محمد عزيز الغنودي (المركز الديمقراطي العربي)
أولا : المقدمة
في الثاني عشر من أفريل 2026 . جلس دبلوماسيون أمريكيون وإيرانيون إلى طاولة واحدة للمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات . في أعلى مستوى تمثيلي منذ عام 1979. جلسوا لأكثر من عشرين ساعة، ثم غادروا الجولة الأولى دون اتفاق، والمفاوضات لا تزال معلقة.
لكن ما لم تقله التقارير الإخبارية هو أن هذا الجلوس نفسه كان حدثا استثنائيا . فلم يكن مجرد لقاء بين خصمين يبحثان عن تسوية ؛ بل كان إعلانا ضمنيا من كلا الطرفين بأن الحرب لم تنتج نتائج حاسمة تبرر الاستمرار في المواجهة. وهذه الرسالة . بكل ما تحمله من دلالات كانت في حد ذاتها الخبر الأهم .
السؤال الذي لا تجيب عنه تلك التقارير هو: هل الفشل حتمي؟ أم أن ثمة مسارا لم يستكشف بعد؟
هذا المقال لا يروي ما حدث في إسلام آباد، بل يحاول أن يفهم لماذا حدث ، وما الذي تكشفه “الخطوط الحمراء” تلك الشروط غير القابلة للتنازل عن طبيعة الدبلوماسية في زمن الحرب. وما إذا كان الإصرار على هذه الخطوط هو الحكمة السياسية التي تحمي المصالح ، أم هو الوهم الاستراتيجي الذي يحول الطاولة من منصة للتسوية إلى منبر للاستعراض.
ثانيا : السياق: حرب لم تنته وهدنة لم تبدأ
في الثامن والعشرين من فيفري 2026 اندلعت مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، استمرت قرابة أربعين يوما. لم تكن حربا بالوكالة ، بل حربا مباشرة أسفرت عن تدمير واسع طال معظم المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية.
أُعلن وقف إطلاق النار بوساطة باكستانية، لكنه جاء هشا منذ لحظته الأولى. وقد كشفت هذا الهشاشة عن معضلة بنيوية عميقة: وقف إطلاق النار الذي لا يرفق باتفاق سياسي واضح ليس سوى استراحة مؤقتة بين جولتين من الصراع . وقد أدرك الطرفان ذلك، فانطلقت المفاوضات في إسلام آباد لا لأن الإرادة السياسية للتسوية كانت موجودة، بل لأن كلا منهما أراد إثبات أنه لا يرفض الحوار.
يمثل الجانب الأمريكي نائب الرئيس جي دي فانس، إلى جانب المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. ولاختيار هذا الثلاثي دلالة مؤسساتية لافتة: فانس يحمل تفويضا رئاسيا مباشرا ويمثل الصوت السياسي للبيت الأبيض؛ و ويتكوف وكوشنر مفاوضان يعملان خارج القنوات الدبلوماسية التقليدية، مما يمنح الإدارة هامش إنكار قابلا للاستخدام إذا تعثرت المفاوضات. هذا التركيب يقول بوضوح: واشنطن جادة بما يكفي لإرسال نائب الرئيس، لكنها غير ملتزمة بما يكفي لاستخدام الجهاز الدبلوماسي الرسمي بالكامل .
فيما ترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف و وزير الخارجية عباس عراقجي. وقاليباف تحديدا شخصية ذات ثقل عسكري وسياسي واسع ، وهو ما يعني أن طهران أرادت تقديم وجه يجسد الصلابة الداخلية ، ووزير الخارجية إلى جانبه لإضفاء الطابع الدبلوماسي على ما قد يكون في جوهره موقفا عسكريا .
غير أن ثمة ما يلفت النظر في هذا المشهد: طرفان خرجا لتوهما من حرب، يجلسان للتفاوض . وهذا بحد ذاته مؤشر على أن ما جرى في إسلام آباد لم يكن دبلوماسية بالمعنى التقليدي للتسوية، بل كان امتدادا للحرب بأدوات سياسية.
ثالثا : تشريح الخطوط الحمراء
لا تفهم الخطوط الحمراء إذا قرئت منفردة. قيمتها التحليلية الحقيقية تظهر حين توضع في مواجهة بعضها البعض ، فتكشف عن نظام تعارض لا عن مجرد قائمة مطالب.
1 : ملف التخصيب
الولايات المتحدة اشترطت إنهاء كاملا لتخصيب اليورانيوم وتفكيك منشآته . وإيران رفضت التخلي عن حقها في التخصيب رفضا مبدئيا ، معتبرة هذه المسئلة متعلقة بالسيادة لا مجرد ورقة تفاوض. والأخطر أن هذا الموقف الإيراني لا يمثل رأي فصيل دون آخر، بل يمثل توافقا نادرا بين التيارات السياسية المتنافسة داخل النظام ؛ ما يعني أن أي مفاوض إيراني يقبل التنازل عنه سيواجه انهيارا في شرعيته الداخلية.
2 : ملف المخزون النووي
الولايات المتحدة طالبت بتجريد إيران من نحو تسعمائة رطل من اليورانيوم عالي التخصيب ونقله إلى خارج البلاد. وإيران رفضت التخلي عن مخزونها دون ضمانات وجودية. وهنا تكمن المفارقة : الضمانات الوجودية التي تطلبها إيران تستلزم تعهدات أمنية أمريكية ملزمة، وهذا بالضبط ما رفضته الإدارة الأمريكية منذ اللحظة الأولى. فالطرف الذي يطلب من الآخر التخلي عن ورقة ضغط هو الطرف الأقل استعدادا لتقديم ضمان بديل.
3 : ملف الوكلاء الإقليميين
الولايات المتحدة اشترطت إنهاء تمويل حركات المقاومة من حماس إلى حزب الله إلى الحوثيين. وإيران عدت هذا تدخلا في سياستها الإقليمية يتجاوز نطاق أي اتفاق نووي. والجدير بالملاحظة أن هذا الشرط ليس مستجدا ؛ فقد رفض في كل مفاوضات سابقة، وإدراجه هنا يكشف أن واشنطن تريد اتفاقا شاملاً يعيد رسم الدور الإقليمي الإيراني .
4 : ملف مضيق هرمز
الولايات المتحدة اشترطت فتح مضيق هرمز دون قيود. وإيران أكدت أن إدارة المضيق شأن تقرره دول المنطقة، وأن اقتراب أي سفن حربية منه سيعد خرقا لوقف إطلاق النار. وهذا الملف بالتحديد هو الأكثر خطورة لأنه مرتبط بعامل زمني ضاغط : فتح المضيق يعني خسارة إيران ورقتها الأقوى في إدارة الضغط الاقتصادي على الغرب .
أربعة ملفات، وفي كل ملف خط أحمر أمريكي يصطدم بخط أحمر إيراني مقابل . لم يكن ثمة هامش للمناورة، لأن كلا الطرفين صاغ شروطه بلغة المبادئ السيادية لا بلغة المصالح المرنة واللغة الأولى تستخدم عادةً لرفع سقف المفاوضات ، لإدراك الطرفين أن هذه السقوف لا تقبل التفاوض علنا .
رابعا : لماذا يتفاوضان إذن؟
هنا يكمن التناقض الحقيقي. إذا كانت الخطوط الحمراء لكلا الطرفين متعاكسة بهذا الوضوح، فلماذا جلسا إلى الطاولة أصلاً؟
الإجابة تكمن في فهم ما تسميه نظرية العلاقات الدولية “الدبلوماسية القسرية”: وهي توظيف المفاوضات لا كمسار للتسوية، بل كأداة ضغط وتعبئة إضافية. الإدارة الأمريكية، بتوجيهات مباشرة من الرئيس ترامب، أرادت اتفاقا من موقع قوة يكرس الانتصار العسكري الميداني. وإيران أرادت استعادة حقوقها الدبلوماسية دون أن تظهر بمظهر المهزوم الذي يملى عليه الشروط. كلاهما جلس إلى الطاولة لا ليتفاوض، بل ليثبت للرأي العام الداخلي والخارجي أنه لم يرفض خيار السلام .
وهنا تكشف الخطوط الحمراء عن وظيفتها الحقيقية : إنها ليست حماية للمصالح الحيوية كما يعلن فحسب، بل هي استراتيجية لإدارة الصراع وإطالة أمده دون تحمل مسؤولية إفشال الحلول الدبلوماسية. فالطرف الذي يضع خطا أحمر غير قابل للتفاوض يقول ضمنيا : “أنا مستعد للحوار، لكنني لن أتنازل” وهي رسالة تبدو معقولة في الظاهر، لكن في جوهرها تحويل للمفاوضات من عملية تبادل وتنازل متبادل إلى عملية إملاء. والإملاء لا ينتج اتفاقا .
وقد جسدت واشنطن هذا التناقض بصورة لافتة حين جمعت في آن واحد بين التفاوض وفرض حصار بحري على مضيق هرمز، وبين التمديد لوقف إطلاق النار وإلغاء رحلة فانس المجددة إلى إسلام آباد. سياسة مزدوجة لا تنتج اتفاقا ، بل تنتج انسدادا منظما بانتظار تغير الموازين على الأرض.
غير أن الجانب الإيراني ليس بريئا من هذه الازدواجية. فطهران بدورها تستخدم المفاوضات لكسب الوقت وإعادة بناء قدراتها العسكرية واستعادة تحالفاتها الإقليمية ، في حين تحرص على الظهور أمام الرأي العام العالمي بمظهر الطرف المنفتح المستعد للحل . الخطاب الداخلي والخطاب الخارجي في طهران يسيران في اتجاهين متعاكسين ، وهذا بذاته يعيق أي تقدم حقيقي.
خامسا : باكستان: درس الوسيط في مواجهة المستحيل
وجدت باكستان نفسها في مأزق يعرفه كل وسيط دخل نزاعا بهذا المستوى من التصلب. رئيس الوزراء شهباز شريف والمشير عاصم منير بذلا جهودا مكثفة، وأتاحا المكان والوقت والغطاء الدبلوماسي ؛ لكن الوساطة الناجحة لا تحتاج إلى لوجستيات جيدة فحسب، بل إلى هامش قابل للتشكيل بين موقفي الطرفين. وهذا الهامش لم يكن موجودا.
الوسيط، في جوهر عمله، يملك أداة واحدة: إدارة التوتر وتقريب وجهات النظر داخل مساحة المناورة المتاحة. لكنه لا يملك أداة لإعادة صياغة الشروط السيادية للخصوم، ولا صلاحية إقناع طرف بالتخلي عن خطه الأحمر. حين تتصادم المبادئ لا المصالح، يتحول الوسيط من صانع اتفاق إلى مدير أزمة وهو دور مختلف تماما .
والأخطر من ذلك أن باكستان دخلت الوساطة وهي تحمل أعباء إضافية: علاقتها الحساسة مع الولايات المتحدة من جهة ، وتضامنها الإقليمي مع إيران من جهة أخرى، فضلا عن حاجتها إلى إثبات دور إقليمي فاعل في لحظة دولية بالغة الحساسية. هذه الأعباء جعلتها حريصة على إرضاء الطرفين بدلا من امتلاك القدرة على الضغط على اي منهما.
يضاف إلى ذلك بعد اقتصادي لا يمكن تجاهله: باكستان تعاني أزمة ديون مزمنة، ودخولها وساطة بهذا المستوى يمنحها رأسمالا سياسيا دوليا يمكن توظيفه في مفاوضات صندوق النقد الدولي . هذا الدافع الاقتصادي الضمني أضاف طبقة أخرى من التعقيد إلى حيادها المفترض.
درس إسلام آباد، في نهاية المطاف، ليس درسا في فشل باكستان بالتحديد ، بل درس في حدود الوساطة الدولية حين تكون “الخطوط الحمراء” قد أغلقت كل مسار قبل أن يبدأ الحوار. الوسيط القوي كالولايات المتحدة في كامب ديفيد عام 1978، أو النرويج في أوسلو عام 1993 لم يكن قوياً لأنه كان محايدا ، بل لأنه كان يملك ورقة ضغط حقيقية على أحد الطرفين أو كليهما. باكستان لا تملك هذه الورقة .
سادسا : الخاتمة: متى تتحول الخطوط الحمراء إلى أعباء؟
يطرح مسار إسلام آباد سؤالا جوهريا : هل ما نشهده هو انسداد مؤقت تمهيدا لصفقة كبرى، أم أنه مجرد استراحة محارب لكسب الوقت بانتظار جولة مواجهة قادمة ؟
التاريخ في هذا الشأن يقدم درسين متعاكسين. في مؤتمر فيينا عام 1815، تمكن المفاوضون من إعادة رسم خريطة أوروبا بعد حروب نابليون لأنهم قبلوا مبدأ واحدا : لا أحد يخرج بكل ما يريد. وفي باريس عام 1919، أصر المنتصرون في الحرب العالمية الأولى على إملاء شروطهم كاملة ، فكانت النتيجة اتفاقا هشا زرع بذور حرب أشد ضراوة. المشترك بين التسويات الناجحة ليس توازن القوى فحسب، بل الاستعداد للتنازل الجزئي المتبادل.
لكن ثمة سؤالا أكثر إلحاحا مما تطرحه التاريخ: من يملك اليوم القدرة على تغيير حسابات الكلفة لدى الطرفين؟
فالاستعداد للتنازل لا يولد من فراغ، بل يولد فقط حين يدرك الطرفان أن تكلفة الاستمرار في حالة ” لا سلم ولا حرب” أو العودة إلى الصدام المسلح باتت أعلى بكثير من كلفة التنازل عن الخطوط الحمراء. وهذا الإدراك لا يأتي من الداخل وحده، بل يحتاج إلى فاعل خارجي يملك أدوات التأثير الحقيقية: اقتصادية أو أمنية أو سياسية.
في المشهد الراهن، المرشحون لهذا الدور محدودون. الصين تملك نفوذا اقتصادياً على إيران وعلاقات عملية مع الولايات المتحدة، لكنها تفضل إدارة الانسداد على حله لأن الانسداد يضعف الحضور الأمريكي في المنطقة. روسيا منشغلة بأوزار حربها الخاصة مع أكرانيا . والدول الخليجية التي تتضرر مباشرة من أي إغلاق لمضيق هرمز لديها مصلحة حقيقية في الحل، لكنها تفتقر إلى الثقل الكافي للضغط على واشنطن.
مسار إسلام آباد المعلق يشير إلى أن الطرفين لم يصلا بعد إلى تلك اللحظة الحرجة التي تتحول فيها الخطوط الحمراء من درع يحمي الموقف التفاوضي إلى عبء يهدد بانهيار الهدنة كاملة. وطالما بقي هذا الحساب غائبا ، فإن الطاولة في باكستان ستبقى مجرد منصة لاستعراض المواقف.