أحمد البرديني (مجلة الفراتس)
انتقلت علاقة نائب الرئيس الأمريكي جيمس ديفيد فانس المعروف اختصاراً باسم جاي دي فانس بالرئيس دونالد ترامب في سنوات قليلة من العداء السياسي إلى شراكة جعلت فانس الوريث السياسي الأبرز لترامب. اتصل فانس بترامب أثناء خطاب ألقاه في العاصمة المجرية بودابست في أبريل 2026، ليخاطب الرئيسُ الحضورَ بالهاتف. تبادل الرجلان المزاح والحديث لدقائق وسط تصفيق الحاضرين، في مشهد بدا أقرب إلى لقاء بين صديقين أو حليفين قديمين. لكن مسار الرجلين لم يكن يوحي بمثل هذا التقارب قبل سنوات قليلة فقط. نشأ فانس في الطبقة العاملة البيضاء في الولايات المتحدة، وهي الفئة التي اعتاد الحزب الديمقراطي تصوير نفسه الأقرب إلى تمثيل مصالحها الاقتصادية، في حين جاء ترامب من خلفية ثرية مختلفة. بل كان فانس من أبرز منتقدي ترامب، قبل أن يقترب منه تدريجياً، ثم يتحول إلى أحد أقرب حلفائه ونائبه في البيت الأبيض، وأحد أكثر الأسماء تداولاً لقيادة تيار "ماغا" (لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً) بعد انتهاء ولاية ترامب الثانية.
لم يبرز فانس على الساحة السياسية نصيراً لترامب، بل أحد أبرز منتقديه. ففي الحملة الرئاسية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض سنة 2016، أصدر فانس كتابه "هيبلي إيليجي" (مرثية ريفية)، الذي جمع بين السيرة الذاتية والتحليل الاجتماعي لحياة الطبقة العاملة البيضاء في "حزام الصدأ" الأمريكي، أي المناطق الصناعية القديمة في شمال الولايات المتحدة ووسطها التي شهدت تراجعاً اقتصادياً بعد إغلاق المصانع وفقدان الوظائف. وقدَّم فانس في كتابه تفسيراً للغضب والإحباط اللذين دفعا قطاعات واسعة من هذه الفئات إلى تأييد ترامب، لكن فانس لم يرَ في المرشح الجمهوري حلاً لأزماتها. بل وصفه آنذاك بأنه "هتلر العصر"، معتبراً أنه يستغل غضب الناخبين ويقودهم إلى مسار مظلم من دون أن يقدم حلولاً حقيقية لمشكلاتهم. وعندما عاد ترامب إلى السباق الرئاسي سنة 2024، اختار فانس مرشحاً لمنصب نائب الرئيس.
تقدم سيرة جي دي فانس مدخلاً لفهم التحولات التي أعادت تشكيل السياسة الأمريكية في العقد الأخير. فانتقاله في أقل من عقد من أحد أبرز منتقدي ترامب إلى نائبه والوريث السياسي المحتمل لتياره لا يكشف عن صعود سياسي شاب داخل الحزب الجمهوري فحسب، بل يعكس تراجع ثقة قطاعات من الطبقة العاملة البيضاء بالمؤسسات السياسية والاقتصادية التقليدية، وصعود يمين أمريكي جديد يمزج بين الشعبوية والمحافظة والعداء للنخب الليبرالية. ومن هذا التحول يمكن قراءة إعادة تشكل التحالفات الاجتماعية والسياسية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض، ومساعي التيار الذي يقوده ترامب إلى إعادة تعريف دور الدولة والمجتمع وفق رؤيته الخاصة.
حملت السنوات الأولى من حياة جاي دي فانس كثيراً من التناقضات التي أصبحت لاحقاً محوراً لسيرته الذاتية وقراءته المجتمعَ الأمريكي. فقد وُلد سنة 1984 في ميدلتاون بولاية أوهايو، وهي مدينة صناعية انتقل إليها أجداده بعد الحرب العالمية الثانية مستفيدين من الطفرة الاقتصادية التي شهدتها المنطقة آنذاك. وتنحدر عائلته من أصول اسكتلندية إيرلندية استقرت عقوداً في منطقة جبال الأبالاش شرق القارة الأمريكية الشمالية. لكن طفولته لم تشبه صورة الحلم الأمريكي المرتبطة بصعود الطبقة العاملة في المدن الصناعية. فقد نشأ في منزل فقير وأسرة مضطربة تعددت فيها الزيجات والآباء. وانفصل والده دونالد بومان عن والدته بيفرلي أيكنز قبل أن يتم عامه السادس، بعدما ترك المنزل قبل الطلاق الرسمي بسنوات، بحسب ما رواه فانس في مذكراته.
ومع الاضطراب الذي طبع أسرة فانس، كان للروابط العائلية دورٌ مهم في حياته المبكرة. فقد كانت والدته بيفرلي أيكنز في التاسعة عشرة من عمرها حين أنجبت ابنتها الأولى ليندسي سنة 1979، قبل أن يولد فانس بعد خمس سنوات. وارتبط مع شقيقته بعلاقة وثيقة، إذ وصف فانس في مقابلة مع شبكة "إن بي سي" سنة 2018 شقيقته بأنها كانت تحميه بشدة، بينما قالت ليندسي إن طفولتهما جعلتها تشعر بأنها مستعدة للموت من أجله. وبعد سنوات تزوجت والدته من بوب هامل، الذي تبنى فانس رسمياً. وكان اسمه عند الولادة جيمس دونالد بومان، نسبة إلى والده الحقيقي دونالد بومان، قبل أن يتغير إلى جيمس ديفيد هامل نسبة لزوج أمه ووالده بالتبني.
طبعت الفوضى والعنف حياة فانس في سنوات طفولته الأولى. فقد وصف تلك المرحلة في إحدى مقابلاته بالقاسية والمشحونة بالتوتر. إذ اعتاد الاختباء أثناء مشاجرات والدته المتكررة مع شركائها العاطفيين. وشعر بالغضب عند بكائها وانهيارها بعد انتهاء العلاقات. وبحكم عملها ممرضة كان حصولها على العقاقير الطبية سهلاً، قبل أن يتطور الأمر لاحقاً إلى إدمان الهيروين. وبلغت الأزمة ذروتها في واحدة من أكثر ذكريات طفولته رعباً، حين هددت والدته بإنهاء حياتهما معاً بينما كانت تقود السيارة مسرعة في حالة انهيار عصبي. وروى فانس أنه قفز من السيارة وهي تسير، قبل أن تتدخل الشرطة وتعتقل والدته. وأضاف أنه شعر آنذاك بالارتياح لرؤيتها تُقتاد بعيداً عنه، إذ كان همه الوحيد أن ينجو ويعيش يوماً آخر. وبعد هذه الواقعة انتقل للعيش مع جديه، جيمس وبوني فانس.
جدة فانس لأمه، بوني التي كان يناديها "ماماو" كان لها الدور الحاسم في إنقاذه من التفكك والعنف اللذين طبعا سنواته الأولى. وقد اعتبرها السبب الرئيس في نجاته من المصير الذي انتهى إليه كثرٌ في محيطه. وقال فانس في مؤتمر الحزب الجمهوري سنة 2024، أثناء قبوله ترشيح الحزب لمنصب نائب الرئيس، إنه لم يتأثر بأحد في حياته تأثره بها، إذ كانت تعرف متى تكون حازمة ومتى تمنح الحب والتعاطف. واشتهرت داخل العائلة بشخصيتها الصلبة ولسانها الحاد، كانت متدينة للغاية لكنها لا تتردد في استخدام الألفاظ النابية بصورة ساخرة. وأسهمت تجربتها الشخصية في ترسيخ هذا الدور، فقد شهدت إدمان ابنتها، والدة فانس، وعانت إدمان زوجها على الكحول، ما جعلها أكثر إدراكاً للأثر المدمر للإدمان في العائلات.
أما الجد جيمس فمثَّل نموذجاً للعامل الأمريكي الذي صعد مع ازدهار الصناعة في القرن العشرين وتمسك بالتقاليد السياسية للطبقة العاملة. فقد عمل في مصنع للصلب، وكانت العائلة تنتمي إلى البيئة النقابية التي رأت في الحزب الديمقراطي ممثلاً لمصالح العمال. وكتب فانس في مذكراته أن جده كان يؤمن بأن الحزب الديمقراطي يحمي العاملين، بينما كانت جدته معجبة بالرئيس الديمقراطي بيل كلينتون. وظلت العائلة متأثرة بإرث الرئيس الديمقراطي فرانكلين روزفلت وسياسات "الصفقة الجديدة" التي وسعت دور الدولة في دعم العمال والفئات الأقل دخلاً.
لم يقتصر دور الجدة على توفير الاستقرار العاطفي لحفيدها، بل أولت تعليمه اهتماماً كبيراً وشجعته على مواصلة الدراسة. وقد نشأ فانس في مجتمع محلي عانى التراجع الاقتصادي ونقص الموارد داخل المدارس، وهي ظروف صعَّبت النجاح الدراسي على كثير من الطلاب. إلا أن دعم جدته وإيمانها بقيمة التعليم ساعداه على تجاوز التحديات الدراسية والشخصية التي واجهها في سنوات المراهقة. وعندما بلغ المرحلة الثانوية انضم إلى برنامج "جي آر أو تي سي"، وهو برنامج مدرسي يركز على الانضباط والقيادة والعمل الجماعي، ويهدف إلى إعداد الطلاب للحياة العملية أو العسكرية.
أثمر المسار التعليمي الذي شجعت "ماماو" حفيدها على مواصلته انتقاله إلى عالم مختلف عن ذلك الذي عرفه في طفولته. فبعد اجتيازه المرحلة الثانوية سنة 2003، التحق بسلاح مشاة البحرية الأمريكية، حيث خدم بين سنتي 2003 و2007. ومثلت هذه المرحلة أول خروج حقيقي له من البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها في ميدلتاون، إذ فتحت أمامه عالماً أوسع من حدود مجتمع الطبقة العاملة في "حزام الصدأ". وكتب فانس في مذكراته عن تجربتين عدَّهما من أكثر المحطات تأثيراً في حياته في سنوات الخدمة العسكرية.
دفعَت أولى التجربتين فانس إلى إعادة النظر في طفولته وفي صورة نفسه ضحيةً للفقر والتفكك العائلي. فقد خدم في العراق ضمن وحدة للشؤون المدنية تتولى التواصل مع السكان المحليين في مناطق غير محمية بالكامل. وبينما كان الضباط يلتقون مسؤولي إحدى المدارس، انشغل الجنود باللعب مع الأطفال وتوزيع الحلوى والأدوات المدرسية عليهم. وهناك اقترب منه طفل ومد يده نحوه، فأعطاه فانس ممحاة صغيرة، قبل أن يرى على وجهه سعادة قال إنه لم يشهد مثلها من قبل. وكتب أنه لا يؤمن بلحظات التحول المفاجئة، لكنه عدَّ تلك الواقعة الأقرب إلى ذلك في حياته. فبعد سنوات قضاها غاضباً من طفولته ومن الفقر والتفكك وما أحاط بعائلته، أدرك للمرة الأولى حجم الامتيازات التي عنده مقارنة بأطفال يعيشون وسط الحرب والحرمان. وأضاف أنه شعر آنذاك بالامتنان لأنه وُلد في الولايات المتحدة وحظي بعائلة أحبته، على كل اضطراباتها.
وكشفت له التجربة الثانية قدرة الانضباط وتحمل المسؤولية على تغيير مسار الإنسان. إذ علمته الحياة العسكرية، للمرة الأولى، كيف يدير حياته شخصاً بالغاً مسؤولاً. ومنذ أيامه الأولى في سلاح مشاة البحرية، تعاملت المؤسسة العسكرية معه على أنه شاب يجهل كثيراً من أساسات الحياة اليومية، وفرضت عليه تعلم إدارة أمواله والادخار والاستثمار والعناية بصحته وتنظيم شؤونه. وروى في مذكراته كيف اصطحبه أحد الجنود الأكبر سناً لفتح حساب مصرفي، وحذره من شراء سيارة فارهة بقرض مرتفع الفائدة، ودفعه إلى التفكير بعقلانية أكبر في قراراته المالية. وغيرت الخدمة العسكرية نظرته إلى قدراته وتوقعاته عن نفسه أيضاً. فالشاب الذي لم يكن قادراً قبل انضمامه إلى الجيش على الركض مسافة ميل واحد أصبح يقطع ثلاثة أميال عدواً في تسع عشرة دقيقة. وتعلم فانس أيضاً، كما يروي في مذكراته، كيف يقود الآخرين ويكسب احترامهم، وكيف يعمل مع أشخاص من خلفيات اجتماعية وعرقية مختلفة ضمن فريق واحد.
غيَّرت التجربة العسكرية مسار حياة فانس. إذ ساعدته على التخلص من الشعور بالعجز الذي أحاط بكثير من أبناء الطبقة العاملة البيضاء في مدينته. كانت الرسالة التي تلقاها طوال طفولته أن أشخاصاً مثله ليسوا جيدين بما يكفي، وأن غياب أبناء ميدلتاون عن جامعات النخبة يعكس قصوراً فيهم لا في الظروف التي أحاطت بهم. لكن الحياة العسكرية، بحسب وصفه، استبدلت تلك النظرة بعقلية ترفض الأعذار وتؤمن بأن الجهد قادر على تغيير المصير. وعندما انتهت خدمته العسكرية عاد إلى ميدلتاون وهو يشعر للمرة الأولى بأنه يعرف ما الذي يريده من حياته وكيف يمكنه الوصول إليه. وبعد ثلاثة أسابيع فقط من عودته بدأ الدراسة في جامعة أوهايو، التي تخرج فيها سنة 2009 حاصلاً على بكالوريوس في العلوم السياسية والفلسفة، قبل أن يتجه لدراسة القانون في جامعة ييل.
تبلورت اهتمامات فانس الفكرية والسياسية في سنوات دراسته في جامعة ييل، التي تخرج فيها سنة 2013. فعُرف بين زملائه طالباً ذكياً ومنفتحاً على النقاش، يميل إلى التفكير المستقل أكثر من ترديد المواقف الحزبية الجاهزة. ووصفه جوش ماكلورين، زميله السابق في السكن الجامعي الذي أصبح لاحقاً عضواً في مجلس شيوخ ولاية جورجيا، بأنه ذو فضول واستقلال فكري. واستدل، في تقرير نشرته صحيفة الجامعة في أكتوبر 2024، على ذلك بعدم تكرار فانس شعارات الحزب الجمهوري وصياغته مواقفه بنفسه. وفي هذا السياق برز اهتمامه المبكر بأوضاع الطبقة العاملة البيضاء في الولايات المتحدة. فقد أدار مجموعة قراءة ناقشت ما وصفه بالتراجع الاجتماعي في أمريكا البيضاء، وركزت على أوضاع الطبقة العاملة البيضاء والمجتمعات الفقيرة في منطقة جبال الأبالاش التي تنحدر منها عائلته. وتناولت هذه القراءات أيضاً قضايا التهميش الاجتماعي والانهيار الاقتصادي وأزمة الهوية داخل المجتمعات البيضاء الفقيرة.
عمقت هذه التجربة إدراك فانس الفجوةَ بين النخب الأمريكية والبيئة الاجتماعية التي نشأ فيها. ففي مذكراته، تحدث عن شعوره الدائم بأنه دخيل داخل الجامعة بسبب خلفيته الريفية والطبقية، مقارنة بكثير من الطلاب المنحدرين من عائلات ثرية أو مؤسسات تعليمية نخبوية. وتحول هذا الشعور إلى أحد الأسس التي قامت عليها رؤيته السياسية لاحقاً. إذ انتقد انفصال كثير من النخب الأمريكية والمؤسسات الأكاديمية عن واقع الطبقة العاملة البيضاء ومشكلاتها، وهو موقف ظهر في كتاباته وخطابه السياسي في السنوات التالية.
جاء التحول الأكبر في حياة فانس من احتكاكه المباشر بعالم النخبة والمال. إذ فتح هذا الاحتكاك أمامه أبواب شبكة نفوذ محافظة ترتبط بعالم التقنية ورأس المال، وأسهم في إعادة تشكيل مساره الفكري والسياسي.
ساهم الملياردير والمستثمر المحافظ بيتر ثيل في انتقال فانس إلى عالم رأس المال والتقنية. وتعود بداية العلاقة بين الرجلين إلى سنة 2011، حين حضر فانس محاضرة ألقاها ثيل في جامعة ييل عن الركود التقني وتراجع النخب الأمريكية. وعدَّ فانس هذه المحاضرة "أهم لحظة في سنواته بجامعة ييل". إذ كتب في مقال نشره بمجلة "ذا لامب" سنة 2020 أن ثيل ربط بين تباطؤ الابتكار وتصاعد التنافس داخل النخب على عدد محدود من المواقع المرموقة، وهو ما دفعه إلى التفكير في الخروج من دائرة هذا التنافس والبحث عن مسار مهني خارج المؤسسات العاملة في القانون. وتحول هذا التأثير الفكري لاحقاً إلى علاقة مهنية، إذ انتقل فانس سنة 2015 إلى سان فرانسيسكو للعمل في شركة "ميثريل كابيتال" الاستثمارية التي أسسها ثيل شركةً متخصصة في تمويل الشركات الناشئة والتقنيات الواعدة.
فتح كتاب "هيبلي إيليجي" الطريق أمام تحول فانس من خريج قانون إلى أحد أكثر الأصوات حضوراً في النقاش العام عن الطبقة العاملة البيضاء في الولايات المتحدة. وتعود بدايات هذا المسار إلى سنوات دراسته في جامعة ييل، حين تواصل بالبريد الإلكتروني مع أستاذته آيمي تشوا، التي شجعته على كتابة مذكراته وقدَّمته إلى وكيلها الأدبي، الذي أصبح وكيله أيضاً. وفي سنة 2016 صدر الكتاب، مقدماً تجربة أسرة فانس مع الفقر والإدمان وتراجع الحلم الأمريكي في المجتمعات التي أصابها الانهيار الاقتصادي. وتضمَّن الكتاب أيضاً نقداً لبعض المستفيدين من برامج الرعاية الاجتماعية، الذين يستعلمون بطاقات الطعام الحكومية في شراء المشروبات الغازية والكماليات. وأرجعت صحيفة "الغارديان" في مقال نشرته في نفس السنة النجاح الذي حققه كتاب فانس إلى الطريقة التي قدم بها نفسه جزءاً من الطبقة العاملة البيضاء التي شعرت بالتهميش أمام النخب الليبرالية. فمع الصعود المفاجئ لدونالد ترامب في العام نفسه، تحول فانس إلى ضيف دائم في وسائل الإعلام الأمريكية، وقُدِّم أحد أبرز المفسرين للغضب الذي ساد المجتمعات البيضاء الفقيرة.
نقل بيتر ثيل فانس من عالم الاستثمار إلى العمل السياسي. ففي سنة 2019 عاد فانس إلى أوهايو وأسس شركته الاستثمارية الخاصة بدعم مالي من ثيل ومستثمرين آخرين في قطاع التقنية. وفي الوقت نفسه بدأ يفكر جدياً في خوض العمل السياسي، وهو توجه شجعه عليه ثيل. ومع تقارب الرجلين وتأثر فانس بأفكار ثيل عن النخب الأمريكية والسياسة المحافظة، أخذت مواقفه من ترامب والحزب الجمهوري تتبدل تدريجياً. ولم يبق دور ثيل مقتصراً على التأثير الفكري، إذ دعم فانس مالياً وسياسياً في ترشحه لمجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو، وساعده على بناء شبكة من العلاقات داخل أوساط اليمين الأمريكي.
مثَّل فانس قاعدتين اجتماعيتين لا تُربطان عادة ببعضهما، الطبقة العاملة البيضاء في ولايات الغرب الأوسط الأمريكي ودوائر التقنية ورأس المال. فلم يقتصر حضوره السياسي على تقديم نفسه ممثلاً لمجتمعات عانت عقوداً من تراجع الصناعة المحلية وتآكل الأوضاع الاقتصادية للعمال، بل امتد أيضاً إلى أوساط المستثمرين ورواد التقنية الذين بنى معهم علاقات وثيقة.
مهدت علاقة فانس ببيتر ثيل الطريق لتحالفه مع دونالد ترامب ودخوله أول معاركه الانتخابية الكبرى. فثيل له سجل طويل في تمويل الشخصيات اليمينية الصاعدة، وكان من أوائل الداعمين لترامب، إذ تبرع لحملته الرئاسية سنة 2016 بما لا يقل عن 1.25 مليون دولار. وفي سنة 2021 رتَّب لقاءً جمع فانس بترامب، في وقت كانت فيه مواقف فانس من الرئيس الجمهوري والحزب الجمهوري تتغير تدريجياً. وسرعان ما تحول فانس من أحد أبرز منتقدي ترامب إلى أحد المدافعين عنه داخل الحزب، مستفيداً من شبكة العلاقات السياسية والمالية التي وفرها له ثيل. وفي السياق نفسه انتقل من موقع المؤلف والمستثمر التقني إلى العمل السياسي المباشر، معلناً ترشحه لمجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو. واختار إطلاق حملته من مصنع "ميدلتاون ووركس" للصلب في مسقط رأسه، وهو موقع له دلالة شخصية خاصة، إذ عمل فيه جده لأمه، ووصفه فانس في مذكراته بأنه المنقذ الاقتصادي للعائلة بعد انتقالها من جبال الأبالاش إلى ميدلتاون.
انتقل فانس في سنوات قليلة من معارضة ترامب إلى السعي لكسب دعمه السياسي. ففي ذروة المنافسة بين ترامب والمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون سنة 2016، أعلن فانس رفضه دعم المرشح الجمهوري، وانتقده في عدد من التدوينات والمقابلات بسبب مواقفه من المهاجرين والمسلمين. لكن هذا الموقف بدأ يتغير مع دخوله العمل السياسي وسعيه إلى بناء موقع داخل الحزب الجمهوري. فبحسب تقرير نشرته شبكة "سي إن إن" سنة 2021، بدَّل فانس خطابه تدريجياً مع دخوله سباق مجلس الشيوخ في أوهايو واعتماده على استقطاب القاعدة المؤيدة لترامب، وحذف عدداً من منشوراته السابقة التي هاجم فيها الرئيس الجمهوري. وظهر لاحقاً على قناة "فوكس نيوز" معتذراً عن تصريحاته السابقة، ومؤكداً أن ترامب اتخذ قرارات عديدة خدمت المواطنين الأمريكيين.
شكَّل اللقاء الذي جمع فانس بترامب في منتجع مارالاغو اختباراً حقيقياً لتحول العلاقة بين الرجلين. ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" سنة 2024 تفاصيل الاجتماع الذي رتبه ثيل في منتجع ترامب بولاية فلوريدا. ودخل فانس اللقاء ليجد أمام ترامب ملفاً ضخماً يضم تصريحاته وهجماته القديمة عليه، من بينها مقال نشره في مجلة "ذا أتلانتك" وصف فيه ترامب بأنه "هيروين ثقافي"، أي مخدر يبيع أوهاماً للطبقة العاملة البيضاء. وسارع فانس إلى الاعتذار، قائلاً إنه صدق "أكاذيب الإعلام" عن ترامب، وندم على سوء تقديره له. وخفف هذا الاعتذار من أجواء التوتر، فاستمر اللقاء قرابة ساعتين ناقش فيها الرجلان السياسة وانتخابات سنة 2020 وسباق مجلس الشيوخ في أوهايو. وفي ختام الجلسة، أخبر ترامب فانس أن معظم المرشحين الجمهوريين يقصدون منتجعه طلباً لتأييده، قبل أن يسأله مباشرة إن كان يريد دعمه. لكن فانس حاول تقديم نفسه بصورة مختلفة، فأجاب بأنه يرغب في هذا التأييد، لكنه يفضل خوض السباق أولاً وإثبات نفسه، مؤكداً أنه لن ينقلب على ترامب عندما يتعرض لهجوم إعلامي.
فتح اللقاء الباب أمام علاقة سياسية متنامية بين ترامب وفانس. فقد أشار تقرير "نيويورك تايمز" إلى أن ترامب بدأ منذ ذلك الاجتماع يتابع صعود فانس باهتمام متزايد. وأُعجب بأدائه في المناظرات وظهوره التلفزيوني المتكرر، ووصفه أمام مقربين بأنه ذكي وبارع على الشاشة. ومع الوقت، انحاز ترامب إلى جانبه في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في أوهايو، وهو دعم ساعد فانس على حسم السباق والفوز بالمقعد.
ظهر تقارب فانس مع ترامب في مواقفه السياسية في عدد من القضايا الرئيسة. فبعد انتقاده السابق لسياسات ترامب ضد المهاجرين، تبنَّى فانس مواقف أقرب إلى خطاب حركة "ماغا" (لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً) في ملف الهجرة، وأيد بناء جدار حدودي بين الولايات المتحدة والمكسيك للحد من تدفق المهاجرين. ودافع أيضاً عن موقف الحزب الجمهوري المعارض الإجهاضَ، مؤيداً ترك القرار للولايات وفق قوانين كل منها، مع تبني سياسات تشجع على الإنجاب بدلاً من توسيع نطاق الإجهاض. لكنه راجع بعض مواقفه السابقة، فتخلى عن معارضته للاستثناءات في الحالات التي تهدد حياة الأم أو تنطوي على اغتصاب أو سفاح قربى، متبنياً بذلك الموقف السائد داخل الحزب الجمهوري.
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية سنة 2024، ساهم فانس في توسيع قاعدة الدعم المالي والسياسي لترامب داخل أوساط التقنية ورأس المال. ففي الأشهر التي سبقت الانتخابات، أقنع عدداً من المستثمرين ورجال الأعمال بدعم ترامب وجمع التبرعات لحملته، مستفيداً من شبكة العلاقات التي بناها داخل وادي السيليكون. ونجح في تنظيم فعاليات جمعت شخصيات بارزة، من بينها المستثمران ديفيد ساكس وشاماث باليهابيتيا. وأسهم أيضاً في تقريب بعض الأوساط المحافظة في قطاع التقنية من ترامب. ومثل هذا التحول تغيراً لافتاً بعد سنوات كان فيها دعم ترامب داخل وادي السيليكون عبئاً سياسياً بسبب هيمنة التوجهات الليبرالية والديمقراطية على القطاع. وبعد فوز ترامب بترشيح الحزب الجمهوري اختار فانس نائباً له في الانتخابات العامة.
ظهر موقع فانس داخل حملة ترامب في بعض توجهاتها الاقتصادية. فقد تبنى مبكراً موقفاً مؤيداً للعملات الرقمية، ودعا إلى توسيع الاستثمار فيها، محذراً من ترك هذا القطاع للصين. وكان ترامب قد وصف العملات الرقمية سابقاً بأنها عملية احتيال. لكنه تبنى لاحقاً موقفاً أكثر دعماً لها، حتى بدأت حملته الانتخابية في استقبال التبرعات بعملة البيتكوين. وجاء هذا التحول مع صعود شخصيات مؤيدة للعملات الرقمية داخل الدائرة المحيطة به، أبرزهم فانس.
مثَّل اختيار فانس نائباً لترامب صعود جيل جديد داخل اليمين الأمريكي المحافظ. فقد أصبح أحد أبرز الوجوه المعبرة عن التحولات الفكرية التي شهدها الحزب الجمهوري في السنوات الأخيرة. ولم يرتبط صعوده بولائه لترامب أو بشبكات النفوذ التي دعمته فحسب، بل بالأفكار التي تبناها عن اليمين ما بعد الليبرالي، الذي يدعو إلى منح الصالح العام والمجتمع دوراً أكبر في توجيه السياسة والاقتصاد، وينتقد النموذج الليبرالي التقليدي القائم على أولوية حقوق الأفراد.
تستند رؤية فانس السياسية إلى أفكار اليمين ما بعد الليبرالي، وهو تيار محافظ يُحمِّل الليبرالية مسؤولية تفكك الروابط الاجتماعية وتراجع القيم المشتركة في الولايات المتحدة. ويدعو هذا التيار إلى دور أكثر فاعلية للدولة في توجيه الاقتصاد والمؤسسات، وإلى منح الدين والأسرة والمجتمعات المحلية دوراً أكبر في الحياة العامة. وقد اكتسب التيار زخماً متزايداً في السنوات الأخيرة مع صعود عدد من المفكرين الكاثوليك المحافظين وانتشار مؤلفاتهم ومحاضراتهم. ومن أبرز هؤلاء باتريك دينين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة نوتردام، الذي اشتهرت كتاباته بنقد الليبرالية الحديثة والدفاع عما يسميه "الخير العام" أساساً لتنظيم المجتمع والسياسة.
ينطلق دينين من نقد النموذج الليبرالي القائم على أولوية الفرد وحقوقه، داعياً إلى إعادة الاعتبار للمجتمع والمؤسسات المشتركة. فقد قدم في كتابه "ديموكراتيك فيث" (الإيمان الديمقراطي) الصادر سنة 2005 نقداً للمفكرين الليبراليين الديمقراطيين، معتبراً أن الخطاب القائم على الحقوق والمساواة ينطوي أحياناً على نزعة مثالية تفترض إمكان بلوغ الكمال السياسي والأخلاقي. وفي المقابل، دعا إلى تصور للديمقراطية ينطلق من الاعتراف بحدود البشر ونقائصهم المشتركة. ثم عاد في كتابه "ريجيم تشينج" (تغيير النظام) الصادر سنة 2023 ليرسم ملامح بديل سياسي واجتماعي لما بعد الليبرالية، متناولاً الثقافة والاقتصاد والمؤسسات من منظور يدافع عن القيم المحافظة من أجل الصالح العام.
تأثر فانس بأفكار دينين وعدَّ نفسه جزءاً من التيار الذي ينتمي إليه. فقد عبر عن ذلك مثلاً في ندوة عقدت سنة 2023 في الجامعة الكاثوليكية الأمريكية لمناقشة كتابه "تغيير النظام"، وصف فانس فيها نفسه بأنه جزء من اليمين ما بعد الليبرالي، وقال إنه يرى نفسه في الكونغرس معارضاً للنظام القائم، مستلهماً في ذلك نقد دينين التقدميةَ الليبرالية.
مثَّل تحول فانس إلى الكاثوليكية الحلقة التي وصلته بأفكار المحافظين ما بعد الليبراليين. ففي مقال نشرته مجلة "ذا لامب" سنة 2020، شرح ارتباط التحول بتجربته العائلية وبشعوره المتزايد بالاغتراب عن الثقافة الليبرالية والنخبوية التي أصبح جزءاً منها. وأرجع جانباً مهماً من هذا المسار إلى جدته "ماماو"، التي أسهمت في تشكيل وعيه الديني والأخلاقي مع أنها لم تكن كاثوليكية وكانت بعيدة عما سماه "الدين المنظم". فقد نشأ في بيئة دينية شعبية ركزت على مفاهيم الخطيئة والخلاص والنعمة أكثر من تركيزها على المؤسسات الكنسية والعقائد الرسمية. وظل هذا الإرث الروحي جزءاً من هويته حتى في السنوات التي ابتعد فيها عن الدين في شبابه، قبل أن يعود إليه في مرحلة لاحقة عبر الكاثوليكية.
تجربة فانس داخل المؤسسات النخبوية دفعته إلى مراجعة نظرته إلى الدين والحياة العامة. فقد مر بمرحلة إلحاد في سنوات الجامعة وبعد خدمته في العراق، وانجذب إلى النجاح المهني والترقي الاجتماعي داخل الأوساط التعليمية والنخبوية. لكنه بدأ مع الوقت يشعر بأن هذا العالم القائم على التنافس والإنجاز الفردي والسعي إلى المكانة الاجتماعية يفتقر إلى المعنى الأخلاقي والروحي. وكتب أن صعوده داخل هذه المؤسسات جعله يدرك اتساع المسافة الثقافية بينه وبين المجتمع الذي جاء منه، وأنه استبدل السعي إلى الفضيلة بالسعي إلى النجاح. وفي خضم هذه المراجعة الفكرية، أسهمت قراءاته الدينية والفلسفية في عودته التدريجية إلى المسيحية ثم الكاثوليكية. فتأثر بكتابات القديس أوغسطينوس، التي رأى فيها محاولة للتوفيق بين العقل والإيمان. وتأثر أيضاً بأفكار الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار. وكان لعلاقته ببيتر ثيل دورٌ مهمٌ في هذا المسار، إذ وجد فيه رجلاً يجمع بين النجاح الاستثنائي والالتزام الديني ما دفعه إلى إعادة النظر في الصورة التي كان يحملها عن التدين وعلاقته بالمعرفة والنجاح.
وجد فانس في الكاثوليكية إطاراً يربط بين الأخلاق والأسرة والمجتمع في رؤية واحدة متماسكة. فوصفها في ختام مقاله بأنها التصور الذي وفر له فهماً متكاملاً للفضيلة والمسؤولية والعلاقات الاجتماعية. فالكنيسة الكاثوليكية لا تنظر إلى الإنسان فرداً معزولاً، بل عضواً في مجتمع تحكمه روابط والتزامات أخلاقية متبادلة. ومن هذا المنطلق، شعر أن الكاثوليكية قدمت تفسيراً للأزمات التي عرفها في مجتمعه، مثل الإدمان والعنف وتفكك الأسرة. إذ لم ترد هذه الظواهر إلى العوامل الاقتصادية أو السياسية وحدها، بل ربطتها أيضاً بأسئلة الخطيئة والانهيار الأخلاقي.
ترجمت أفكار اليمين ما بعد الليبرالي والكاثوليكية المحافظة إلى مواقف سياسية واجتماعية واضحة في خطاب فانس. فهذه الرؤية تمنح الأولوية للأسرة والإنجاب والروابط المجتمعية التقليدية، وتتخذ مواقف متحفظة من الإجهاض وحقوق المثليين. وتجعل من الدولة أداة لتوجيه المجتمع والاقتصاد، لا مجرد إطار محايد لتنظيم المنافسة بين الأفراد. ومن هذا المنطلق، يدعو فانس إلى سياسات تدعم التصنيع والعمال والنقابات، وتحد من نفوذ النخب الليبرالية والمؤسسات التي يعدها مسؤولة عن إضعاف الروابط الاجتماعية التقليدية.
وجدت أفكار اليمين ما بعد الليبرالي تعبيراً مؤسسياً عنها في "مشروع 2025" الذي أعدته مؤسسة "هيريتج" – وهي مركز أبحاث محافظ أمريكي – التي يصفها فانس بأنها القوة الأكثر تأثيراً في صياغة أفكار الجمهوريين. ويركز على إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية محافظة أكثر حزماً، تشمل الحد من نفوذ شركات التقنية الكبرى وتعزيز التصور المسيحي التقليدي للأسرة والإنجاب. ومع سعي ترامب إلى النأي بنفسه عن المشروع، كان فانس من أبرز المؤيدين له. وكتب مقدمة كتاب رئيس المؤسسة كيفين روبرتس، الذي دعا إلى إعادة بناء المؤسسات الأمريكية واستبدال النخب الليبرالية المسيطرة بقيادات محافظة تتبنى رؤية الإدارة الجمهورية.
يختلف "مشروع 2025" عن التصور الجمهوري التقليدي للدولة والاقتصاد. إذ ينطلق من فكرة أن المؤسسات الأمريكية، من الحكومة الفيدرالية إلى الجامعات وشركات التقنية، أصبحت خاضعة لهيمنة النخب الليبرالية، وأن المحافظين بحاجة إلى استعادة السيطرة عليها وإعادة توجيهها وفق تصورهم للصالح العام. ومن هذا المنطلق، يمنح المشروع أولوية لبناء دولة أكثر تدخلاً، على خلاف النزعة الجمهورية التقليدية التي تركز على تقليص دور الحكومة. فبدلاً من الاكتفاء برفع القيود التنظيمية وخفض تدخل الدولة، يدعو إلى استخدام مؤسساتها مباشرة لإعادة تشكيل المجتمع والثقافة والاقتصاد. ويربط المشروع بين الفضيلة والازدهار المادي، ويؤيد سياسات تدعم العمال والعائلات، بتحسين الوظائف وتعزيز الصناعة المحلية، بدلاً من التركيز على مؤشرات السوق والاستهلاك وحدها.
أثارت أفكار اليمين ما بعد الليبرالي اعتراضات داخل قطاعات من النخبة الأمريكية. إذ تتصادم، في نظر منتقديها، مع فلسفة السوق الحر والنهج الليبرالي التقليدي، وتمنح الدولة دوراً أوسع في توجيه المجتمع والثقافة والاقتصاد وتحديد ما يعد صالحاً عاماً. ويرى هؤلاء أن هذا التوجه يهدد بعض المبادئ التي قام عليها النموذج الليبرالي الأمريكي، ويشيرون إلى تشابهه مع تجارب قومية محافظة في دول أخرى، وفي مقدمتها تجربة رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان، الذي يراه بعض منظري اليمين الأمريكي نموذجاً لاستخدام الدولة في إعادة تشكيل المؤسسات والمجتمع وفق رؤية محافظة.
أما فانس، فيرى أوربان نموذجاً سياسياً ناجحاً لا مصدر قلق على الديمقراطية. فقد ظهر إلى جانبه أثناء زيارة إلى بودابست، داعياً المجريين إلى التمسك بسيادتهم الوطنية والتصويت له، ومعتبراً أن الانتخابات المجرية معركة من أجل الحضارة الغربية. وأشاد أيضاً بسياسات الحكومة المجرية السابقة بقيادة أوربان في دعم الأسر والإنجاب، وبدور الدولة في توجيه المؤسسات، ولاسيما الجامعات. ولهذا ينظر كثير من المراقبين إلى المجر تحت حكم أوربان باعتبارها النموذج الأقرب للرؤية التي يتبناها اليمين ما بعد الليبرالي داخل الولايات المتحدة. إلا أن دعم فانس وترامب لم يمنع خسارة أوربان الانتخابات العامة في المجر وتنحيه عن السلطة في أبريل 2026.
تحولت المنافسة على خلافة ترامب إلى أحد الأسئلة الرئيسة داخل الحزب الجمهوري، ويبدو فانس اليوم المرشح الأوفر حظاً. ولهذا يعمل على تعزيز حضوره في ملفات السياسة الخارجية مع بدء الاستعدادات المبكرة لانتخابات الرئاسة الأمريكية سنة 2028. ويراه قطاع واسع من اليمين الجمهوري الوريث السياسي الأبرز لترامب والوجه الأكثر تعبيراً عن النسخة الجديدة من حركة "ماغا" (لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً) واليمين الأمريكي ما بعد الليبرالي. غير أن الطريق إلى البيت الأبيض لا يخلو من منافسين، وفي مقدمتهم وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يأتي مباشرة خلف فانس في استطلاعات الرأي داخل الحزب ولم يتخل عن طموحه الرئاسي منذ خسارته الانتخابات التمهيدية الجمهورية أمام ترامب سنة 2016.
ومع تقدم فانس في السباق، فلن يكون طريقه إلى الرئاسة مفروشاً بالورود. فالرجل الذي عرف كيف يستثمر الفرص التي أتيحت له في سنواته القصيرة في عالم السياسة يدرك أن الحصول على بطاقة الترشح الجمهورية ما زال مرتبطاً إلى حد كبير بدعم ترامب، الشخصية الأكثر تأثيراً داخل القاعدة الجمهورية. وفي الوقت نفسه، سيكون مطالباً بالحفاظ على توازن دقيق. إذ عليه الاقتراب من ترامب بما يكفي لضمان تأييده، بلا أن يتحول إلى منافس يهدد مكانته أو يزاحمه على الأضواء التي اعتاد احتكارها.