العقيد الركن م. ظافر مراد
درج مصطلح ” حرب الإستنزاف” قديمًا في إشارة إلى إستمرار المواجهة العسكرية ولكن بمستوى تصعيد أقل بكثير من الحرب الشاملة، وتطبق إستراتيجية الإستنزاف عادة ضد عدو لم يتمكن من إنهاء الصراع وفرض شروطه الكاملة على الخصم، فيعمد هذا الخصم إلى محاولة إستنزاف العدو وفرض حالة تهديد دائم على قواته، ما يجبره على إستهلاك مقدرات مادية ومعنوية تستنزف طاقته العسكرية والإقتصادية والأمنية ولوقتٍ طويل.
في الحروب الحديثة، خاصة تلك التي تصنف “عالية الثكافة”، مثل الحرب الأميركية-الإيرانية الأخيرة، تحوَّل مفهوم الإستنزاف ليستهدف قدرة معادية معينة، مثل الصواريخ الإعتراضية ضد المسيرات والصواريخ الباليستية، وقد شاهدنا هذا النموذج في الحرب الروسية-الأوكرانية، وبشكلٍ أوضح في الحرب الأميركية- الإيرانية الأخيرة، والإستنزاف هنا يكمن في المصروف الهائل للذخائر الإعتراضية، لا سيما تلك الإستراتيجية منها، والذي يتجاوز التوقعات ويفوق القدرة على التعويض.
كان الإستنزاف متبادلًا بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إضافةً إلى دول الخليج التي كانت تتعرض لضربات إيرانية ما دفعها إلى صرف كميات كبيرة من الصواريخ الإعتراضية. لقد صنِّفت هذه الحرب “عالية الكثافة”، وتشير المعلومات إلى أن إيران استنفذت حوالي 70% من قدراتها من المسيرات والصواريخ الباليستية والجوالة سواء عن طريق الإطلاق أو بسبب التعرض للتدمير، بينما في المقابل إستنزفت إيران عن طريق صواريخها الباليستية ومسيراتها، قدرات الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في الذخائر الإستراتيجية والتي يأخذ تعويضها وقتًا طويلًا، ومن أبرز الذخائر التي تم إستهلاكها بدرجة عالية جدًا في هذه الحرب، صواريخ توماهوك، قنابل GBU، وصواريخ الإعتراض THAAD/Patriot.
كانت الحرب عملية إستنزاف متبادل للقدرات الإستراتيجية، بهدف إيصال الخصم إلى “نقطة الذروة”، والتي من بعدها تتراجع قدراته في الميدان، وفي الحقيقة أن جميع الاطراف قد وصلت إلى مستوى حرج في الإحتياطيات لهذه الذخائر، وربما هذا ما دفع إلى البدء بحراك ديبلوماسي ومسار تفاوضي للإستفادة باكرًا من نتائج المواجهات العسكرية، ولتحاشي إستمرار القتال الذي سيتسبب لإيران بتدمير هائل في البنى التحتية الإقتصادية، ويتسبب للولايات المتحدة وإسرائيل بإستنزاف حرج للقدرات العسكرية خاصة في الصواريخ الإعتراضية، والتي تضع الموقف العام للقوات الأميركية في المنطقة وفي العالم، في وضع ضعيف وحساس لا يمكن السماح به من وجهة نظر وزارة الدفاع ومجلس الامن القومي NSC، وقد أثار ذلك مخاوف محللي الدفاع في مراكز البحوث من أن الجيش الأميركي قد يواجه إفلاسًا استراتيجيًا مؤقتًا إذا اندلع صراع ثانوي بين القوى الكبرى في المحيط الهادئ أو في أي مكان آخر في العالم.
أشارت دراسات مراكز أبحاث الدفاع الأميركية، وعلى رأسها Center for Strategic and International Studies (CSIS)، أنه وفي في سيناريو المواجهة الواسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ظهرت معضلة مركزية بشأن المخزون الاستراتيجي الذي ينفذ بوتيرة أسرع بكثير من قدرة إعادة الإنتاج، وعلى صعيد الذخائر الهجومية مثل صواريخ توماهوك وقنابل GBU، يُعتبر صاروخ Tomahawk Cruise Missile أحد أهم أدوات القصف الاستراتيجي الأميركي بعيد المدى، إلا أن قدرته الإنتاجية محدودة تاريخيًا، وتشير الارقام حسب تقديرات CSIS إلى أن إجمالي المخزون الأميركي التقديري يبلغ ما بين 3 آلاف إلى 4 آلاف صاروخ،بينمامعدل الإنتاج السنوي للشركة المصنعة RTX، يبلغ 55 إلى 90 صاروخًا، وتبلغ كلفة الصاروخ من 1.3 إلى 2 مليون دولار، وقد تجاوز عدد صواريخ التوماهوك التي أطلقتها أميركا في هذه الحرب الالف صاروخ، ما يستغرق فترة عشر سنوات لتعويض النقص في الحالةالصناعية العادية.
بالنسبة للقنابل الخارقة للتحصينات، مثل GBU-31 JDAM و GBU-57 Massive Ordnance Penetrator، فقد تم إستهلاك كميات كبيرة من الأولى، بينما تم استخدام 14 قنبلة GBU 57 على المواقع النووية الإيرانية، وتجدر الإشارة الى أن مخزون القنابل نوع GBU 57 هو مسألة محاطة بسرية تامة، ولكن تتحدث المعلومات بأنه لا يتجاوز 100 قنبلة.
بالنسبة للصواريخ الإعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي، مثل Patriot، وTHAAD، فقد تم استخدام كميات كبيرة منها في الحرب مع إيران، فبالنسبة لصواريخ منظومة ثاد، تشير المعلومات المسربة من وزارة الدفاع إلى استخدام ما بين 190 و290 صاروخًا منها خلال الحرب. وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن نحو 200 صاروخ اعتراضي من منظومة ثاد نُشرت للدفاع عن إسرائيل ضد الهجمات الإيرانية المضادة. وقد طلب الجيش الأميركي شراء 857 صاروخًا اعتراضيًا من هذه المنظومة في السنة المالية 2027، مع توقع وصول الشحنات في منتصف عام 2029. وتخطط شركة لوكهيد مارتن لزيادة طاقتها الإنتاجية السنوية إلى 400 صاروخ لتلبية الطلبات الكبيرة من الولايات المتحدة وحلفائها. وتُقدّر تكلفة كل صاروخ اعتراضي بنحو 15.5 مليون دولار، وتشير التقارير إلى أن فعاليتها ضد الأجيال الجديدة من الصواريخ الإيرانية المزودة بمركبات إعادة دخول مناورة أو مركبات انزلاقية فرط صوتية كانت محدودة للغاية، أما بالنسبة لمنظومات باتريوت، فقد امتلكت الولايات المتحدة قبل الحرب مخزونًا يقارب 2500 صاروخ من طراز PAC-2 وPAC-3 لهذه المنظومة، وقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إطلاق ما بين 1060 و1430 صاروخًا منها خلال الحرب. يبلغ الإنتاج السنوي لهذه الصواريخ حوالي 650 صاروخًا، يُسلّم نصفها إلى الولايات المتحدة، والنصف الآخر إلى عملاء أجانب، وتبلغ تكلفة الصاروخ الواحد من هذا النوع ما بين 3 إلى 4.5 مليون دولار، وقد تعهّدت شركة لوكهيد مارتن بزيادة الإنتاج السنوي لهذه الصواريخ إلى 2000 صاروخ. وقد أدّى نقص الصواريخ وقاذفاتها والرادارات وأجزاء أخرى من منظومتي باتريوت وثاد إلى لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام مخزوناتها في أنحاء العالم، بما في ذلك سحب منظومات ذات مواقع استراتيجية في كوريا الجنوبية.
بالنسبة لمخزونات صواريخ الدفاع الباليستية التابعة للبحرية الأميركية، فقد تم استنزافها بشكل كبير، وتشير المعلومات إلى أن المخزون منها قبل الحرب بلغ 400 صاروخ من طراز SM-3 و1250 صاروخًا من طراز SM-6 ، استُخدم منها حوالي 250 صاروخًا من طراز SM-3 وما بين 190 إلى370 صاروخًا من طراز SM-6 وقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن استعادة هذه المخزونات الصاروخية إلى مستويات ما قبل الحرب ستستغرق حوالي عامين.
عانت إسرائيل أيضًا من إستنزاف لدفاعاتها الجوية وبشكلٍ كبير، هدد قدرتها على حماية أصولها العسكرية والإقتصادية ومنشآتها الخطرة، وعلى الرغم من أنها اعتمدت في هذه الحرب على الدعم وعلى العمق العملياتيالأميركي، إلا انها في المرحلة الأخيرة عانت من شح كبير في قدرات الدفاع الجوي لديها، لدرجة فرضت عليها إعادة تقييم للأولويات في حماية اصولها العسكرية والإقتصادية الهامة، ما خلق ثغرات عديدة في حماية العديد من المناطق المدنية والمنشآت الحساسة. اعتمدت إسرائيل في منظومتها الدفاعية على منظومات الدفاع الجوي “Arrow” و” David’s Sling” وفي مراحل محددة “Patriot” وأيضًا على دعم منظومات “THAAD” الأميركية التي تم استحضارها إلى إسرائيل لتعزز دفاعها الجوي متعدد الطبقات، وإسرائيل لا تملك مخزونًا استراتيجيًا كافيًا لحرب استنزاف طويلة، وتعتمد على التدفق الأميركي المستمر للذخائر.
كشفت الحرب أيضًا عن ثغرات في الدفاع الجوي عند دول الخليج أمام الهجمات الكثيفة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إذ لم يكن التحدي الرئيسي في كفاءة الأنظمة الدفاعية بقدر ما كان في قدرة المخزونات على تحمّل الاستنزاف المستمر. ووفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، استُهلك خلال العمليات ما لا يقل عن 1,060 صاروخ اعتراض من منظومة باتريوت و190 صاروخًا من منظومة ثاد، أي ما يعادل نحو 43% و53% من المخزونات المتاحة قبل الحرب على التوالي. كما أشارت تقارير غربية إلى أن دول الخليج أطلقت أكثر من 1,100 صاروخ اعتراض للدفاع عن قواعدها ومنشآتها الحيوية، فيما قُدّر أن الإمارات والكويت استهلكتا ما يقارب 75% من مخزوناتهما من صواريخ باتريوت خلال الفترة الأولى من الحرب.
لا شك أن هذه الحرب العالية الكثافة أبرزت معضلة أمنية وإقتصادية كبيرة تمثَّلت بإدامة القدرات العسكرية في مواجهات قد تحمل مفاجآت غير متوقعة، وذلك يفرض إعادة النظر بطبيعة التخطيط للحملات وللحروب الشاملة، وإعادة تعريف للعلاقة بين الأهداف العسكرية والتأثير الميداني من جهة، والأهداف السياسية والحالة النهائية المرجوة من جهة أخرى. كما أن خطط الطواريء لا يجب أن تقتصر على التعديلات والإجراءات الميدانية، بل أن تأخذ في الحسبان أطالة أمد الحرب، وإستراتيجيات الإستنزاف التي قد تعتمد من قبل الخصم. لقد كانت هذه الحرب درسًا تمثَّل بتغيير جذري في مفهوم الدفاع الجوي في الحرب الحديثة، فالدفاع الجوي لم يعد مجرد معركة بين الصاروخ ووسائل الإعتراض فقط، بل أصبح مواجهة دخلت فيها إحتياطيات المخازن وقدرات التصنيع عند شركات الامن والدفاع بقوة، فعندما تتحول السماء إلى ساحة استنزاف يومي، تصبح القدرة على التعويض وإنتاج الذخائر الإعتراضية عاملًا حاسمًا لا يقل أهمية عن كفاءة الرادارات ودقة منظومات الإعتراض.