د. حمدي محمود (مدير المركز الديمقراطي العربي بالقاهرة)
لم يكن الصعود الصيني في العقود الأخيرة حدثًا اقتصاديًا عابرًا، ولا مجرد نتيجة طبيعية لاتساع السوق المحلية أو انخفاض تكاليف الإنتاج، بل كان ثمرة مشروع استراتيجي طويل الأمد قام على دراسة الولايات المتحدة بوصفها المنظومة الأكثر تأثيرًا في التاريخ الحديث، وليس مجرد دولة منافسة. فبينما انشغلت واشنطن بعد نهاية الحرب الباردة بإدارة نظام دولي أحادي القطبية، كانت بكين تراقب بهدوء كيفية تشكل القوة الأمريكية، وتفكك مكوناتها، وتبحث في نقاط تماسكها ونقاط هشاشتها في الوقت ذاته. لم تتعامل الصين مع الولايات المتحدة باعتبارها خصمًا ينبغي الاصطدام به مباشرة، وإنما باعتبارها نظامًا معقدًا يمكن فهمه من الداخل، ومن ثم الالتفاف على مزاياه وتجنب مواطن قوته واستهداف مكامن ضعفه. وهكذا انتقلت المنافسة من منطق المواجهة العسكرية التقليدية إلى منطق المعرفة الاستراتيجية، حيث أصبحت دراسة الخصم في حد ذاتها أحد أهم أسلحة الصراع الدولي.
وقد أدرك صناع القرار في بكين أن القوة الأمريكية لا تقوم على الجيش وحده، وإنما ترتكز على شبكة متداخلة تضم الاقتصاد، والتكنولوجيا، والجامعات، والدولار، والإعلام، والشركات العابرة للقارات، والتحالفات العسكرية، وهيمنة سلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا لم يكن الهدف الصيني تكرار النموذج الأمريكي، بل بناء نموذج بديل يحقق النتائج نفسها بوسائل مختلفة. فبدلًا من الإنفاق العسكري المفرط، استثمرت الصين في البنية التحتية والتعليم والبحث العلمي والتصنيع المتقدم، وبدلًا من التدخل العسكري في مناطق متعددة من العالم، ركزت على توسيع النفوذ الاقتصادي من خلال التجارة والاستثمار والموانئ والسكك الحديدية والطاقة والتمويل. لقد فهمت الصين أن الهيمنة لا تبدأ من حاملات الطائرات، بل من المصانع، ومن القدرة على التحكم في سلاسل الإنتاج والتوريد، وفي المواد الخام والتكنولوجيا والتمويل.
كما توصلت بكين إلى أن أحد أكبر مواطن الضعف في الولايات المتحدة يتمثل في اعتماد الاقتصاد الأمريكي المتزايد على الاقتصاد المالي أكثر من الاقتصاد الإنتاجي. فبينما اتجهت الشركات الأمريكية إلى نقل جزء كبير من صناعاتها إلى الخارج بحثًا عن انخفاض التكلفة وتعظيم الأرباح، كانت الصين تستقبل هذه الصناعات، لكنها لم تكتفِ بدور المصنع منخفض التكلفة، بل عملت تدريجيًا على نقل المعرفة التقنية، وتطوير المهارات المحلية، وبناء شركات وطنية قادرة على المنافسة عالميًا. ومع مرور الوقت، تحولت الصين من ورشة تصنيع للسلع البسيطة إلى مركز عالمي للصناعات الدقيقة والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والاتصالات، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة نفسها تعتمد على منتجات وسلاسل توريد صينية في قطاعات استراتيجية عديدة.
وفي الوقت نفسه، رصدت الصين أن النظام السياسي الأمريكي، رغم قوته المؤسسية، يعاني من استقطاب داخلي متزايد، ومن دورات انتخابية قصيرة تجعل التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى أكثر صعوبة. وعلى العكس من ذلك، بنت بكين نموذجًا يسمح بوضع خطط تمتد لعقود، مع قدر كبير من الاستمرارية في تنفيذ السياسات الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية. ولم يكن المقصود هنا المفاضلة بين النظامين، وإنما الإشارة إلى أن اختلاف آليات صنع القرار منح الصين قدرة أكبر على تنفيذ مشاريع استراتيجية طويلة الأجل دون تغيرات جذرية في الأولويات مع كل دورة سياسية.
ومن أبرز ما أدركته الصين أيضًا أن التفوق الأمريكي في التكنولوجيا يعتمد على استمرار احتكار المعرفة والابتكار. لذلك ضخت استثمارات هائلة في الجامعات، ومراكز الأبحاث، وبرامج الابتعاث، والتعليم الهندسي، والملكية الفكرية، وأطلقت برامج وطنية طموحة لتطوير أشباه الموصلات، والحوسبة الكمية، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والفضاء، والجيل الخامس والسادس للاتصالات. ولم يكن الهدف فقط تقليص الفجوة التقنية، بل الوصول إلى مرحلة يصبح فيها العالم معتمدًا على التكنولوجيا الصينية في قطاعات استراتيجية، وهو ما أثار مخاوف متزايدة لدى الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي المجال الجيوسياسي، تجنبت الصين إلى حد كبير الانخراط في حروب واسعة تستنزف الموارد، وهي تراقب ما خلفته التدخلات العسكرية الأمريكية الممتدة في مناطق مختلفة من العالم من أعباء مالية وسياسية واستراتيجية. وبدلًا من ذلك، اعتمدت على ما يمكن تسميته “التوسع الهادئ”، حيث بنت نفوذها عبر مبادرة الحزام والطريق، والاستثمارات الضخمة، والقروض التنموية، والمشروعات اللوجستية، وربط الاقتصادات الإقليمية بها تدريجيًا. وبهذا الأسلوب أصبحت الصين لاعبًا مؤثرًا في قارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأجزاء من أوروبا، دون أن تعتمد بالدرجة نفسها على الانتشار العسكري التقليدي.
ولعل أكثر ما يميز المقاربة الصينية أنها لم تسع إلى إسقاط الولايات المتحدة أو إزاحتها بصورة مباشرة، بل إلى تقليص قدرتها على احتكار عناصر القوة العالمية. فقد فهمت بكين أن الصراع في القرن الحادي والعشرين لم يعد يدور فقط حول امتلاك السلاح الأقوى، بل حول التحكم في البيانات، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والمعادن النادرة، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والبنية الرقمية، والمعايير الصناعية الدولية. ولهذا ركزت على السيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي الجديدة، إدراكًا منها أن من يتحكم في هذه المفاصل يمتلك قدرة هائلة على التأثير في النظام الدولي حتى دون إطلاق رصاصة واحدة.
ومع ذلك، فإن القول إن الصين “تفوقت” على الولايات المتحدة يحتاج إلى قدر من الدقة والتحفظ. ففي بعض المجالات، مثل التصنيع، والبنية التحتية، وسرعة التوسع الصناعي، وسلاسل الإمداد، حققت الصين بالفعل تقدمًا لافتًا، وفي بعض القطاعات أصبحت تنافس الولايات المتحدة أو تتقدم عليها. لكن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بتفوق كبير في مجالات عديدة، منها الابتكار الأساسي، وأقوى الجامعات البحثية، وأسواق رأس المال، والدولار باعتباره العملة الاحتياطية العالمية، والقدرات العسكرية العالمية، وشبكة التحالفات الدولية الواسعة. لذلك فإن المشهد الراهن لا يعكس انتصارًا حاسمًا لطرف على آخر، بقدر ما يعكس انتقال العالم إلى مرحلة تنافس استراتيجي طويل الأمد بين قوتين تمتلك كل منهما عناصر تفوق ونقاط ضعف مختلفة.
ومن ثم، فإن الإنجاز الحقيقي للصين لا يكمن في أنها اكتشفت “سرًا خفيًا” داخل الولايات المتحدة، بل في أنها مارست ما يمكن تسميته بـ”التحليل البنيوي للقوة”، فدرست النموذج الأمريكي بعمق، واستفادت من نجاحاته، وتجنبت كثيرًا من أخطائه، وبنت مسارًا تنمويًا خاصًا بها يستثمر في الزمن، والمعرفة، والإنتاج، والتكنولوجيا، والتخطيط بعيد المدى. وهكذا أصبحت المنافسة بين بكين وواشنطن ليست مجرد سباق على النفوذ، بل صراعًا بين نموذجين مختلفين لتنظيم القوة وإدارة الاقتصاد والتكنولوجيا والعلاقات الدولية، وهو صراع مرشح لأن يكون العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل النظام العالمي خلال العقود المقبلة.
المراجع:
1. Allison, G. (2017). Destined for war: Can America and China escape Thucydides’s trap? Houghton Mifflin Harcourt.
2. Blackwill, R. D., & Zelikow, P. D. (2021). The United States, China, and Taiwan: A strategy to prevent war. Council on Foreign Relations Press.
3. Doshi, R. (2021). The long game: China’s grand strategy to displace American order. Oxford University Press.
4. Economy, E. C. (2024). The world according to China (Rev. ed.). Polity Press.
5. Kissinger, H. (2011). On China. Penguin Press