علي سرور (صحيفة الأخبار)
لم تكن الأنهار التي انكمشت في قلب الأمازون، ولا الحرائق التي اجتاحت أكبر الأراضي الرطبة الاستوائية في العالم، ولا الفيضانات التي شرّدت مئات آلاف الأشخاص في البرازيل خلال السنوات الأخيرة، أحداثاً منفصلة. في عالم ترتفع حرارته بوتيرة غير مسبوقة، باتت ظواهر مناخية طبيعية عرفتها الأرض منذ آلاف السنين تظهر بوجه مختلف وأكثر قسوة.
في هذا السياق، يدقّ العلماء ناقوس الخطر، بعد تزايد المؤشرات باحتمال تشكّل واحدة من أقوى موجات «النينيو» منذ عقود. وبينما لا تُعدّ الظاهرة جديدة، فإن نسختها المتطرفة تأتي هذه المرة في ظل واقع مناخي متدهور، ممّا يُنذر بارتفاع قياسي في درجات الحرارة العالمية خلال الأشهر المقبلة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تعيش فيه البشرية مرحلة مناخية استثنائية. فالأعوام الأخيرة حطّمت أرقاماً قياسية في درجات الحرارة، فيما تتزايد موجات الجفاف والفيضانات والحرائق في قارات متعددة. وبينما تبدو «النينيو» للوهلة الأولى تفسيراً جاهزاً لهذه الأحداث، يحذّر العلماء من الوقوع في هذا التبسيط. الظاهرة الطبيعية موجودة منذ قرون طويلة، لكن المناخ الذي تعمل ضمنه اليوم لم يعد نفسه الذي عرفته الأجيال السابقة.
وعلى وقع المشكلة المتفاقمة، يصرّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على مواصلة سياسة العداء المعلن للبيئة. وبين عجز القوى الكبرى عن كبح تسارع التغيّر المناخي، وبين قرارات ترامب التي تُثقل كاهل النظام البيئي، يرزح مناخ الأرض بين فكّي كماشة. فالظواهر الطبيعية تزيد من وطأة المشكلة، لكنّ الاحترار البشري الناجم عن الانبعاثات الكربونية المتفلّتة يبقى المصدر الأساسي للأزمة المفصلية.
دورة قديمة في قلب المحيط الهادئ
يعرف كوكب الأرض منذ آلاف السنين ظاهرتين متعاكستين، تُعرفان باسم «النينيو» و«لا نينيا». خلال هذه الدورة الطبيعية، تتذبذب حرارة المياه في المحيط الهادئ. في الظروف الطبيعية، تدفع الرياح المياه الدافئة نحو غرب المحيط الهادئ، بالقرب من إندونيسيا وأستراليا، فيما ترتفع مياه أبرد من الأعماق قبالة سواحل أميركا الجنوبية. لكن عندما تضعف هذه الرياح أو تتغيّر أنماطها، تبدأ المياه الدافئة بالتحرك شرقاً نحو وسط وشرق المحيط الهادئ، فتظهر حالة «النينيو».
هذا التغيّر في توزيع حرارة المحيط لا يبقى محصوراً في المياه الاستوائية، بل يؤثر على الغلاف الجوي بأكمله. فالهواء فوق المياه الدافئة يسخن، وتتبدّل أنماط الضغط الجوي وحركة الرياح والأمطار، لتبدأ سلسلة من التأثيرات تمتد من أميركا الجنوبية إلى أفريقيا وآسيا وأستراليا وأميركا الشمالية. أما الظاهرة الثانية «لا نينيا»، فتُمثّل الوجه المعاكس للدورة، إذ تبرد المياه في شرق ووسط المحيط الهادئ أكثر من المعدل الطبيعي، ما يؤدي إلى مجموعة مختلفة من التأثيرات المناخية حول العالم.
وتحدث هذه الدورة كل سنتين إلى سبع سنوات تقريباً، وقد تستمر من تسعة أشهر إلى أكثر من عام. لكن العلماء يشددون على أنّ أياً من هذه الأحداث لا يشبه الآخر، وأن قوة الظاهرة ونتائجها تختلف في كل مرة تبعاً للظروف المناخية السائدة.
مخاوف من «سوبر النينيو»
لا تتعلق التحذيرات الحالية بمجرد ظهور «النينيو» جديدة في ظلّ الاحترار العالمي، إنّما ما يدفع العلماء إلى التحذير من الظاهرة المقبلة هو إمكانية أن تكون من بين الأقوى منذ عقود، بما يُعرف بالـ Super El Nino.
بحسب التقديرات الصادرة عن هيئات الأرصاد الدولية، ارتفعت احتمالات وصول الظاهرة إلى مستوى «النينيو قوية جداً» أو ما يُعرف إعلامياً بـ«سوبر النينيو». ويعود ذلك إلى وجود كميات هائلة من المياه الدافئة المختزنة في أعماق المحيط الهادئ، حيث سُجّلت في بعض المناطق درجات حرارة تفوق المعدلات الطبيعية بأكثر من ست درجات مئوية. ويُنظر إلى هذه الكتلة الحرارية العميقة باعتبارها الوقود الذي قد يغذّي الظاهرة خلال الأشهر المقبلة. فعندما ترتفع هذه المياه إلى السطح، تُسهم في تسخين الهواء فوقها وإعادة تشكيل أنماط الطقس العالمية.
ومع أن ظاهرة «النينيو» تبلغ ذروتها عادة خلال فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي، فإن آثارها تبدأ بالظهور تدريجياً قبل ذلك بكثير، سواء عبر ارتفاع درجات الحرارة أو تبدّل أنماط الأمطار أو ازدياد احتمالات الكوارث الطبيعية.
وجوه متعددة للأزمة
لا تضرب «النينيو» العالم بالطريقة نفسها، فالمفارقة أن الظاهرة ذاتها قد تتسبب بالفيضانات في منطقة وبالجفاف في منطقة أخرى في الوقت نفسه.
في أميركا الجنوبية، تُعدّ بيرو والإكوادور من أكثر المناطق ارتباطاً تاريخياً بالظاهرة بسبب وقوعهما قرب المنطقة التي تتجمع فيها المياه الدافئة. وخلال أحداث قوية سابقة، شهد جنوب البرازيل فيضانات مدمرة، فيما عانت مناطق أخرى من جفاف قاسٍ وحرائق واسعة النطاق.
وفي حوض الأمازون المجاور، أو ما يُعرف برئة الكوكب، حيث يعتمد أيضاً ملايين البشر على الأنهار والغابات في معيشتهم اليومية، يمكن أن يؤدي انخفاض الأمطار إلى تراجع مستويات المياه بشكل خطير. وسبق أن شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة مستويات جفاف اعتُبرت من الأسوأ منذ أكثر من قرن.
أما في أميركا الشمالية، فتُسجَّل عادة أمطار أكثر في جنوب الولايات المتحدة، في مقابل ظروف أكثر دفئاً وجفافاً في المناطق الشمالية. كما ترتبط «النينيو» غالباً بانخفاض نشاط الأعاصير في المحيط الأطلسي، نتيجة تغيّر أنماط الرياح في الطبقات العليا من الغلاف الجوي. وفي آسيا، تتخذ التداعيات أبعاداً مختلفة.
إذ ترتبط الظاهرة غالباً بارتفاع الحرارة والجفاف في أجزاء من جنوب وجنوب شرق آسيا، ما يهدد المحاصيل الزراعية ويزيد الضغط على الموارد المائية. كما يمكن أن تؤثر في قوة الرياح الموسمية الهندية التي يعتمد عليها مئات الملايين في الزراعة والأمن الغذائي.
من جهة أخرى، ترتبط «النينيو» عادة في أفريقيا بتراجع الأمطار في أجزاء من الساحل الأفريقي والجنوب الأفريقي، ما يهدد المحاصيل الزراعية ويزيد احتمالات انعدام الأمن الغذائي. وفي المقابل، يمكن أن تتعرض مناطق شرق أفريقيا لأمطار غزيرة وفيضانات وانهيارات أرضية وتفشٍّ لأمراض مرتبطة بالمياه والبعوض.
تختلف آثار «النينيو» جذرياً وفق الجغرافيا ولا يمكن حصرها بمنحى واحد. لكن بحسب الدراسات التي عرضتها «بي بي سي»، تترافق الظاهرة مع ارتفاع درجات الحرارة عالمياً.
لبّ المشكلة في الاحترار
تعايش سكان الأرض مع الظاهرة الطبيعية منذ قرون، لكنّ النسخة المرتقبة تحمل تبعات غير مسبوق بحسب ما حذّر منه تقرير نشرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.
في الماضي، كانت «النينيو» تُحدث تغيرات كبيرة في الطقس، لكنها كانت تعمل ضمن مناخ أبرد نسبياً. أما اليوم، فإن التأثيرات نفسها تحدث فوق خط أساس أكثر حرارة بكثير. الهواء الأكثر دفئاً قادر على الاحتفاظ بكميات أكبر من بخار الماء. وهذا يعني أن الأمطار الغزيرة تصبح أكثر غزارة، والفيضانات أكثر تدميراً. وفي الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر، ما يجعل فترات الجفاف أكثر حدة وطولاً.
لهذا السبب، لا ينظر الباحثون إلى الظاهرة الحالية باعتبارها مجرد تكرار لما حدث في نسخ 1982 و1997 و2015. فالعالم الذي ستضربه «النينيو» المقبلة ليس العالم نفسه. وقد أظهرت دراسات عدة أن الكوارث التي رافقت الدورة الأخيرة لم تكن نتيجة «النينيو» وحدها، إنّما نتيجة تفاعلها مع الاحترار العالمي المستمر. وبينما جاءت الأنماط المناخية وفق ما هو متوقع، إلّا أنّ آثارها كانت أكثر تطرفاً لأن الغلاف الجوي نفسه أصبح أكثر سخونة.
في هذا الإطار أيضاً، ووفق صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، يشدّد العلماء على أنّ الارتفاع القياسي في درجات الحرارة العالمية ليس بسبب «النينيو». رغم ذلك، تؤدي الظاهرة إلى زيادة مؤقتة في متوسط حرارة الكوكب، كما أنّ الكثير من السنوات القياسية في سجلات المناخ ارتبطت بوجود «النينيو» قوية.
لكن العلاقة ليست علاقة سبب وحيد بنتيجة واحدة. فلو عادت ظاهرة «النينيو» التي ضربت العالم عام 1998 لتحدث اليوم بالخصائص نفسها تماماً، لكانت درجات الحرارة العالمية أعلى بكثير مما كانت عليه آنذاك. وهذا ما يدفع العلماء إلى التأكيد أن العامل الأساسي في الاحترار العالمي ليس الظاهرة الطبيعية، إنّما الزيادة المستمرة في تركيز غازات الدفيئة الناتجة من النشاط البشري.
وقد لخص عدد من الباحثين هذه المفارقة بالقول إن «النينيو» ترفع الحرارة مؤقتاً، أما الوقود الأحفوري، فيرفع خط الأساس كله. وتحذّر تقديرات علمية حديثة من أن السنوات المقبلة قد تشهد مستويات حرارة غير مسبوقة عالمياً، نتيجة تفاعل «النينيو» مع مناخ أصبح أكثر سخونة من أي وقت مضى في التاريخ الحديث.
من ظاهرة طبيعية إلى إنذار سياسي
رغم أن النقاش حول «النينيو» يبدأ من المحيطات والرياح ودرجات الحرارة، فإنه ينتهي في ميدان السياسة. فالعلوم المناخية تكاد تُجمع اليوم على أن الاحترار العالمي الحالي ناجم بصورة رئيسية عن النشاط البشري، وأن تقليص الانبعاثات يبقى العامل الحاسم في الحد من الكوارث المقبلة. ومع ذلك، ما تزال السياسات المناخية العالمية تتأرجح بين التردد والإنكار والمصالح الاقتصادية القصيرة الأجل. في هذا السياق، مثّلت عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض انتكاسة جديدة للجهود المناخية الدولية، في لحظة تتزايد فيها التحذيرات العلمية من اقتراب العالم من عتبات مناخية خطيرة.
حتى اليوم، لم تنجح الدول الصناعية الكبرى، المسؤولة تاريخياً عن القسم الأكبر من الانبعاثات الكربونية المتراكمة في الغلاف الجوي، في بلورة مسار فعّال يوازي حجم الأزمة. ومع السنوات، تحوّلت قمم المناخ الدولية الدورية إلى محطات تعجّ بالوعود والتعهدات، فيما يستمرّ الفارق واسعاً بين الخطاب السياسي والإجراءات الفعلية المطلوبة لخفض الانبعاثات. وبينما يواصل العلماء التحذير من أن نافذة الحدّ من الاحترار العالمي تضيق عاماً بعد عام، تبدو الإرادة السياسية الدولية عاجزة عن مواكبة حجم الخطر الذي يتهدد مستقبل الحياة على الأرض.
ترامب... أزمة فوق الأزمة
في موازاة هذا التعثّر المزمن، اتخذت الإدارة الأميركية الجديدة خطوات عكست توجهاً مغايراً للمساعي المناخية العالمية. فواشنطن انسحبت من عدد من المبادرات والمباحثات الدولية المرتبطة بالمناخ، فيما رفض ترامب إرسال ممثلين عن إدارته إلى القمة المناخية الأخيرة، بالتوازي مع إعادة فتح الباب أمام استثمارات أوسع في قطاع الوقود الأحفوري وتقليص الدعم المخصص لعدد من المشاريع الخضراء.
وفي خطوة اعتبرها علماءٌ مؤشراً إضافياً إلى استخفاف الإدارة الأميركية بالملف المناخي، قرّر ترامب الأسبوع الماضي، تفكيك واحدة من أكثر شبكات مراقبة المحيطات تطوراً في العالم، رغم دورها المحوري في رصد امتصاص البحار للانبعاثات الكربونية وتتبع التغيرات التي تطاول التيارات البحرية المؤثرة في المناخ العالمي، بما فيها التغيرات المرتبطة بدورات «النينيو» و«لا نينيا».
وبحسب تقرير نشرته «واشنطن بوست» الأميركية، رأى باحثون أنّ التخلّي عن المشروع العلمي الذي تبلغ كلفته نحو 368 مليون دولار ويضمّ أكثر من 900 جهاز استشعار موزّعة في المحيطين الأطلسي والهادئ، يهدد استمرارية البيانات المناخية ويضعف قدرة المجتمع العلمي على فهم التحولات المتسارعة التي يشهدها كوكب يزداد سخونة عاماً بعد عام.
لذلك تحتلّ ظاهرة «النينيو» العناوين، وينشغل العلماء في تحديد شدّتها وآثارها المرتقبة. لكنّ المعركة الفعلية تدور في قلب النظام العالمي الحالي، وقدرته على تحقيق العدالة بين البشر، وطريقته في إدارة الموارد الاقتصادية والطبيعية ورسم العلاقة مع المناخ.
وكما أفشل الرئيس الأميركي جهود مكافحة التغيّر المناخي في دورته الأولى، رفض في الولاية الثانية المشاركة في أيّ قمّة مناخية، ناهيك بالخوض في التباحث حول تأمين المليارات المطلوبة لنجدة عشرات الملايين من سكان الكوكب.
في قلب هذا المشهد، يتضح عمق المشكلة المستعصية، فهل يمكن للنظام الدولي المسؤول عن إنتاج الأزمة أن يقود مسار الخروج منها؟ هنا، ينطبق المثل العربي القديم: «طبيب يداوي الناس وهو عليل».