إلهامي المليجي (الميادين)
هناك جنازات لا تمضي خلف النعش، بل تمشي خلف المعنى. جنازات لا تودّع رجلاً فحسب، بل تكشف مقدار ما استقرّ من حضوره في أرواح الناس، وما تركه من أثر في الوعي، وما زرعه من إحساس بأنّ الأمة، في لحظة الفقد، لا تبكي فرداً مهما علا مقامه، بل تبكي شيئاً من صورتها عن نفسها.
في مثل هذه الجنازات، لا يكون الدمع ضعفاً، ولا تكون الجموع زحاماً، ولا يكون الهتاف انفعالاً عابراً. يصبح الحزن لغة سياسية، ويغدو الوداع استفتاءً شعبياً على بقاء الفكرة. وحين يختلط البكاء بالرايات، والذاكرة بالهتاف، والجسد المسجّى بمسار طويل بين المدن والرموز، ندرك أننا لسنا أمام نهاية قائد، بل أمام بداية سردية جديدة.
وأنا أتابع مراسم تشييع السيد علي خامنئي، بكلّ ما حملته من دلالات دينية وسياسية ورمزية، عادت إليّ فجأة صورة بعيدة من مطلع العمر؛ يوم رحل جمال عبد الناصر. لم أكن أملك يومها وعياً سياسياً مكتملاً، ولا قدرة على تفسير ما يجري بمنطق التحالفات والصراعات الكبرى، لكنني كنت أملك ذلك الإحساس الغامض بأنّ شيئاً عظيماً قد انكسر في العالم من حولنا؛ وأنّ رجلاً لم ألتقه صار جزءاً من بيوت الفقراء ووجدان القرى وأحلام البسطاء.
ذاكرة فتى أمام جنازة أمة
في ذلك اليوم، خرجت من قريتي مع بضعة فتية في مثل عمري تقريباً، وسرنا إلى مدينة دكرنس، في مسافة تتجاوز عشرة كيلومترات. لم نكن نعرف، على وجه الدقة، ماذا يمكن أن نفعل هناك، ولا لماذا كان علينا أن نغادر القرية. كان الحزن وحده هو الذي يقودنا. كان الفقد أكبر من وعينا، وأسبق من اللغة التي نملكها لتفسيره.
من دكرنس استقللنا سيارات عامة إلى المنصورة. وهناك رأيت مشهداً لم يغادر ذاكرتي أبداً: آلافاً من الناس، من كلّ الأعمار والطبقات، يبكون ناصر. رجالًا ونساءً، شباباً وكباراً، وجوهاً قروية وأخرى مدينية، عيوناً متعبة كأنها فقدت سنداً شخصياً لا زعيماً بعيداً. لم يكن البكاء رسمياً، ولا حزناً مفروضاً من سلطة، بل نحيباً شعبياً صادقاً، فيه دهشة اليتيم وخوف المستقبل ووجع الهزيمة التي لم تستطع أن تمحو مكانة الرجل.
كان كثيرون يستقلون السيارات إلى القاهرة للمشاركة في الجنازة الكبرى، لكننا، صغاراً ومأخوذين برهبة الزحام، اكتفينا بالمنصورة. ومع ذلك، بقي المشهد في الذاكرة كأننا كنّا في قلب القاهرة نفسها. فالمدن كلّها يومها بدت امتداداً لجنازة واحدة، والناس جميعاً كأنهم يمشون خلف النعش نفسه، حتى من لم يبلغوه بأقدامهم.
ذلك المشهد حضر بقوة وأنا أتابع تشييع خامنئي. لا لأنّ التجربتين متطابقتان، ولا لأنّ المرجعيتين واحدة، ولا لأنّ التاريخ يكرّر نفسه بهذه البساطة، بل لأنّ الجنازات الكبرى تكشف دائماً علاقة الشعوب بالزعماء الذين تجاوزوا حدود المنصب. هناك قادة يرحلون فتُغلق السلطة سجلاً إدارياً. وهناك قادة يرحلون فتفتح الشعوب سجل الذاكرة.
حين تستدعي طهران القاهرة
جنازة عبد الناصر لم تكن وداع رئيس فقط. كانت جنازة مشروع رأته الجماهير امتداداً لأحلام التحرّر الوطني، والوحدة العربية، والكرامة، ومقاومة الاستعمار والعدوان الصهيوني. خرجت الملايين يومها لا لتبكي رجلاً بلا أخطاء، بل لتبكي معنى أكبر: أنّ الأمة، رغم الانكسار، ما زالت تبحث عن قائد يقول لا، ويربط فلسطين بمصير العرب، ويمد يده إلى حركات التحرّر في أفريقيا وآسيا والعالم الثالث.
كان عبد الناصر قد صار، في الوجدان الشعبي، أكثر من رئيس دولة. صار صورة للكرامة بعد زمن الاحتلال، وصوتاً للجنوب في مواجهة الاستعمار، واسماً يتردّد في خيام اللاجئين وبيوت الفلاحين وأحلام العمال والطلاب. لذلك لم تكن جنازته نهاية سيرة سياسية، بل بكاءً على أفق كامل. وحين بكى الناس ناصر، كانوا يبكون أيضاً حلماً عربياً جريحاً، وكرامة لم يريدوا لها أن تُدفن معه.
وجنازة خامنئي، على اختلاف السياق والمرجعية واللغة السياسية، تنتمي إلى هذا النمط من الجنازات المؤسسة. فالشعوب لا تمنح هذا الوداع لمن عاش في هامش التاريخ، بل لمن ارتبط اسمه بمعركة كبرى. عبد الناصر جاء من قلب العروبة الصاعدة بعد الاستعمار، وخامنئي جاء من قلب الثورة الإسلامية في مواجهة الهيمنة الأميركية والصهيونية. الأول صاغ، في زمنه، معنى الاستقلال الوطني ودعم حركات التحرّر ومقاومة العدوان. والثاني مثّل، في زمنه، استمرار خط الاشتباك مع المشروع الأميركي ــــــــ الصهيوني، ودعم المقاومة في فلسطين ولبنان وساحات أخرى، ورفض تحويل المنطقة إلى مجال مفتوح للإخضاع.
المقاربة هنا ليست بين نظامين، ولا بين تجربتين داخليتين، ولا بين مرجعيتين فكريتين مختلفتين بطبيعة الحال. إنها مقاربة بين موقعين تاريخيين في الصراع. كلاهما لم يُقرأ في الوعي الشعبي من زاوية السلطة وحدها، بل من زاوية المواجهة. وكلاهما ارتبط اسمه بفكرة أنّ الأمة لا تُختزل في حدود الدولة، وأنّ فلسطين ليست ملفاً خارجياً، وأنّ العدوان ليس قدراً يُدار بالبيانات، بل تحدياً يستدعي إرادة وسياسة ومقاومة.
الجنازة التي صارت جبهة
لم يكن تشييع السيد علي خامنئي حدثاً جنائزياً في روزنامة الحداد الإيراني، بل مشهداً سياسياً وروحياً مكتمل البناء. أراد العدوان الأميركي ـــــــ الصهيوني أن يجعل من اغتياله لحظة انكسار في الوعي الإيراني، فإذا بالجنازة تتحوّل إلى استعراض قوة من نوع آخر: قوة الحشد، وقوة الرمز، وقوة الذاكرة، وقوة الدولة التي لم تتفكّك تحت الضربة، بل أعادت ترتيب حزنها في صورة مشهد منضبط، ممتد، عابر للمدن والحدود.
كان المطلوب أن يظهر الفراغ، فحضرت الجموع. كان المطلوب أن تسود الحيرة، فارتفعت الشعارات. كان المطلوب أن يُدفن القائد في صمت ثقيل، فإذا بالوداع يتحوّل إلى بيان مقاومة مفتوح. هنا لا تصبح الجنازة نهاية، بل تتحوّل إلى جبهة؛ لا بالمعنى العسكري المباشر، بل بالمعنى الأعمق: جبهة ذاكرة وهوية وإرادة.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح جسد القائد المسجّى أقلّ حضوراً من المعنى الذي يوقظه. فالشهيد، حين يسقط في معركة كبرى، لا يذهب إلى الغياب كاملاً؛ يترك جزءاً منه في الهتاف، وجزءاً في الراية، وجزءاً في الوجوه التي خرجت من بيوتها لا لتشهد مراسم الوداع فقط، بل لتعلن أنّ الاغتيال لم يحقّق غايته. لقد أراد القاتل أن يصنع فراغاً، فإذا بالجموع تملأ الفراغ بمعنى أشدّ اتساعاً.
كربلاء في قلب المشهد
الحضور الحسيني كان المفتاح الأبرز لقراءة التشييع. لم تكن "يا لثارات الحسين" شعاراً عابراً في جنازة قائد سياسي، بل إعلاناً عن موقع الحدث في الذاكرة الشيعية والمقاومة الإسلامية. فاستدعاء كربلاء هنا لا يعني استعادة الماضي، بل تحويل الماضي إلى لغة صراع حاضرة. كربلاء ليست حزناً فقط؛ إنها ميزان بين الحق والقوة، بين الدم والسيف، بين المظلومية التي ترفض الاستسلام والطغيان الذي يظن أنّ القتل يحسم المعركة.
من هنا تبدو الراية الحمراء جزءاً من بنية الرسالة لا من زينة المشهد. فالراية الحمراء في الوجدان الحسيني ليست راية حداد، بل راية دم لم يُثأر له بعد. وحين تُرفع فوق مشهد تشييع قائد اغتيل في عدوان، فهي تقول إنّ الاغتيال لم يغلق الصفحة، بل فتحها على طور جديد من الصراع. إنها لا تتحدّث بلغة الانفعال وحده، بل بلغة العهد: أنّ الدم الذي أُريق سيظل حاضراً في الحساب، وفي الوعي، وفي القرار.
ولم يكن حضور الشباب والنساء والأطفال والشيوخ تفصيلاً عاطفياً في الصورة، بل علامة استمرارية. فالثورات والحركات الكبرى تُختبر في قدرتها على نقل معناها بين الأجيال. والخصم الذي يتوهّم أنّ اغتيال القائد يقطع السلسلة ينسى أنّ بعض الدماء لا تقطع الطريق، بل تضع عليه علامات أوضح.
خريطة التشييع ورسائل المسار
لم تترك المراسم الرمز منفصلاً عن التنظيم. فقد جاءت خطوات التشييع وخط السير وتوزيع المحطات كأنها خريطة سياسية وروحية في آن واحد. طهران ليست مجرّد العاصمة، بل مركز الدولة والثورة والجمهور. قم ليست مدينة عابرة، بل الحوزة والمرجعية والعمق الفقهي للثورة الإسلامية. النجف وكربلاء ليستا محطتين بروتوكوليتين، بل الذاكرة المؤسسة لمعنى الشهادة والمظلومية والقيام. أما مشهد، حيث مرقد الإمام الرضا، فهي الخاتمة التي تُدخل الجثمان في أفق القداسة الشعبية والهوية الإيرانية العميقة.
بهذا المعنى، لم يكن المسار الجغرافي بريئاً من الدلالة. لقد أرادت إيران أن تقول إنّ خامنئي ليس رجل سلطة يُوارى في تراب دولة فقط، بل هو رمز في سلسلة طويلة تبدأ من الثورة ولا تنتهي عند حدود الجمهورية. فالطريق من طهران إلى مشهد، مروراً بقم والعتبات، يربط بين الدولة والعقيدة، بين السياسة والشهادة، بين القيادة والجمهور، وبين إيران كدولة وطنية وإيران كقلب في محور أوسع.
حتى الآيات التي صاحبت الوفود لم تكن خلفية صوتية للمشهد، بل جزءاً من هندسته الرمزية. النص القرآني في مثل هذا السياق يتحوّل إلى خطاب موجّه؛ يثني، ويعاتب، ويرسل إشارات، ويحدّد مواقع الأصدقاء والخصوم. لكلّ آية موضع، ولكلّ موضع معنى، ولكلّ معنى مخاطَب. ومن هنا بدا التشييع كله كما لو أنه نصّ واحد متعدّد اللغات: لغة القرآن، ولغة الرايات، ولغة الجموع، ولغة المسار، ولغة الصمت الثقيل حول النعش.
العزلة التي تحاصر القاتل
المشاركة الخارجية الواسعة لم تكن مجرّد مجاملة دبلوماسية. صحيح أنّ مستويات التمثيل تتفاوت، وأنّ لكلّ دولة حساباتها، لكنّ مجرّد الحضور في هذه اللحظة كان رسالة مقابلة لرسالة العزل التي سعى إليها خصوم إيران. أراد العدوان أن يقدّم إيران محاصرة، فإذا بالتشييع يقول إنّ طهران ما زالت تمتلك شبكة علاقات، وحضوراً إقليمياً ودولياً، وقدرة على تحويل لحظة الاستهداف إلى منصة سياسية.
في المقابل، بدا الكيان الصهيوني أكثر عزلة. فالذي ظنّ أنّ الاغتيال يربك إيران وجد نفسه أمام مشهد يعمّق صورته كقوة عدوانية منفلتة من كلّ معيار أخلاقي وسياسي. وإذا كان الكيان قد اعتاد تصدير الاغتيال بوصفه "إنجازاً أمنياً"، فإنّ ما جرى في طهران وما بعدها كشف الوجه الآخر لهذه السياسة: كلّ اغتيال كبير يصنع رمزاً أكبر، وكلّ دم يستهدف إسكات صوت قد يفتح أبواباً أوسع للغضب والالتفاف والتعبئة.
لا يعني ذلك أنّ إيران خرجت من لحظة الاغتيال بلا تحدّيات، أو أنّ الحزن يلغي أسئلة المرحلة المقبلة. لكنّ قراءة الجنازة تقول إنّ الرهان على انهيار المعنويات كان قاصراً. فالكيان الصهيوني، ومعه الولايات المتحدة، أخطآ حين تعاملا مع الاغتيال كأداة حسم نهائي، بينما أثبتت التجربة أنّ الاغتيال في بيئة مشبعة بثقافة الشهادة قد ينتج عكس مقصده: لا يقتل الفكرة، بل يحرّرها من جسد صاحبها ويتركها تتحرّك في الجموع.
لقد انتهى الجثمان إلى مرقده، لكنّ الرسالة لم تُدفن معه. ففي السياسة كما في الذاكرة، هناك موت يطوي صفحة، وهناك شهادة تفتح مرحلة. وما بدا في طهران وقم وكربلاء ومشهد أنّ إيران أرادت أن تضع اغتيال خامنئي في المعنى الثاني: لا خاتمة قائد، بل بداية سردية جديدة؛ لا جنازة انكسار، بل جنازة مقاومة؛ لا وداعاً صامتاً، بل إعلاناً بأنّ المعركة التي ظنّ العدو أنه أنهكها بالدم، دخلت طوراً أشدّ التصاقاً بالذاكرة وأقسى على النسيان.
وكما لم تستطع جنازة عبد الناصر أن تُعيد الرجل إلى الحياة، لكنها حفظت معناه في وجدان أمة جريحة، فإنّ تشييع خامنئي لا يلغي قسوة الفقد ولا تعقيدات المرحلة، لكنه يقول إنّ الاغتيال فشل في قتل المعنى. بين دموع القاهرة وراية طهران، ثمّة خيط واحد لا ينقطع: حين تبكي الشعوب قادتها المقاومين، فهي لا تبكي الماضي وحده، بل تعلن أنّ معركة الكرامة لم تنتهِ.