مقالات

السياسة النووية لكوريا الشمالية ومصداقية الردع النووي

post-img

د. خديجة عرفة (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)

خلال جلسة الجمعية الشعبية العليا في كوريا الشمالية في مارس الماضي، تم إقرار الدستور المعدل، والذي كرّس دستوريًا السياسة النووية المعدلة للبلاد، والتي كان قد تم إقرار آخر تعديلاتها بموجب القانون الصادر في عام 2022، والذي أدخل تعديلات جوهرية على تلك العقيدة، من بينها إدراج آلية لتوجيه ضربة نووية تلقائية وفورية في حال تعرض القيادة السياسية/ العسكرية أو منظومة السيطرة على السلاح النووي للخطر.

توقيت التعديل الدستوري بعد أيام من بدء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، شكل ترسيخًا لعقيدة الردع النووي الجديدة لكوريا الشمالية، وتأكيدًا للموقف الكوري الشمالي الذي رفض التراجع عن تطوير القدرات النووية تحت أي شروط أو ضمانات أمنية على غرار ما حدث مع دول أخرى، حتى أن الرئيس الكوري الشمالي كيم جونج أون أكد أن بلاده اختارت المسار الصحيح من خلال الاستمرار في بناء ترسانتها النووية.

على مدار أكثر من ثلاثة عقود شكلت القضية النووية لكوريا الشمالية محل اهتمام دولي في ظل تأثيرها السلبي على نظام عدم الانتشار النووي، خاصة في ظل انسحابها من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والتي تعد إحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي الخاص بمنع الانتشار النووي، وتهدف إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية، وتعزيز نزع السلاح، وتشجيع الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

وقد أعلنت كوريا الشمالية في عام 1993 انسحابها من المعاهدة، ليعقب ذلك مسار متقطع وغير مجدٍ من التفاوض لم يقد في المحصلة إلا إلى مزيد من التعنت الكوري الشمالي وتطوير مهم في عقيدتها للردع النووي، وهو المسار الذي بدأ سريعًا مسفرًا في عام 1994 عن التوصل لإطار عمل بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية. وبموجب إطار العمل، فقد تم النص على تجميد المنشآت النووية القائمة على البلوتونيوم لعدة سنوات، وهو الاتفاق الذي انهار بعد ثماني سنوات في ظل الشكوك بشأن استمرار بيونج يانج في تطوير برنامجها النووي، وبالفعل عادت البلاد عام 2002 لتشغيل منشآتها النووية.

شهد العام التالي بدء محادثات سداسية شارك فيها بالإضافة إلى الكوريتين والولايات المتحدة كل من الصين واليابان وروسيا، والتي أسفرت عن تقدم إلى حد ما ارتبط باعتماد بيان مشترك صدر عن الجولة الرابعة من المفاوضات وذلك في سبتمبر 2005، على أن تبدأ الإجراءات الأولية لما تم الاتفاق عليه في فبراير 2007، وفي أكتوبر من العام ذاته تم الاتفاق على إجراءات المرحلة الثانية من الاتفاق. وفي ظل عدم التوافق بين الأطراف المعنية بالمحادثات بشأن آلية التحقق من المنشأت والمواد النووية في كوريا الشمالية، فقد توقفت المحادثات في ديسمبر 2008، مع التأكيد على أن حالة التفاوض والاتفاق والخلاف لم يصاحبها توقف كوريا الشمالية عن تطوير قدراتها النووية والصاروخية. فحتى أثناء المحادثات حرصت كوريا الشمالية على إجراء تجربتها النووية الأولى عام 2006، وعقب انهيار المحادثات أجرت تجربتها الثانية في عام 2009، والتي تزامنت مع توتر في علاقات الكوريتين.

وفي ظل التوصل للاتفاق الذي أطلق عليه "اتفاق يوم كبيسة" Leap Day Deal وذلك في 29 فبراير عام 2012 بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية وما نص عليه من الوقف الاختياري للتجارب النووية وإطلاق الصواريخ، فقد صاحب ذلك توقعات بشأن إمكانية إحراز تقدم في جهود نزع السلاح النووي لكوريا الشمالية. إلا أن الأمر لم يتطلب وقتًا طويلًا حتى ينهار الاتفاق وذلك عقب قيام كوريا الشمالية في نفس العام بإطلاق صاروخ بعيد المدي، ثم جاء الدستور المعدل ليصف البلاد بأنها دولة حائزة للأسلحة النووية.

وفي العام التالي، أجرت كوريا الشمالية تجربتها النووية الثالثة، مؤكدة على تمسكها بوضعية الدولة النووية وذلك رغم المعارضة الدولية، مع العمل على ترسيخ هذا الوضع عبر أطر تشريعية وتنظيمية من خلال صدور قانون خاص بسياستها النووية، ورسم ملامح سياستها للربط بين التنمية الاقتصادية وتعزيز قدراتها النووية عبر السياسة التي أطلق عليها "بيونغجين" والتي تم إدراجها ضمن قواعد حزب العمال الكوري في عام 2016 أثناء مؤتمره العام، وهو العام الذي شهد تجربتين نوويتين في إبريل وسبتمبر ثم جاءت السادسة في العام التالي.

هذه التجارب الثلاث المتتالية لم تكن تعني توقف مسار التفاوض، حيث شهد عام 2018 زخمًا تفاوضيًا ما بين قمة أمريكية كورية شمالية عقدت في سنغافورة -أعقبها قمة في العالم التالي في هانوي- وثلاث قمم بين الكوريتين وهي القمم التي صدر عنها عدة بيانات من بينها بيان قمة سنغافورة وإعلان بيونج يانج والتي سارت نحو نفس مسارات سابقاتها دون تحقيق أي نتائج ملموسة مع تجمد في وضع التفاوض خاصة في ظل رفض كوريا الشمالية العودة لمائدة التفاوض. وبشكل عام، ففي أعقاب فشل قمتي كوريا الشمالية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عامي 2018، 2019 فقد اتجهت البلاد نحو تعزيز علاقاتها مع كل من الصين وروسيا.

مسار التفاوض الشكلي لم يثن كوريا الشمالية عن ترسيخ وتعزيز مكانتها النووية في الداخل والخارج، ليضع المؤتمر الثامن لحزب العمال الكوري في عام 2021 من بين أهدافه "تطوير القوة النووية وتعزيز القدرات الدفاعية"، مترافقًا مع المزيد من التجارب الصاروخية. فمنذ عام 2022 نفذت كوريا الشمالية ما يزيد على 100 عملية إطلاق صاروخ باليستي من بينها 13 عملية إطلاق لصواريخ عابرة للقارات.

وبعد ثلاثة عقود من محاولات التفاوض غير المكتملة والبيانات والإعلانات غير المنفذة، أصبحت كوريا الشمالية حاليًا تمتلك نحو 50 رأسًا نوويًا. كما يتوافر لديها كمية يورانيوم لإنتاج العدد ذاته تقريبًا، بالإضافة إلى مواد انشطارية نووية. ووفقًا لمعهد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، امتلكت الدول التسع المسلحة نوويًا، وهي روسيا والولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة والصين والهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية، ما مجموعه 12241 رأسًا نوويًا حتى يناير 2025، 90% من إجمالي الأسلحة النووية في العالم لدى كل من الولايات المتحدة وروسيا، في حين تمتلك كل من فرنسا وبريطانيا أكثر من 200 رأس نووي. وتُشير المصادر إلى أنه بالإضافة إلى أنظمة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، تمتلك كوريا الشمالية رؤوسًا نووية تكتيكية صغيرة وكذلك قنابل نووية حرارية ضخمة.

وبذلك تقدم كوريا الشمالية نموذجًا لدولة صغيرة في العلاقات الدولية أصبح بمقدورها تبني آليات للردع النووي بما يشكله ذلك من تحدٍ للمجتمع الدولي، بحيث نجحت في فرض رؤيتها ومنظورها للردع، وهو المنظور الذي تطور من مجرد الردع إلى الهجوم الاستباقي أيضًا.

وقد شكل عام 2022 تحولًا مهمًا مع اعتماد قانون جديد يعزز تبني السياسة الهجومية ضمن العقيدة النووية لكوريا الشمالية، وإذا كان قد سبق ذلك صدور قانون في عام 2013 والذي هدف إلى ترسيخ مكانة البلاد كدولة حائزة للسلاح النووي، فقد تعمق قانون عام 2022 في التفاصيل والإرشادات الخاصة بأنظمة القيادة والسيطرة النووية وذلك كنتيجة للتطور الحادث في القدرات النووية والصاروخية للبلاد من ناحية وكذلك المخاوف الكورية الشمالية بشأن الموقف الدولي من ناحية أخرى.

ومن أهم ما أشار إليه القانون إنشاء مجموعة يعين أعضاءها من قبل رئيس البلاد تتولى مساعدته في المراحل الخاصة باتخاذ القرار النووي. إلا أن الأهم هو ما نصت عليه المادة الثالثة بأنه في حال تعرض نظام القيادة والسيطرة النووية للخطر يتم تنفيذ ضربة نووية تلقائية وفورية ضد مصدر الهجوم حتى لو شمل ذلك تعرض القيادة السياسية والعسكرية لهجوم لشل قدرتها يتم تنفيذ الرد تلقائيًا، وهو ما يعكس تطورًا خطيرًا في ظل المخاوف من استهداف رأس النظام في البلاد، كما أنه يضيف بعدًا جديدًا للسياسة النووية لكوريا الشمالية. وقد حددت المادة السادسة من القانون خمس حالات يتم فيها استخدام الأسلحة النووية لا تقتصر فقط على التعرض للهجوم ولكن تمت الإشارة إلى حالة الضرورة العسكرية لمنع توسع الحرب أو وقوع أزمة تهدد وجود الدولة، وهو ما يعنى منح الدولة حق الهجوم الاستباقي إذا استشعرت بالخطر الوشيك. والأهم هو النص على إمكانية استخدام السلاح النووي في مواجهات غير نووية. وبذلك فإن أهم ما في القانون هو تحديث العقيدة العسكرية النووية، رغم أن الأسس الخاصة بها لم تتغير منذ عام 2013، لكنه أوضح بشكل أهم آليات القيادة والسيطرة. مع الإشارة للمرة الأولى إلى إمكانية تنفيذ "ضربة نووية تلقائية وفورية" وفق خطة عمليات محددة مسبقًا.

ويعني ذلك تغيير المنظور بشأن توظيف السلاح النووي، بحيث لم يعد مقتصرًا على الردع ولكن إمكانية استخدامه لصد أي اعتداء في حال فشل الردع. وبذلك تتبنى البلاد استراتيجية أمنية تقوم على مزيد من التهديد والردع النووي، مع التركيز على أن أي محاولة تهديد لأمن البلاد تتطلب ردًا استباقيًا وفوريًا بما قد يشمل استخدام الأسلحة النووية.

هذا التعديل يتوافق مع الرؤية الكورية الشمالية للردع النووي، حيث تنظر لامتلاك السلاح النووي باعتباره الآلية الوحيدة لحماية النظام السياسي في البلاد وضمان بقاءه، وبالتالي إذا لم ينجح في تحقيق هذا الهدف وتم استهداف قادة النظام في هذه الحالة يتحول دوره من الردع للهجوم الفوري والتلقائي.

هذا التغيير في العقيدة النووية كما نص عليها القانون أثار قلق المجتمع الدولي، حتى أن البيان المشترك الصادر عن الاجتماع بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة بواشنطن في سبتمبر من العام ذاته وصف القانون بأنه تصعيدي ومزعزع للاستقرار، مشيرًا إلى أن أي هجوم نووي كوري شمالي سيواجه برد حاسم وساحق. ورغم أن القانون أشار إلى عدم جواز نقل السلاح النووي أو التكنولوجيا النووية إلى الخارج، فهذا لا يلغي مخاوف المجتمع الدولي بشأن قيام النظام السياسي في بيونج يانج بنقل التكنولوجيا أو المواد النووية لدول أخرى.

وبذلك جاءت التعديلات الدستورية الأخيرة في مارس الماضي والتي تم الإعلان عنها في مايو الجاري لتكرس العقيدة النووية المعدلة بموجب قانون عام 2022. ورغم نص المادة 89 من الدستور على منح الرئيس والقائد الأعلى للجيش الشعبي الكوري سلطة اتخاذ القرار النووي، لكنها نصت إلى إمكانية قيام الرئيس بتفويض سلطة استخدام القوة النووية إلى هيئة القيادة النووية بالدولة. وإذا كان هذا الأمر لا يمكن اعتباره بمثابة تحول في نظام القيادة والسيطرة النووية، لكنه يمثل تقنينًا دستوريًا لترتيبات قائمة بالفعل، خاصة أن خطط التفويض كانت مطروحة منذ سنوات وتحديدًا منذ عام 2022. مع حرص كوريا الشمالية على توضيح رسالة أنه في حال استهداف كيم جونج اون -على غرار ما حدث في دول أخرى- فهذا لا يعني عدم القدرة على اتخاذ وتنفيذ ضربات نووية.

وبذلك يمكن القول إن التعديلات الدستورية الأخيرة لم تقدم جديدًا وإنما جاءت كتكريس دستوري لوضع قائم بالفعل، إلا أن توقيت صدورها يمثل رسالة إقليمية ودولية بشأن المنظور الكوري الشمالي للملف النووي، حيث تنظر البلاد إلى تطوير القدرات النووية كخيار استراتيجي دائم يرتبط بأمن الدولة وبقاءها. كما تؤكد على الترابط بين النظام والدولة، فكلاهما بذلك الأمر ذاته، وأن تهديد قادة النظام هو تهديد للدولة ذاتها بما يتطلبه ذلك من رد فوري وتلقائي، بحيث مثلت نموذجًا لدولة صغيرة في النظام الدولي تمكنت من فرض منظورها للردع النووي، في محاولة لإثبات نفسها كدولة طبيعية تمتلك قدرات نووية، مستفيدة من التناقضات القائمة دوليًا لتعزيز قدراتها النووية، وكذلك الطبيعة السرية للنظام بما يضيفه على أبعاد خاصة للعقيدة النووية للبلاد.

خطورة هذا الأمر ترتبط بتراجع الثقة في منظومة الحد من التسلح النووي عالميًا، رغم الجهود التي بذلت من أجل التوصل لتلك المنظومة، حتى أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذر من تآكل روح المعاهدة، مشيرًا إلى أن الالتزامات الدولية المتعلقة بنزع السلاح لم تُستكمل، وأن الثقة والمصداقية في منظومة الحد من الانتشار النووي تشهد تراجعًا متزايدًا، في حين تتسارع عوامل الانتشار النووي عالميًا.

التراجع في منظومة الحد من الانتشار النووي يترافق مع تراجع في كافة الالتزامات الدولية وليس فقط النووية، مما يهدد منظومة الحوكمة العالمية، ويتطلب إعادة النظر في منظومة الحوكمة الأمنية عالميًا بشكل خاص.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.