مقالات

الرأسمال التاريخي العثماني ومسألة الأرض في فلسطين: الصراع على ميراث السلطان عبد الحميد الثاني 1908-1914

post-img

منير فخر الدين (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

تأتي هذه الورقة من مشروع بحثي أوسع انشغلت به منذ مدة ليست قصيرة، ومشروع كتاب بشأن تاريخ ملكية الأرض في فلسطين، وتحديداً تاريخ حوكمة الأرض والصراع على تحديد الحقوق وإنتاج علاقات الأرض، بما في ذلك من تحولات اجتماعية وسياسية كبرى.

بالمنظور الواسع، يتناول الكتاب، ومجمل الأبحاث التي أُجريها، التحوّل من منظومة الطابو العثماني إلى منظومة تسوية الأراضي الانتدابية، والتي استقدمت نظام تورينز للتسجيل العقاري، المولود في مستعمرة أستراليا الجنوبية، والذي يعتمد الخرائط أساساً لتحديد وتسجيل الملكيات.

لقد ولد الطابو العثماني الجديد، ونظام تورينز هذا في نفس الفترة تقريباً: 1857-1859 وهي حقبة شهدت تحولات عالمية في أنظمة الأرض، ويمكن وصفها بأنها وضعت البنية القانونية التحتية لما اسماه إريك هوبسباوم "عصر الرأسمالية"، على الأقل فيما يخص ملكية الأرض. وعلى مستوى عام، يتناول بحثي هذا اللقاء/الاستبدال التاريخي لنظام الطابو بنظام تورينز، ولم يكن هذا مجرد التقاء أو استبدال تقني، إنما عكس تحولات عميقة قانونية وسياسية، لا مجال للخوض فيها هنا.

في هذا المقال أودّ أن أركّز على موضوع الملكية والرأسمال السياسي العثماني، عبر تناول قضية الصراع على ميراث السلطان عبد الحميد الثاني. وعلى العموم، فإن فرضيتي هي أن نظام الملكية الخاصة الذي بدأ يتشكل منذ صدور قانون الأراضي العثماني لعام 1858، لم يطلق فقط التراكم الرأسمالي والاستيطاني (والارتباط بينهما كان قوياً في تلك الفترة)، بل أيضاً تزامن وتقاطع مع ما يمكن تسميته صيرورة تكوّن المواطنة العثمانية، والتي على الرغم من تناقضاتها وتوتراتها، فإنها عنت من جملة ما عنته: تمكين النقد العام والنظر إلى القانون وسياسات الحكومة كشأن عام، وليس شأن خاص بالنخبة الحاكمة.

في ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، استخدم قانون الأراضي ونظام الطابو الجديد لنزع حيازة البدو والفلاحين من مساحات واسعة في سهول فلسطين، وتمليكها للبرجوازية المدينية الساحلية. ولكن مع الوقت، ومع تطور الاستيطان الصهيوني خلال هذه الحقبة وحتى الحرب العالمية الأولى، لم يعد بإمكان النخب الحاكمة أن تتصرف بهذه الفوقية في شؤون الدولة. ودليلي على ذلك هو الصراع على ميراث السلطان عبد الحميد الثاني.

لقد تملّك السلطان خلال فترة حكمه ملايين الدونمات (37) في شتى الولايات. وكان معظم هذه العقارات في العراق وسورية وجزء مهم في فلسطين، وكذلك في البلقان وغربي الأناضول والعاصمة. بعد عزل السلطان انتقلت هذه العقارات إلى الحكومة، وباتت تعرف بالأراضي الأميرية/السنية المدورة. وقد سعت الحكومة لتسييلها: بيع امتياز احتكاري لتطويرها من جانب شركة أوروبية مسجلة في باريس، مقابل 100 مليون فرنك فرنسي و12٪ من الريع السنوي، وذلك لسداد العجز الكبير في مالية الدولة والمتراكم منذ سنوات. وكانت جهات صهيونية قد سعت لنيل امتياز في أراضي السلطان في فلسطين، فشاع بقوة أن الشركة الفرنسية مجرد واجهة للحركة الصهيونية.

أسرد في المقال الكثير من التفاصيل، ولكن هنا أشير باقتضاب إلى الآتي: من ناحية قانونية، اعتبرت الحكومة الأملاك المدورة بمثابة أراض "محلولة" أي أنها انقطعت عنها حقوق الحيازة ويجوز بيعها في المزاد العلني كما تقتضي مصلحة مالية الدولة. ولكن المشروع لاقى اعتراضات شديدة من الصحف العربية، وبعض التركية أيضاً. وقد تحرك الرأي العام، ووصلت الاعتراضات الشديدة من الأعيان، ورؤساء الأهالي المزارعين، وممثلي الولايات، والموظفين الكبار، مما دفع الحكومة الاتحادية إلى التراجع عن المشروع.

ظهر المشروع لأول مرة في عام 1910 على الأغلب، ثم عاد بحلة جديدة عام 1911 لتجاوز جزء من انتقادات الصحف، ومرة أُخرى أحبط، ثم عاد مرة ثالثة في 1913، ومرة ثالثة تراجع عنه الاتحاديون.

لقد استخلصت من عشرات المقالات التي تابعت هذه القضية بين 1910-1914، خمسة انتقادات قوية، ليست كلها منسجمة، لكن مما لا شك فيه أنها تركت أثراً قوياً حتى بعد انقضاء الحكم العثماني.

أبرز هذه الانتقادات هي:

أولاً، إن تسليم امتياز ضخم لجهة تقف وراءها شركات أوروبية يستتبع حتماً التدخل الاستعماري. وعليه، إذا كان الهدف من التسييل جلب الأموال لتقوية الدولة العثمانية، فالوسيلة تتناقض تماماً مع الغاية.

ثانياً، ثمة خطأ كبير، ولو من ناحية فنية محضة، في إعطاء استثمار ضخم يشمل أعمال عامة تطويرية، كشق الطرق، وتجفيف المستنقعات، وبناء الجسور على صعيد ولايات شاسعة، لجهة واحدة! فضخامة المشروع ستؤدي إلى الفشل حتماً.

ثالثاً، لا يجوز حرمان الرأسمال الوطني العثماني الصغير من الاستثمار والتطوير والإعمار، وهذا يتلاقى مع النقطة السابقة، فبدلاً من إعطاء شركة واحدة احتكاراً في المجال، يجب توزيع العقارات ومهمة التطوير على شركات وطنية متعددة، يساهم فيها ويضبط سياساتها مواطنون عثمانيون أباً عن جدّ.

رابعاً، وهذا ما ظهر على وجه الأخص في صحيفة الكرمل: لا يجوز في أي حال من الأحوال، إغفال أن الهدف الحقيقي من المشروع هو فلسطين، وأن الجهة التي تقف وراءه هي الصهيونية.

خامساً، وهذا أيضاً ظهر في فلسطين على نحو بارز: لا يجوز التفكير بالتطوير من دون ضمان مصالح المزارعين القيمين على الأرض. ولا يجوز تشريدهم، فليس بهذا تتحقق الغاية العليا في إعمار البلاد وترقيتها. ولذا من الأجدى أن تعطى هذه الأراضي للمزارعين مباشرة، أو يكون لزاماً على الشركات الوطنية بعد تطوير الأرض، واسترجاع رأسمالها وأرباحها المعقولة، أن تعيد الأرض للمزارعين مقابل بدل المثل.

لقد تعززت في هذا الجدل عدة أفكار: الأولى؛ أن حقوق الوطنيين في الاستثمار والتطوير لا يمكن إهمالها. والثانية، أن الدولة لا يمكن لها أن تعود إلى سياسة القرن السابق في فتح السوق والخصخصة من دون أن تلتفت إلى النقد العام والرأي العام العثماني. والثالثة، أن حقوق المزارعين لا يمكن أن تحصر في نص القانون الضيق، أي كمستأجرين للأرض لا حقوق تصرّف قانونية تحميهم. فعلى الرغم من أنهم لا يملكون، إلاّ إن لهم حقوق معنوية وسياسية عُليا، لا يجوز المساس بها، كجزء لا يتجزأ من الكينونة الوطنية العثمانية.

وسنجد أن هذه الأفكار ستعود لترسم ملامح سياسة الاحتلال البريطاني، وخصوصاً في غور بيسان، وإلى حدٍ ما أيضاً الحولة ومناطق أُخرى.

باختصار شديد، اعتقد هربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني الأول في فلسطين (1920- 1925)، تحت تأثير زعماء الحركة الصهيونية، أن الأرض المدورة واضحة قانونياً؛ وأنها ملك الدولة، وأنه لا حق للمزارعين فيها. ويمكن بالتالي التعامل معها كأرض فارغة، وتخصيصها للاستيطان.

وفعلاً، خلال شهرين بعد تولّيه مهامه، شكّل صموئيل "لجنة أراضي" لتقدّم له مقترحاً بتأجير جزء مهم من الأراضي المدورة لجهات استيطان صهيونية، ورجال أعمال موالين للبريطانيين (إنكليزي – الكابتن روس - متوطن في نابلس، وفلسطيني لبناني الأصل – سليمان بك ناصيف)، وبتغيير نظام الإجارة للمزارعين القيمين، لتمكين الدولة أكثر من التحكم في الإنتاج والقرار بشأن الأرض.

أمام هذا الخطر الجديد، تكتل أهالي بيسان ونسقوا مع الحركة الوطنية الفلسطينية الناشئة، وأجبروا صموئيل على توقيع اتفاقية الغور المدورة (تسوية الأراضي في بيسان التي شملت أيضاً سمخ وغور الفارعة)، وهي المناطق التي كان من المفترض أن تذهب للمستوطنين ورجال الأعمال المذكورين. لقد تبنّت هذه الاتفاقية عملياً فكرة تطويب الأراضي بأسماء المزارعين وإعادتها إليهم، والتي طُرحت قبل عقد من الزمن.

لقد تم تأطير هذا المقال ضمن مفهوم الرأسمال التاريخي، مع جعله يحاكي إطار دراسات الاستعمار الاستيطاني، الذي يزداد استخدامه في الدراسات الفلسطينية اليوم. وقد وجدت من المفيد أن أربطه تحديداً بمقال للانثروبولوجي النقدي الراحل باتريك وولف، أحد أبرز مؤسسي دراسات الاستعمار الاستيطاني كما نعرفها اليوم، وهو مناصر للفلسطينيين بكل تأكيد. عنون وولف مقاله المذكور: "الشراء بوسائل أُخرى: النكبة الفلسطينية والغزو الصهيوني للاقتصاد"، وأراد بذلك أن يؤطر الصهيونية كحالة بارزة من الاستعمار الاستيطاني الذي يمارس "نفي الأصلانيين" وبناء كينونة المستوطن فوق أنقاضهم. واعتبر أن هذه العملية هي بنية وليست حدثاً، وأن النكبة بالتالي ليست نقطة البدء إنما نتاج تراكم تاريخي وتراكم تاريخي مسبقpre-accumulation  للصهيونية واشتراكها برأسمال استعماري أوروبي، وأن الفلسطينيين كما كل الشعوب الأصلانية جمعت كل ما تملك من رأسمال تاريخي، ديموغرافي ومادي، لتواجه قدرها أمام الاستعمار.

ولكن لا ملامح لهذا الرأسمال التاريخي الأصلاني في ذلك المقال. وليس هدفي الترصد هنا لمفكر رفيع ومناصر، إنما الهدف هو الدعوة إلى إعادة التفكير بمخيلة يشترك فيها الكثيرون، حتى من المؤرخين الفلسطينيين، تعتبر أن التاريخ هو تاريخ تآكل تدريجي مستمر وخطي، لقوة الفلسطينيين. إن النظر في الحقل السياسي العثماني، وحتى إلى درجة ما في حقبة الاحتلال وعلى مدار التاريخ اللاحق، يكشف دورات من الصراع ومراكمة القوة السياسية، وكل منها يستوجب الدراسة الدقيقة، والنقد، واستخلاص العبر.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.