عبدالمقصود علي (رؤية الإخبارية)
تحدت شبكة صغيرة من رواد الأعمال، المهندسين، والعمال الفلسطينيين في قطاع غزة واقع الحصار المطبق، عبر ابتكار طريقة استثنائية لتحويل أنقاض المباني والمصانع المدمرة جراء القصف إلى مواد خام وصناعة أسمنت بديل.
وأفاد تقرير لصحيفة “الجارديان“، الاثنين 18 مايو 2026، بأن هذه الصناعة البديلة ولدت بدافع اليأس التام عقب مواصلة إسرائيل فرض حظر شامل وصارم على دخول الأسمنت وجميع مواد البناء والصلب والمعدات الثقيلة منذ أكتوبر 2023، لتعميق الحصار الملاحي المفروض على القطاع الساحلي منذ 2007.
خيار التشطيب الوحيد رغم المخاطر الجسيمة
تعود بداية الفكرة للشاب سعدي الشاعر وأربعة من رفاقه، الذين لاحظوا تراكم الطين الممزوج بغبار الأسمنت حول المصانع والمستودعات المهدمة في منطقة القرارة شمال خان يونس، وعمد الفريق إلى تكسير الرواسب الخرسانية المتصلبة يدويًا باستخدام كتل حديدية ثقيلة، ثم نخل الناتج عبر شبكات حديدية دقيقة للحصول على مسحوق ناعم، يخلط بنسب معقدة تتكون من 60% غبار أسمنت، 15% جير، 10% جبس، 10% كالسيوم، مع استخدام “غراء الخشب” كمادة رابطة بديلة عند نفاد المواد الأساسية، فضلًا عن طحن الأسمنت المتصلب القديم بفعل التخزين وإعادة تركيبه مجددًا.
ويعمل في هذه الورش البديلة والمستحدثة وسط خيام النزوح عشرات العمال؛ حيث ينتج مصنع الشاب إبراهيم العلول ما بين نصف طن إلى طنين يوميًا من الأسمنت المعاد تدويره، وسط ظروف عمل شاقة تملأ الأجواء بالغبار الذي يخنق الأنفاس ويشكّل مخاطر صحية تنفسية جسيمة على العاملين، وأكد العمال أنهم يفتقرون للخيارات البديلة لكسب الرزق أو ترميم ما تبقى من جدران تحميهم.
من جانبه، أوضح المهندس المدني المتخصص في إدارة الإنشاءات، محمود عبيد، والذي يشرف على أعمال ترميم المرافق الحيوية ومنها مستشفى الوفاء، أن هذا الأسمنت البديل يعد المادة الأساسية الوحيدة المتاحة حالياً لأعمال التشطيب المؤقتة كالتجصيص، والتبليط، وترميم الجدران المتصدعة للحفاظ على الأرواح، وأشار عبيد إلى أن المادة تفشل في الاختبارات الهندسية الرسمية ولا يمكن السماح باستخدامها في الإنشاءات البنائية الضخمة أو طويلة الأمد، مانحاً إياها ضماناً لمدة 12 شهرًا فقط، كما أكد أن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى أقل من جزء من ألف من الاحتياجات الإجمالية للقطاع، مما يفرض منح الأولوية القصوى للمستشفيات والبنية التحتية العامة.
61 مليون طن من الأنقاض والاحتلال يخرق اتفاق الهدنة
تأتي هذه المحاولات الفردية لمواجهة حجم دمار مرعب؛ إذ أظهرت صور الأقمار الاصطناعية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتوحيد “يونوسات” تضرر نحو 81% من جميع مباني قطاع غزة، مع تدمير كامل لما يزيد عن 123 ألف مبنى، مخلفة وراءها أكثر من 61 مليون طن من الأنقاض.
ووفقًا لتقييم مشترك بين الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والبنك الدولي، فإن كلفة إعادة إعمار القطاع تتطلب ميزانية ضخمة تبلغ 71.4 مليار دولار (52 مليار جنيه إسترليني) تمتد على مدى العقد القادم.
وعلى الصعيد السياسي والإنساني، أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” أن جهود إعادة البناء تتأخر بشكل حاد وصادم بسبب خرق سلطات الاحتلال لـ”اتفاق وقف إطلاق النار” الهش المبرم في أكتوبر 2025، ورغم أن الاتفاق نص صراحة على الاستئناف الفوري للمساعدات ودخول مواد البناء، إلا أن إسرائيل تواصل تشديد الرقابة ومنع دخول الصلب والأسمنت بدعوى تصنيفها كـ”مواد ذات استخدام مزدوج” يمكن توظيفها لأغراض عسكرية.