اختيار المكان كان مدروسا، فهو صحراوي بعيد عن تغطية الاتصالات والانترنت، لتفشل كل محاولاتنا في التصوير المباشر والنشر على شبكات التواصل وكأن العالم كله اختفى فجأة وراء أسوار غير مرئية.
تحت الشمس الحارقة بدأ الإرهاق يظهر على وجوه المشاركين. لكن التعب الجسدي لم يكن وحده ما يثقل كاهلنا، فبعض الأخبار الشحيحة كانت تتحدث عن استحالة قبول قوات شرق ليبيا مرور الحافلة لأسباب أمنية استراتيجية، مقابل انطلاق حملات إسناد واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي وضغط على قوات الشرق ومصر لتسهيل مرور القافلة وعدم اعتراضها، من ذلك رواج شعار يعتبر نقطة توقف مسار القافلة بمثابة بداية لحدود الاحتلال “الإسرائيلي” الواقعية.
كانت الروح الجماعية التي نشأت بين المشاركين في المخيم طاغية على اختلاف الفوارق العمرية والجنسيات والايديولوجيات، فالكل يشارك جزءا من طاقته وطعامه. المشاركون من تونس والجزائر وليبيا وموريتانيا وحتى بعض الفلسطينيين المقيمين في ليبيا الذين رافقوا القافلة جلسوا معا على الأرض يتبادلون القصص ويخففون عن بعضهم لحظات القلق والخوف. رغم الإرهاق كان هناك شعور بأن القافلة تجربة حية لاختبار قدرتنا على كسر الحدود الداخلية، وتجاوز الاختلافات السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية من أجل قضية واحدة مشتركة داخل فضاء جغرافي صغير محاصر، فكنت تسمع حوارات ثنائية أو حلقات نقاش أو خطابات للمشرفين على القافلة يجددون فيها الدعوة للتماسك وتجنب أي خطاب أو سلوك يفرق الناس ويكسر لُحمتهم.
رغم الصبر والتحلي بالمسؤولية إلا أن الحقيقة باتت واضحة: قافلة انطلقت كسر الحصار وجدت نفسها محاصرة، القوات المسلحة التي طوقت المكان صعّدت في استفزازاتها ومرّت إلى تنفيذ اعتداءات واعتقالات لعدد من المشاركين، أما الوفد الذي مثل القافلة للتفاوض بغاية مواصلة الطريق فقد تعرض للتهديد والابتزاز وحتى للعنف، لتقرر القافلة عندها العودة من حيث انطلقت بعد التأكد من إطلاق سراح الموقوفين وسلامتهم.
الحسرة والأسف على وجوه المشاركين من ليبيا بصفة خاصة ترجمت الموقف كله، بعد أن أدركوا حقيقة ما صنعته الخلافات السياسية بين الشرق والغرب، فقد سطرت حدودا جديدة تفصل أبناء وبنات الشعب الواحد داخل وطنهم.
شدّت القافلة طريق العودة لكن العقول لم تستسلم للحزن أو اليأس، بل انطلقت تفكيرا في قادم الخطوات وفي قوافل وأساطيل لا حدود برية تعترضها. في طريق العودة، كانت الاستقبالات الشعبية عند مداخل المدن أكثر زخما، وكأن أنصار القضية يجيبون من عرقل مسار القافلة بأنها حققت أهم أهدافها بتجميع الشعوب الحرة من كل العالم عبر إطلاق مبادرات مماثلة برية وجوية وبحرية. فالزخم الذي حققته القافلة والتعاطف الذي كسبته بعد ما تعرضت له عند مداخل سرت، بالإضافة إلى منع مصر تجمع نشطاء من مختلف الجنسيات ومنعهم بالقوة من التوجه إلى الحدود، كل ذلك جعل الحركة تأخذ بعدا أكبر وتزداد صلابة واصرارا، مع اكتسابها تجربة ميدانية فريدة في القيادة وإدارة الأزمات وسرعة التعامل مع الطوارئ.