مصر 360
نشر الباحث ديفيد روبرتس، أستاذ دراسات الأمن في الشرق الأوسط ورئيس معهد كينج للدراسات الأمنية التطبيقية، مقالًا في مجلة فورن أفيرز، يناقش مستقبل أمن الخليج في ظل الحرب على إيران، وحمل المقال رؤية جديدة تقوم على بناء أمن إقليمي جماعي، بدلًا من الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية.
وأشار ضمن رؤيته للوضع الراهن، إلى أنه يجب على قادة الخليج التوقف عن انتظار واشنطن؛ لتقديم نتيجة للحرب الدائرة في المنطقة مع إيران؛ تخدم مصالحهم، والبدء في صياغة تلك النتيجة بأنفسهم.
وطرح الباحث تسوية تحمل عناصر عملية، تضمنت تقوية الدفاع المشترك والتعاون بين دول المنطقة، وخروج القوات الأمريكية من الخليج، مقابل تعهد إيراني بتغير سياساتها العدائية، واعتبر أن ذلك ممكنا استنادًا إلى ما يتسم به النظام الإيراني من مرونة في محطات عدة، وربط نجاح ذلك بتقديم حوافز تتيح تحقيق تعافٍ اقتصادي من خلال تخفيف العقوبات، وتعاون بين دول المنطقة، مشيرا إلى ضرورة أن تكون دول الخليج جزءا من التسوية، ولا تكتفي بدور المراقب.
ويقول إن الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران وضعت دول الخليج في موقف صعب، فقد أصبحت القوات الأمريكية التي تستضيفها هذه الدول السبب الرئيسي في تعرض فنادقها، وبنيتها التحتية للطاقة لهجمات إيرانية.
وعلى الرغم من أن القدرات العسكرية الإيرانية قد تضررت بشدة، فإن طهران ما تزال تحتفظ بالقدرة على ضرب الخليج، كما أن قبضتها على مضيق هرمز لم تضعف. ويبدو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مستعدًا بالقدر نفسه لقبول أي اتفاق يمكنه تسويقه بوصفه انتصارًا، أو للمضي نحو مزيد من التصعيد.
وفي كلتا الحالتين، تخسر دول الخليج، لذا يجب على قادته التوقف عن انتظار واشنطن؛ لتقديم نتيجة تخدم مصالحهم، والبدء في صياغة تلك النتيجة بأنفسهم.
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب التخلي عن الافتراض الذي حكم أمن الخليج لمدة قرن: أن الأمن سلعة يمكن التفاوض عليها، بدلًا من كونه قدرة يجب بناؤها.
وهذا يتطلب من دول الخليج التعامل مع إيران بنفسها، بدلًا من انتظار واشنطن لتفعل ذلك نيابة عنها.
وينبغي أن يتخذ الاتفاق بين الملكيات الخليجية، وإيران شكل معاهدة يكون الانسحاب العسكري الأمريكي التدريجي من القواعد في منطقة الخليج حجر الزاوية، فيها ضمن صفقة إقليمية شاملة. ولن يكون الانسحاب الأمريكي تراجعًا فرضه العدوان الإيراني، بل خطوة محسوبة. فقد أرادت إيران منذ عقود خروج الولايات المتحدة من الخليج، ويتوازى مع ذلك تخفيف تدريجي للعقوبات الدولية.
في المقابل، ستقدم طهران تنازلات واسعة النطاق: قيودًا على برامجها النووية والصاروخية، ووقف سلوكها العدائي، مع اتخاذ خطوات نحو التطبيع الدبلوماسي مع جيرانها، ما يشكل إعادة ضبط منهجية للعلاقات، وسيكون بداية نظام إقليمي جديد.
لكن التسوية وحدها ليست كافية. يجب إعادة توجيه الجيوش الخليجية نحو قدرات دفاعية وقتالية حقيقية، فعلى مدى عقود، أوكلت هذه الدول أمنها إلى شركاء دوليين، وانعكست هذه الترتيبات على قواتها: إذ غالبًا ما جرى تصميمها لخدمة الإشارات الدبلوماسية والحفاظ على الشراكات أكثر من تلبية المتطلبات الصارمة للدفاع الإقليمي. وهذا يجب أن ينتهي.
وهم الحماية
غالبًا ما يخون الرعاة الخارجيون من الدول المصالح الخليجية، مثال على ذلك، تنازلت المملكة المتحدة عن ثلثي أراضي الكويت عام 1922، وتخلت عن حلفائها في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، وعندما سحبت قواتها من الخليج عام 1971 (حيث كانت موجودة بشكل أو بآخر لمدة تقارب 150 عامًا)، وافقت ضمنيًا على استيلاء إيران على ثلاث جزر إماراتية.
كما أن سجل واشنطن ليس أفضل كثيرًا. ففي عام 1979، وقفت الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي، بينما اجتاحت الثورة إيران، ضد شريكها الإقليمي الرئيسي آنذاك “شاه إيران”.
وخلال الربيع العربي، لم تقدم واشنطن أي دعم لشركائها في البحرين ومصر. وفي عام 2019، امتنعت عن رد فعل جاد بعد هجوم مدعوم من إيران على أكبر منشأة لتكرير النفط في السعودية.
وفي عام 2025، تعرضت قطر، وهي حليف رئيسي للولايات المتحدة، للقصف من إيران، وبشكل منفصل من إسرائيل. ويظل الاستثناء الأبرز هو تحرير الكويت بقيادة أمريكية من الاحتلال العراقي عام 1991.
لكن قادة الخليج يمنحون هذا المثال وزنًا أكبر مما يستحق. فقد تدخلت واشنطن؛ لأن ذلك خدم مصالحها في لحظة أحادية القطبية. ولكن عندما تتباعد المصالح الخليجية والأمريكية مرة أخرى، فإن هذا السلوك الأمريكي لا يتكرر.
إن فشل الحماية الخارجية ليس سوى جانب واحد من مشكلة أعمق. فكثيرًا ما تعاني دول الخليج (كما هو الحال في أوروبا) من غياب الجدية في الشؤون العسكرية، مستمتعة بوهم أن الولايات المتحدة ستحميها إلى الأبد.
في حين لا يوجد أي مبرر استراتيجي، يفسر لماذا لم تطور دول الخليج، المعتمدة بشدة على الصادرات عن طريق البحر والمعرضة منذ زمن طويل لتهديدات زرع الألغام الإيرانية في مضيق هرمز، لم تطور قدرات عالمية المستوى في مكافحة الألغام.
وقد تُرك هذا النوع من الخبرة البحرية بالكامل تقريبًا للمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وهو ترتيب مصيري، إذ أحالت الأولى كاسحات الألغام الخاصة بها إلى التقاعد قبل الحرب، بينما بدأت الثانية عملياتها ضد إيران في فبراير بشكل غريب، بينما كانت كاسحات ألغامها على بُعد آلاف الأميال.
كما هو الحال دائمًا، اتخذت لندن وواشنطن هذه القرارات، بما يخدم مصالحهما، لا مصالح دول الخليج.
يجب على الجيوش الخليجية، أن تبني قدرات قتالية حقيقية. هناك إشارات من التميز بالفعل. فقد كان الإنزال البرمائي الناجح الذي نفذته الإمارات في مدينة عدن اليمنية عام 2015 الأكثر تعقيدًا في التاريخ العسكري العربي الحديث؛ كما أن مشغلي الدفاع الصاروخي الخليجيين يتمتعون بكفاءة عالية، لا سيما؛ لأنهم من بين الأكثر اختبارًا قتاليًا في العالم.
وعندما غاب الرعاة الدوليون عن أداء المهمة نيابة عنهم، أثبتت الجيوش الخليجية قدرتها على القيام بها. والمهمة الآن هي تعميم هذا النموذج، قبل أن تكشف الأزمة المقبلة الثغرات.
التسوية: الآن أو لاحقًا
يدفع بعض المسؤولين الخليجيين باتجاه أن تقوم الولايات المتحدة بـ”إنهاء المهمة” ضد إيران، وهو شعور يتجسد في الطلب الذي يُعبّر عنه سرًا عبر العواصم الخليجية، بألا تتوقف واشنطن، حتى تعجز إيران عن تهديد مضيق هرمز، أو دعم وكلائها “حلفائها”، أو ضرب البنية التحتية دون عقاب.
ويُذكر أن إيران نجت من حرب وجودية، استمرت ثماني سنوات مع العراق. كما صمدت أمام عقود من العقوبات، وحملة اغتيالات إسرائيلية، استهدفت كبار مسؤولي النظام.
الآن، وبعد أشهر من إحدى أكثر حملات القصف استدامة التي شهدتها المنطقة، ما يزال النظام الإيراني قائمًا، ويواصل إطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ على جيرانه، كما أن المراهنة على انهياره تحت الضغط وحده، لا يدعمه سجل التاريخ.
كل الحروب تنتهي. والسؤال الوحيد هو ما إذا كانت التسوية ستأتي بعد أشهر أم سنوات. فالخصوم يسعون في النهاية إلى التفاهم، كما فعلت إيران ودول الخليج في الماضي. وقبل أن تتحول الحرب الحالية إلى كارثة، ينبغي لإيران ودول الخليج السعي نحو معاهدة، تنسحب بموجبها الولايات المتحدة من قواعدها في المنطقة مقابل تنازلات متبادلة من إيران.
حينها ستضع هذه المعاهدة الأساس لنظام إقليمي جديد، تصوغ فيه دول الخليج شروط أمنها بنفسها، بدلًا من الاعتماد على رعاة لا تتطابق مصالحهم دائمًا مع مصالح هذه الدول.
إن انسحابًا أمريكيًا تدريجيًا على مدى خمس سنوات، سيزيل سببًا هيكليًا لانعدام الأمن في الخليج. وسيشمل ذلك مغادرة القوات الأمريكية للمنشآت الرئيسية في المنطقة، وبينها قاعدة العديد في قطر، ومقر الأسطول الخامس في البحرين، وقواعد الظفرة في الإمارات، وعلي السالم في الكويت، والأمير سلطان في السعودية، مع الإبقاء على البنية التحتية سليمة، والتزام تعاقدي ملزم بعودة سريعة إذا ظهر تهديد خطير.
هذا في وقت ترى العقيدة الاستراتيجية الإيرانية الوجود العسكري الأمريكي الإقليمي تهديدًا وجوديًا، والهدف الرئيسي لاستراتيجية ردعها. وإذ لم تعد تواجه طهران تهديدات وجودية من الولايات المتحدة وإسرائيل ستكون أقل اندفاعًا نحو التوسع المستمر في قدراتها العسكرية.
وأي انسحاب أمريكي لن يكون أحادي الجانب أو غير مشروط. ففي مقابل الانسحاب الأمريكي، وهو مكسب لم يُطرح من قبل، من المرجح، أن تكون طهران مستعدة لتقديم تنازلات أكبر من أي اتفاق سابق.
وتعد القضية النووية هي المحور الأساسي. فأي تسوية معقولة ستشهد عودة إيران إلى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق شروط أكثر صرامة من تلك الواردة في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015.
ويمكن للبرامج النووية المدنية الخليجية أن توفر أساسًا لإطار من التفتيش المتبادل والشفافية وبناء الثقة. وهذا بدوره قد يقيّد العمليات الإسرائيلية الأحادية ضد إيران، كما أن طهران التي لم تعد تواجه تهديدًا وجوديًا سيكون لديها دافع أقل للاندفاع نحو امتلاك القنبلة الذرية.
وسيكون تقييد برامج الطائرات المسيّرة الإيرانية أكثر صعوبة. فالإنتاج موزع ومنتشر عمدًا في الأراضي الإيرانية، والتكنولوجيا منتشرة للغاية وذات استخدام مزدوج، بحيث يصعب ضبطها عبر أنظمة التفتيش التقليدية. قد يكون الحظر الكامل بعيد المنال، لكن بنية تفتيش متعددة الأطراف تشمل دول الخليج، يمكن أن تضع حدودًا ملزمة للمدى والحمولة، وتقيّد نقلها إلى الجهات غير الحكومية، وتراقب الانتشار واسع النطاق.
وسيُفرض الالتزام من خلال المنطق نفسه الذي يقوم عليه باقي الاتفاق: تعليق تدريجي للعقوبات وجدولة مشروطة للانسحاب الأمريكي، بحيث يعتمد كل من التخفيف الاقتصادي على إيران ورحيل الولايات المتحدة على الالتزام المثبت.
وبالتوازي، ينبغي لدول الخليج أن تستوعب تكتيكات أوكرانيا المضادة للطائرات المسيّرة: الحرب الإلكترونية، والاعتراض متعدد الطبقات، وتحصين البنية التحتية الحيوية. فالدبلوماسية تقلل التهديد مع مرور الوقت؛ والدفاع يعالجه في الوقت الراهن.
كما ستحتاج إيران إلى التوقيع على معاهدة شاملة لعدم الاعتداء تُقنن حدودًا لمدى وحمولة الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتفكك دعم طهران للجماعات الوكيلة “الحليفة” مثل الحوثيين، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، وتضع أسسًا للتكامل الاقتصادي الإقليمي، بما يمنح الطرفين مصلحة مادية في استدامة الاتفاق.
إن الهدف هو تحويل الخليج من ساحة معركة متنازع عليها إلى منطقة اقتصادية متكاملة، تتحمل فيها جميع الأطراف، بما في ذلك إيران: تكلفة الصراع.
قد يعترض البعض بأن إيران لن تلتزم بمثل هذا الاتفاق، بحجة اعتبارات عقائدية لا يمكن لأي نظام حوافز أن يغيرها. لكن قراءة أكثر برجماتية ترى إيران دولة عقلانية، وإن كانت عدوانية في تحقيق أهداف استراتيجية واضحة: إخراج القوة العسكرية الأمريكية من جوارها، والاعتراف بمكانتها الإقليمية، وضمان بقاء نظام طهران. ومن هذا المنظور، فإن سلوكها يتأثر بالضغط والحوافز.
أن السجل التاريخي يشير إلى أن أياً من هذين الرأيين ليس صحيحًا بالكامل. فإيران مدفوعة أيديولوجيًا، وهو ما يفسر استثمارها المستمر في شبكات الوكلاء “الحلفاء” عبر المنطقة ورفضها التخلي عن معاداة الصهيونية، وهي إحدى ركائز الثورة، حتى عندما كان من شأن ذلك تخفيف عزلتها الدولية.
لكنها أيضًا مرنة استراتيجيًا؛ فقد تشكلت سياستها الخارجية بفعل الحوافز والردع. وكثيرًا ما تصرفت ببرجماتية ونفعية: فتاجرت مع إسرائيل في الثمانينيات، وتمتعت بفترات تهدئة إقليمية في التسعينيات والعقد الأول من الألفية، والتزمت بخطة العمل الشاملة المشتركة لأكثر من عام بعد انسحاب واشنطن منها في 2018، ثم واصلت الامتثال جزئيًا، وأعادت العلاقات مع السعودية في 2023.
هل إيران جديرة بالثقة أم أن الحوافز المعروضة ليست كافية لجعل الالتزام هو المسار الأقل مقاومة.
في هذا الصدد، فإن الهيكل المقترح هنا: تخفيف العقوبات وإزالة الوجود العسكري الأمريكي، وان يوضع على الطاولة أكثر مما طرحه أي إطار تفاوضي سابق.
مكسب للجميع
دول الخليج لديها الكثير مما يمكن أن تكسبه، والكثير مما يمكن أن تخسره، وأي تسوية تستثنيها قد تتحول إلى صفقة أضيق بين واشنطن وطهران تخدم مصالح العاصمتين، بدلًا من مصالح الملكيات الخليجية.
يجب أن تكون البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة أطرافًا رئيسية في المعاهدة، لا أن يكون وضعهم دور المراقب، ويجب أن تحدد آليات تحقيق الهدف، وتقود نظام التفتيش المتبادل، وتتولى قيادة مسار الانخراط الاقتصادي الذي سيجعل الاتفاق مستدامًا.
ولكي ينجح ذلك، تحتاج دول الخليج إلى تجديد الالتزامات الأمريكية، مقننة في معاهدة، مع إبقاء البنية التحتية العسكرية سليمة والتزام أمريكي ملزم بالعودة، إذا ظهر تهديد خطير. وقد أظهرت الحرب الحالية قدرة الولايات المتحدة على حشد قوات كبيرة في المنطقة خلال أسابيع.
وهذا الترتيب يمثل مكسبًا واضحًا للملكيات الخليجية، إذ يوفر الطمأنينة والردع دون الوجود العسكري الأمريكي الاستفزازي الذي تعتبره طهران غير مقبول.
ومع بدء تشكل التسوية وانسحاب الولايات المتحدة تدريجيًا، يجب على دول الخليج بناء قدراتها الذاتية لردع إيران. فهي بعيدة عن أن تكون عاجزة؛ إذ تمتلك أنظمة دفاع صاروخي عالمية المستوى وقدرات تقليدية متفاوتة، لكنها آخذة في النضج.
ويبرز هنا السؤال: كيف يبدو التعاون بين دول تاريخها الحديث يتضمن حصارًا، استمر ثلاث سنوات ونصف لإحداها (قطر) لكن، هذا ليس النموذج الوحيد، فجانب ذلك هناك التنسيق الثنائي، إلى جانب ائتلافات حول وظائف محددة.
ويمكن أن يتخذ التعاون أشكالًا عديدة: الأمن البحري في مضيق هرمز، وتبادل بيانات الإنذار المبكر بشأن الهجمات الإيرانية، ومناورات مشتركة للدفاع عن المواني والمصافي، واعتراض أسراب الطائرات المسيّرة، وإزالة الألغام.
وهذا لا يتطلب مشاركة كل دولة خليجية في كل مبادرة، بل مشاركة عدد كافٍ منها في عدد مناسب من المبادرات الصحيحة.
بالنسبة لواشنطن، فإن انسحابًا تدريجيًا مدعومًا بتسوية إقليمية شاملة، يوفر ما لا يمكن للمسار الحالي أن يقدمه: خروجًا كريمًا يبدو كتصرف لرجل دولة لا كتراجع.
التسوية التي تقيد بشكل موثوق الطموحات النووية الإيرانية، وتنهي عقودًا من الانتشار العسكري، وتنتج اتفاقًا خليجيًا مستدامًا، سيعالج عدة مشاكل دفعة واحدة: العبء المالي للوجود الدائم، واضطراب أسواق الطاقة، وإرهاق الرأي العام الأمريكي من الانخراط المفتوح في الشرق الأوسط.
أما الجائزة بالنسبة لإيران، فهي ما لم تتمكن أربعون عامًا من الخطاب الثوري وحافة الهاوية النووية من تحقيقه. فرفع العقوبات بما يكفي لإعادة إطلاق النمو الاقتصادي أهم للنظام من أي انتصار عسكري خارجي؛ إذ إن التهديد الداخلي من سكان شباب، متعلمين، ومغتربين عن النظام، أخطر على الجمهورية الإسلامية من أي تحالف خارجي.
وبعد أن نجا النظام من أشد ضغط عسكري في تاريخه، أصبح يمتلك المصداقية التي تسمح له بتقديم تنازلات لخصومه الخارجيين ولمواطنيه دون إذلال مع تحويل الصمود إلى تسوية وتعافٍ اقتصادي.
أما بالنسبة لدول الخليج، فإن غريزة البقاء داخل المظلة الأمنية الأمريكية تعكس قرنًا من العادة المؤسسية، والتنشئة النخبوية، والتكلفة الغارقة في بنية أمنية نجحت أحيانًا. لكن الأمن لا يمكن شراؤه من الخارج؛ بل يجب بناؤه في الداخل.
وستغادر الولايات المتحدة المنطقة في نهاية المطاف، بغض النظر عما تفضله دول الخليج. والسؤال الوحيد هو ما إذا كانت دول الخليج ستشكل شروط هذا الرحيل أم ستُشكَّل هي به.