مقالات

واشنطن تعيد هندسة القرن الأفريقي وتهدد الأمن القومي العربي

post-img

محمد حسب الرسول (الميادين)

في الأسبوع الثاني من أيار/مايو 2026، كشفت وكالات أنباء دولية وثائق داخلية خاصة بالخارجية الأميركية، تشير إلى بدء  الإدارة الأميركية في مراجعة العقوبات المفروضة على إريتريا منذ عام 2021 ولمحت إلى إلغائها. 

تزامن ذلك مع توقيع إطار للحوار الاستراتيجي الأميركي الإثيوبي، المصوَّب نحو تحقيق "السلام الإقليمي"، ورفع واشنطن حظرها على تصدير السلاح والمعدات العسكرية للجيش الإثيوبي، المفروض هو الآخر في العام ذاته الذي فرضت فيه العقوبات على أسمرا، ما يعني أن أديس أبابا باتت قادرة على تحديث ترسانتها العسكرية. 

وتمكن هذه الخطوة إثيوبيا من تعزيز قدرتها العسكرية في وقت تواجه تحديات أمنية داخلية، وتشارك في العدوان على السودان، وتعتزم الوصول إلى البحر، ولو بقوة السلاح، بعد أن عادت دولة حبيسة،  كما كانت قبل أن تضيف إليها واشنطن إريتريا في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1962.

تأتي هذه الخطوات في سياق جهود أميركية مكثفة لإعادة هندسة أوضاع القرن الأفريقي في ظل الحرب الدائرة في غربي آسيا، ولضمان نفاذ إثيوبيا إلى البحر الأحمر عبر الساحل الإريتري.

المقايضة الكبرى: رفع العقوبات مقابل الصلح

تعاظمت أهمية سواحل أفريقيا الشرقية، وخصوصاً بعد مشاركة اليمن في إسناد غزة وإبداء صنعاء استعدادها لإسناد طهران في مواجهة العدوان الصهيو-أميركي. لهذا تبذل واشنطن جهوداً لتحقيق أهدافها الجيواستراتيجية في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي عبر تمكين إثيوبيا من ميناء مصوع المطل على باب المندب. 

وتسعى أميركا إلى تليين موقف إريتريا الرافض لبسط إثيوبيا سيادتها على أي بقعة إريترية. لذلك طرحت صيغة مقايضة ضيزى تقوم على رفع العقوبات التي تفرضها على أسمرا مقابل صلحها مع أديس أبابا وتمكينها من ميناء مصوع.

ملامح الصلح التاريخي المرتقب

وفق التسريبات، قد تقوم الصفقة المرتقبة على منح إثيوبيا وصولاً إلى البحر الأحمر عبر ميناء مصوع لمدة خمسين عاماً، وإقامة قاعدة بحرية عسكرية إثيوبية، إلى جانب تسوية حدودية تعيد تفعيل اللجنة المتعثرة، ووقف للأعمال المهددة للاستقرار، وانفتاح اقتصادي بين الجارتين ومعهما، حال الاتفاق.

تهديد الأمن القومي العربي والتركي

يفرض الوصول الإثيوبي للبحر الأحمر واقعاً جيوسياسياً جديداً، ويصنع معطيات جيواستراتيجية تتجاوز مفاعيلها إريتريا ودول القرن الأفريقي، لتشكل تهديداً للأمن القومي العربي وللمصالح الاستراتيجية لتركيا. 

إثيوبيا ذات الأطماع التوسعية والتطلعات الإمبراطورية شكلت على مر التاريخ الحديث تهديداً لجاراتها، إذ اقتطع الغرب أجزاء من الصومال وجيبوتي والسودان وأضافها إليها، بل ضمت الولايات المتحدة إريتريا بأكملها لإثيوبيا، كما جاء آنفاً. 

واليوم، مع تزايد الاهتمام الأميركي الإسرائيلي بإثيوبيا، تتجدد المخاطر ذاتها بغطاء "السلام الإقليمي". فأي وجود إثيوبي دائم في سواحل إريتريا، تحت غطاء أميركي-إسرائيلي وتمويل إماراتي، سيؤثر بشكل مباشر في أمن المنطقة، وفي سلاسل الإمداد وحركة المرور في بحر العرب وباب المندب وصولاً إلى قناة السويس، وسيعيد هيكلة البيئة الجيواستراتيجية للبحر الأحمر ومحيطه الحيوي.

في اليمن، تمثل القاعدة العسكرية الإثيوبية المُتوقَّعة  على الساحل المقابل إيجَالاً  وقلقاً أمنياً وعسكرياً كبيراً، في وقت تُثبت صنعاء قدرتها على مناصرة غزة وطهران، وعلى إرساء قواعد جديدة للمرور عبر باب المندب والبحرين الأحمر والعربي، والتأثير المباشر في المصالح الصهيو-غربية.

أما السعودية، وبرغم علاقاتها المتنامية مع إثيوبيا، فإن انفتاح الأخيرة على البحر الأحمر بقاعدة عسكرية، وتدفق الدعم العسكري الإمارتي إليها منذ عام 2020، ورفع الحظر الأميركي عنها، سيُعزز من قدراتها العسكرية ومكانتها السياسية، وبخاصة في ظل انخراطها في مشروعات إقليمية ودولية خطيرة. لكل ذلك، من غير المعقول أن تتغاضى الرياض عن هذا الخطر الواقع على بعد كيلومترات من سواحلها.

وبالنسبة إلى السودان، الذي أنهكه العدوان المفروض عليه من أكثر من ثلاث سنوات، بمشاركة إثيوبية، سيتعرض لمزيد من الحصار حال اكتمال الصفقة، وهذه المرة من تلقاء إريتريا الحليف القوي للخرطوم أثناء هذا العدوان، ما يعني تعرُض السودان لحصار بحري سيفقد معه العمق الإريتري بكل أهميته الاستراتيجية.

أما مصر، فتتأثر بالوجود الإثيوبي على بوابة البحر الأحمر الجنوبية بشكل مركب، إذ يمكن أن يؤثر في نفوذها الحديث في القرن الأفريقي، وفي سلاسل الإمداد وحركة المرور البحري، كما ستفقدها الصفقة الأميركية مع أسمرا وأديس أبابا الرهان على تحالفها مع إريتريا والصومال لضبط الطموحات والتحركات الإثيوبية. وسيحرمها من أقرب نقطة تماس خططت وعملت على استخدامها ضد إثيوبيا في ملف سد النهضة، فالوجود العسكري الإثيوبي في الساحل الشرقي بغطاء أميركي يمنح أديس أبابا ثقة إضافية في تعاطيها مع القاهرة.

وفي الصومال، ستتعزز مخاطر تقسيمه إلى دويلات "أرض الصومال، بونتلاند، جوبالاند"، حين تنشئ إثيوبيا قاعدتها العسكرية في البحر، وتتطور قدرة أديس أبابا في ممارسة طغيانها على مقديشو براً وجواً وبحراً، ويصبح اعترافها بأرض الصومال مدخلاً للاعتراف باستقلال بقية المناطق الصومالية ذات النزعة الانفصالية.

وحال جيبوتي ليس بأحسن من حال الصومال، إذ إن خسائرها تتعدد في مجالات الأمن والسياسة والسيادة، وتطال بجانب كل ذلك، الجانب الاقتصادي، فتخسر احتكارها لنحو 90% من التجارة الخارجية الإثيوبية، التي تعود عليها بما يربو على مليار دولار سنوياً، ما يوجه ضربة قاسية إلى اقتصادها القائم على الموانئ والخدمات اللوجيستية، وسيحول وصول أديس أبابا للبحر الموانئ الجيبوتية من ممرات إلزامية إلى خيارات ثانوية، الأمر الذي يُلقي بظلاله السلبية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في بلد شحيح الموارد، هش البنيات، محدود المقومات.

لن تتوقف الآثار السالبة المهددة للأمن القومي لليمن والسعودية ولنصف الدول العربية الواقعة في أفريقيا عند هذا الحد، إنما تتعداه لتطال الأمن القومي لتركيا، ولمصالحها الاستراتيجية في القرن الأفريقي، ولمشروع "العثمانية الثانية" الذي عملت على وضع لبناته منذ نحو عقدين.

يمكن قراءة  فوجود قاعدة عسكرية بحرية وميناء إثيوبي تحت رعاية واشنطن وتل أبيب سيشكل اختراقاً مباشراً لهذا المشروع ذي الأبعاد الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.

موانئ الجوار والحُلم الإثيوبي

إثيوبيا هي واحدة من 16 دولة حبيسة في أفريقيا. ظلت هذه الدول تستعين بالموانئ المجاورة دون إثارة إشكاليات حول إعادة ترسيم الحدود. الاستثناء الوحيد هو إثيوبيا، بتطلعاتها الإمبراطورية وتحالفاتها الغربية العميقة. وفر السودان وجيبوتي حلولاً اقتصادية مجدية ومناسبة، لكن أديس الراغبة في الوصول السيادي للبحر طرقت باب الصومال للاستحواذ على ميناء بربرة، وبدأت تتحدث عما سمته "استعادة" لميناء مصوع من إريتريا. الدافع الحقيقي وراء ذلك هو القاعدة العسكرية البحرية وليس أي حاجة تجارية. 

حتى جاءت الحرب على إيران لتعيد موانئ إريتريا إلى الواجهة. ولا شك أن المخاوف الأميركية الإسرائيلية من حرب إقليمية معقدة دفعت مساعي واشنطن و "تل أبيب" وسرعت خطاها لتمكين أديس من معانقة أحلامها البحرية، بوسائل سياسية ودبلوماسية أصبح بموجبها الخيار العسكري خياراً بديلاً.

القاعدة العسكرية البحرية الإثيوبية: قانون 2018 واتفاق 2019

في كانون الأول/ديسمبر 2018، صادق البرلمان الإثيوبي على قانون يعيد بناء القوات البحرية التي زالت بزوال حكم منغستو هايلي مريام. وبعد ثلاثة أشهر، وقعت اتفاقاً مع فرنسا لتدشين أسطولها البحري، وتأهيل دفعات من ضباط البحرية الإثيوبية الجديدة، واستمر التعاون بين أديس وباريس منذ ذلك الحين وحتى اليوم، من أجل بناء قدرة عسكرية إثيوبية تعبر عن تآزر خماسي ضم إثيوبيا الطامحة، وأميركا الراعية، و"إسرائيل" المستفيد المترقب، وفرنسا الموفرة للدعم التقني، والإمارات الممولة، في مسعى لتوظيف تاريخ إثيوبيا وتطلعاتها، وقدراتها الديموغرافية، في إعادة تشكيل القرن الأفريقي، بما يضخ طاقات جديدة في المشروع الغربي الإسرائيلي يتجاوز عبرها التحديات الناشئة المتنامية، ويعالج من خلاله نقاط ضعفه وتراجعه الاستراتيجي الذي بدأ مطلع الألفية.

أسياس أفورقي: رضوخ أم رفض ومناورة؟

يأتي مشروع وصول إثيوبيا إلى البحر بالرافعة الأميركية في ظرف تعاني فيه إريتريا أوضاعاً اقتصادية وسياسية قاسية، إذ وظفت الحكومة الإريترية قدراتها الديموغرافية والعسكرية على محدوديتها لمقابلة المخططات الإثيوبية، ولمنع فرض سيطرتها وسيادتها على أي بقعة أرض أو ماء إريترية. فمع تصاعد الخطاب الإثيوبي الذي صور الوصول إلى البحر بأنه مسألة حياة أو موت، انطلقت التدابير التعبوية داخل إريتريا، واتخذت التراتيب العسكرية على الحدود، وبدا أفورقي كمن أعد العدة للأسوأ مسبقاً.

وفي الوقت الذي تميل كفة موازين القوة لمصلحة أديس أبابا التي يبلغ ثقلها  الديموغرافي حاجز الـــ 130 مليون نسمة، مقابل ما يقل عن 4 مليون إنسان إريتري، وبقدرات عسكرية واقتصادية تمثل أضعاف القدرة الإريترية، وفي ظل التآزر الإثيوبي مع دول غربية وإقليمية، يبرز السؤال: هل يرضخ الرئيس أسياس أفورقي ويمضي في مسار جديد يدفع فيه ثمناً غالياً في لحظة اختلال الموازين؟ 

الإجابة لن تكون قاطعة بالإيجاب ولا بالرفض، فالرجل مقاتل عنيد، يمتلك صبراً استراتيجياً، ومعرفة بموازين القوة، وقدرة على المناورة. وفي الوقت ذاته، يدرك أن بلاده في حاجة لبناء معادل إقليمي ودولي،  يوظّف فيه مصالح بكين وموسكو والرياض والقاهرة وأنقرة لخلق معادلات جديدة تسهم في حماية وطنه الذي تحيط به المخاطر والمهددات. وبموازاة ذلك، يوظّف أوضاع إثيوبيا الداخلية وصراعاتها العرقية، للحد من قدرة أديس في المضي قدماً نحو الساحل الإريتري، بمثل ما يتعين عليه توظيف مصالح تلك العواصم في الصعيد ذاته. 

لهذا، تكمن الإجابة على السؤال في قدرة الرجل على حشد التأييد والمناورة وإعادة ترتيب الأوراق بما يحفظ لبلاده وحدتها وسيادتها.

 لكل ذلك، على الدول العربية مجتمعة الانتباه لمخاطر هذا المشروع، وألا تنخدع بطابعه الظاهري كمصالحة بين دولتين. فالوصول الإثيوبي للبحر الأحمر، برعاية أميركية وإسرائيلية، وتمويل إماراتي، وخبرة فرنسية، يُعيد هيكلة غرب بحر العرب، وجنوب البحر الأحمر، وباب المندب. والخاسر حينئذٍ هو مستقبل التوازن الجيوسياسي في القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر.

في مواجهة هذا التهديد، تنعدم جدوى التحرك العربي الأحادي. المطلوب يقظة جماعية، ودبلوماسية مبادرة قوية، غير تقليدية، وتحالفات إقليمية مضادة، واستثمار أوراق الضغط كافة، لمواجهة هذا المشروع قبل أن يصبح واقعاً يمس عصب الأمن القومي العربي، وينال من مصالح تركيا الاستراتيجية.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.