دراسات

كيف أعادت البيئة الرقمية تشكيل العلاقة بين النخب والجمهور؟: البودكاست نموذجاً

post-img

رانيا مكرم  (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)

في ظل ما شهده مجال الاتصال السياسي في العصر الرقمي من تطورات أدت في مجملها إلى تشكيل أنماط التفاعل بين النخب والجمهور، وفتحت مسارات جديدة لتداول الخطاب العام خارج الأطر الإعلامية التقليدية، برزت المنصات الحوارية الطويلة، وفي مقدمتها الـ "بودكاست"، بوصفها أحد أبرز تجليات إعادة تنظيم عملية الاتصال السياسي، بما وفر للنخب فضاءاً أكثر اتساعاً لبناء السرديات والتفاعل المباشر مع الجمهور.

وعلى الرغم من أن هذا التحول غالباً ما يُقرأ باعتباره تطوراً متوافقاً مع متغيرات العصر الرقمي، متمثل في استخدام وسيلة إعلامية جديدة سهلة الوصول وغير مكلفة، فإن النظر إليه من زاوية الاتصال السياسي يقود على الأرجح إلى استنتاج مختلف؛ مفاده أن البودكاست ليس سوى أحد تجليات إعادة تشكيل البيئة الاتصالية التي نشأت مع التحول الرقمي، وليس العكس، وذلك في محاولة لإعادة توزيع الأدوار بين المؤسسات الإعلامية، والمنصات الرقمية، من ناحية، والنخب السياسية، والجمهور من ناحية أخرى. ومن ثم، فإن ظاهرة كثافة الاستعانة بالبودكاست تعكس حجم التغير في بنية الاتصال السياسي، وفي الكيفية التي باتت تنتج بها الرسائل السياسية وطريقة تداولها داخل المجال العام.

ويطرح هذا التحول سؤالاً يتجاوز حدود التكنولوجيا والإعلام، مفاده: هل يعكس انتقال النخب إلى البودكاست مجرد تغير في أدوات الاتصال، أم أنه يكشف عن انتقال أعمق من نموذج الاتصال الذي تشكلت ملامحه خلال عصر الإعلام الجماهيري إلى نموذج جديد يقوم على علاقة مختلفة بين النخب والجمهور، ويعيد تعريف دور الوسيط في العملية الاتصالية؟

تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها المجال العام الرقمي، حيث بات النفوذ الإعلامي يقاس أولاً بالقدرة على جذب الانتباه للرسالة التي يراد إيصالها، وبناء الثقة مع المتلقي، ثم يأتي ثانياً حجم الجمهور الذي تصل إليه الرسالة، إذ أصبح نجاح الخطاب السياسي يرتبط بدرجة متزايدة بقدرته على إنتاج سردية متماسكة تستطيع الاستمرار، وحجز مساحة للتواجد في فضاء رقمي يتسم بالتدفق المستمر للمعلومات، وتعدد مصادرها، وسرعة إعادة إنتاجها وتداولها.

الاتصال السياسي في العصر الرقمي

طرحت أدبيات الاتصال السياسي لعقود طويلة افتراضاً ضمنياً مفاده أن العلاقة بين النخب والجمهور تمر عبر وسيط مؤسسي تمثل في الصحافة والإذاعة والتلفزيون. فيما كان لهذا الوسيط دور مباشر في نقل الرسائل، وانتقاء القضايا، وترتيب أولوياتها، وصياغة سياقاتها، وتحديد الإطار الذي يمكن أن تفهم من خلاله. ولذلك ارتبطت مفاهيم مثل حارس البوابة "Gatekeeping"، ووضع الأجندة "Agenda Setting" وبناء الأطر "Framing" بالمؤسسات الإعلامية التي احتكرت، إلى حد كبير، تنظيم المجال العام خلال عصر الإعلام الجماهيري[1].

مع التحول الرقمي، لم تختف الوساطة من عملية الاتصال السياسي، ولكن أعيد تشكيلها في صورة مختلفة. فبدلاً من أن الاحتكار التقليدي لتنظيم العلاقة بين النخب والجمهور من قبل المؤسسات الإعلامية، أصبحت المنصات الرقمية، والخوارزميات، تؤدي دوراً متزايداً في تحديد ما يصل إلى المستخدمين وكيفية تداوله. وبالتالي فإن ما يشهده الاتصال السياسي اليوم يعكس انتقال نمط الوساطة من الوساطة التحريرية إلى الوساطة الرقمية، وهي بيئة اتصالية تتراجع فيها الحدود الفاصلة بين المنتج والمتلقي، وتتداخل فيها أدوار المؤسسات والمنصات والأفراد في إنتاج الخطاب العام وإعادة توزيعه[2].

في إطار هذا التحول، يمكن فهم صعود البودكاست، والحوارات الرقمية المطولة، كمحاولة من النخب لإعادة تشكيل العلاقة مع الوسيط الجديد، وإيجاد مساحة أكبر من التحكم في السردية السياسية داخل بيئة إعلامية أصبحت أكثر انفتاحاً وتعقيداً. إذ أسهم هذا التحول في منح النخب حرية اختيار مضمون الرسالة، وترتيب أولوياتها، والتوقيت المناسب لنشرها، مع قدر أقل من التدخل التحريري الذي كان يميز وسائل الإعلام التقليدية، التي كانت تمتلك القدرة على تحديد أولويات النقاش العام، واختيار الضيوف، وصياغة الأسئلة، وتحديد المساحة الزمنية المخصصة لكل قضية كما سبقت الإشارة.

كما امتد هذا التحول ليشمل طبيعة الجمهور نفسه. إذ أن المتلقي في البيئة الرقمية لا يتعامل مع الرسائل السياسية بالطريقة التي كانت سائدة خلال عصر الإعلام الجماهيري، حيث كان الجمهور يتلقى الرسالة في توقيت واحد ومن مصدر واحد تقريباً. أما اليوم، فإن المستخدم ينتقل بين منصات متعددة، ويقارن بين روايات مختلفة، ويشارك في إعادة إنتاج المحتوى من خلال التعليق والمشاركة وإعادة النشر. وقد أدى ذلك إلى تراجع النموذج الاتصالي القائم على البث الأحادي، وظهور نموذج أكثر تفاعلية، تتداخل فيه أدوار المنتج والمتلقي معاً.

من هذه الزاوية، يمكن تفسير الاهتمام المتزايد الذي توليه النخب السياسية لبناء الحضور الشخصي داخل الفضاء الرقمي، من خلال هذه الحوارات المطولة عبر البودكاست، الذي أصبح هو ذاته منصة أكثر حرية واستقلالية لأهم الإعلاميين، وأشهرهم.  

تجليات التحول في الحالة المصرية

تكتسب ملامح المشهد الحالي أهمية خاصة عند النظر إلى الحالة المصرية، التي بدأت تشهد خلال السنوات الأخيرة توسعاً تدريجياً في حضور الشخصيات العامة داخل الحوارات الرقمية الطويلة. وقد برز ذلك من خلال استضافة عدد من الوزراء السابقين، والدبلوماسيين، والمفكرين، ورجال الاقتصاد، في برامج بودكاست أو حوارات رقمية يديرها كبار الإعلاميين على منصات مستقلة أو من خلال حساباتهم الخاصة، والتي تجاوزت في كثير من الأحيان الإطار التقليدي للمقابلات التلفزيونية.

ويعد ظهور وزير الخارجية المصري الأسبق الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى في أحد هذه الحوارات -على سبيل المثال لا الحصر- نموذجاً دالاً على التحول في بنية الاتصال السياسي في مصر، انطلاقاً من أن القيمة الاتصالية لهذه المقابلات لم تنبع من كونها تناولت موضوعات جديدة بالضرورة، ولكن اكتسبت قيمتها من خلال الكيفية التي قدمت بها الخبرة السياسية في إطار يسمح باستعادة السياقات التاريخية، وشرح منطق اتخاذ القرار، وربط الوقائع المتفرقة داخل سردية متماسكة. وقد ساعدت هذه الصيغة في جذب جمهور متلقي من فئات مختلفة، لم يعاصر كثيراً منهم الأحداث التي جرى تناولها خلال الحوار، وبذلك أعتبر الحوار بمثابة فرصة أتاحت إعادة تقديم خبرات سياسية ممتدة بلغة تتوافق مع أنماط الاستهلاك الإعلامي السائدة في البيئة الرقمية الحالية، لاسيما وأن نجاح هذا النوع من الحوارات مع الشخصيات العامة إنما يعكس تغيراً في طبيعة الطلب المجتمعي على المحتوى السياسي، ويؤشر إلى لحظة فارقة يمكن البناء عليها، لاستثمار ما يمكن وصفه بتعطش المتلقي لمحتوى جاد ذا ثقة في ظل فوضي معلوماتية، فرضتها تعدد المنصات.

إذ أظهرت التجربة أن قطاعات واسعة من الجمهور، خاصة الشباب، أصبحت أكثر اهتماماً بفهم الخلفيات والسياقات، والتعرف على التفسيرات والدوافع التي صاحبت اتخاذ بعض القرارات المصيرية في تاريخ البلاد، بعد سنوات هيمنت فيها الرسائل السريعة والمقاطع القصيرة على الفضاء الرقمي. ويكشف ذلك عن أن كثافة المعلومات المتاحة لم تؤد بالضرورة إلى زيادة الفهم والإدراك، ولكنها على العكس خلقت حاجة متزايدة وملحة إلى محتوى قادر على تنظيم هذه المعلومات في قالب رصين، داخل إطار تفسيري متماسك.

وبالتالي تشير هذه التطورات، على صعيد المتلقي والمنتج للمحتوي، إلى أن الاتصال السياسي في مصر يتجه على الأرجح تدريجياً نحو نموذج أكثر "تفسيرية"، يمكن أن يساعد في حد ذاته في معالجة إحدى أهم مشكلات معالجات الإعلام التقليدي التي غاب عنها التفسير لصالح التوثيق.

  فيما يمنح الحضور الشخصي، ورصيد الثقة، وتوفر السردية المتماسكة، وزناً متزايداً في صناعة التأثير العام، بشكل استفاد منه المتلقي حين وجد في متناوله مادة تفسيرية قادرة على الوصول له، وكذلك المنصة المُنشِئة للمحتوى حين حققت مشاهدات ومشاركات أعلى، وهي مؤشرات تبدو مرشحة للتوسع خلال السنوات المقبلة، لاسيما مع استمرار التحول في أنماط استهلاك المحتوى السياسي، وتزايد حضور المنصات الرقمية بوصفها أحد المكونات الرئيسية للمجال العام.

مستقبل التأثير السياسي في البيئة الرقمية

يشير مجمل ما سبق إلى أن مفهوم "التأثير السياسي" يشهد إعادة تعريف، بعد أن ارتبط التأثير، لفترة طويلة، بالقدرة على الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المتلقين عبر وسائل الإعلام الجماهيرية، بينما أصبح يقترن اليوم بدرجة أكبر بقدرة الفاعل السياسي على الاحتفاظ بانتباه جمهور نوعي، وإنتاج محتوى يمنحه قيمة معرفية، ويعزز الثقة في مضمونه، ويؤسس لعلاقة مستمرة مع المتلقي. ومن المرجح أن يزداد حضور هذا النموذج مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، التي يمكن أن تسهم في تخصيص المحتوى، وإعادة تشكيل أنماط استهلاكه، وتوسيع قدرة الشخصيات العامة على مخاطبة جماهير متنوعة عبر مسارات اتصالية متعددة.

وفي السياق المصري، تبدو هذه التحولات وثيقة الصلة بمستقبل القوة الناعمة المصرية، التي ارتبطت تاريخياً بقدرة الدولة المصرية ومؤسساتها الثقافية والإعلامية على إنتاج خطاب مؤثر في المجال العربي. والآن، تفتح البيئة الرقمية مساراً جديداً لتعظيم وتعزيز هذه القوة، يقوم على الحضور المباشر للشخصيات السياسية والفكرية والثقافية في الفضاء الرقمي، وعلى قدرتها على تقديم الخبرة المصرية بلغة تستوعب طبيعة المجال العام الجديد، وتخاطب جمهوراً يتجاوز الحدود الجغرافية، ويستهلك المعرفة عبر المنصات الرقمية أكثر مما يستهلكها عبر الوسائط التقليدية.

وهنا تبرز قيمة ما يمكن تسميته بـ "رأس المال الاتصالي للنخب"؛ الذي يعني باختصار مجموع ما تمتلكه الشخصيات العامة من خبرة، ومصداقية، وقدرة على تفسير الأحداث، وملكة تحويل التجربة السياسية إلى معرفة عامة قابلة للتداول. ففي بيئة إعلامية تتراجع فيها أهمية الوسيط التقليدي، يصبح هذا الرصيد أحد أهم الموارد التي يمكن أن تعزز الحضور الدولي للدولة، وتدعم قدرتها على التأثير في الرأي العام الإقليمي والدولي.

[1]  محمد لمين بوذن، فائزة بوزيد، وظيفة القائم بالاتصال في البيئة الإعلامية الجديدة "قراءة في مستجدات نظرية حارس البوابة"، ورقة بحثية مقدمة في مؤتمر: البيئة الإعلامية الجديدة: مظاهر التحول، بجامعة لمسيلة/ الجزائر، 11/ 04/ 2017:

https://www.researchgate.net/publication/322342625_wzyft_alqaym_balatsal_fy_albyyt_alalamyt_aljdydt_qrat_fy_mstjdat_nzryt_hars_albwabt.

[2] Dietram A. Scheufele , David Tewksbury Framing, Agenda Setting, and Priming: The Evolution of Three Media Effects Models, Journal of Communication, Volume 57, Issue 1, March 2007, Pages 9–20; https://academic.oup.com/joc/article-abstract/57/1/9/4102624?redirectedFrom=fulltext.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.