مقالات

الأونروا تحت الضغط: كيف غيّرت الاتهامات الوكالة؟

post-img

أنوار قدح (متراس - Metras)

في الحادي عشر من حزيران/يونيو الماضي استيقظ سبعون موظفاً من موظفي وكالة “الأونروا” في قطاع غزّة على خبر فصلهم من العمل، وتجميد حساباتهم البنكيّة، على خلفية اتهامات ذات طابع سياسيّ. برّرت الأونروا أنّ الفصلَ إجراءٌ احترازيّ إلى حين انتهاء التحقيق في مزاعم  تتعلق بانتماء هؤلاء الموظفين ونشاطهم، وذلك في استجابة سريعة لاتهامات أميركية وُجِّهت لمئة موظف وموظف سابق وحالي في الأونروا بالانتماء لـ”كتائب القسّام” أو المشاركة في هجوم السابع من أكتوبر. 

وسبق ذلك، في 26 كانون الثاني/يناير 2024، أن فصلت “الأونروا” 12 موظفاً استناداً إلى ادعاءات شفهيّة أدلى بها مسؤولون إسرائيليون بشأن تورط أولئك الموظفين في هجوم السابع من أكتوبر، دون أي دلائل أو تحقيق، مكتفيةً بوصف ذلك التصرف على أنه يخدم “مصلحة الوكالة”. وفي آب/ أغسطس من العام نفسه، فصلت الوكالة تسعة موظفين آخرين استناداً إلى الادعاءات ذاتها. ورغم أنّ لجنة تحقيق برّاتهم لاحقاً، فإنّ أيّاً منهم لم يُعد إلى عمله.

تُثير هذه القرارات، وما تعكسه من استجابة مباشرة للاتهامات والضغوط السياسيّة، تساؤلات جوهريّة حول التحولات التي تشهدها وكالة “الأونروا”. فهل تسعى الوكالة إلى “حماية” نفسها من الضغوط السياسيّة والماليّة المتصاعدة، حتى وإن جاء ذلك على حساب معاييرها وإجراءاتها؟ وهل ستتحوّل الاستجابة للضغوط  الخارجية إلى سياسة مؤسسية دائمة؟ وما انعكاسات ذلك على الدور الذي من أجله أُسّست الوكالة، والمُتمثل في حماية اللاجئين وإغاثتهم، وعلى ارتباط ذلك بحقّ العودة؟

من الدفاع إلى الرضوخ..كيف تواجه الأونروا الاتهامات؟

تصاعدت الحملات التحريضيّة ضدّ الأونروا في العقد الأخير، في تناغمٍ واضحٍ بين المستوى السياسيّ الإسرائيليّ وعدد من مراكز الأبحاث الإسرائيلية. برز هذا التصعيد وأثره بشكل لافت خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب (2017-2021)، والتي ارتبطت بطرح تصورات لـ”شرق أوسط جديد” لا مكان فيه للقضية الفلسطينيّة، وعلى رأس ذلك قضية اللاجئين وحقّ العودة.

في هذا السياق، أصدرت عدة مراكز بحثيّة تقارير اتهمت “الأونروا” وموظفيها بجُملة من المزاعم، أبرزها الادعاء بوجود صلات لبعض موظفيها بمنظماتٍ مُسلّحة، واستخدام بعض منشآت الوكالة لأغراضٍ عسكريّة، فضلاً عن الادعاء بعدم التزامها بمعايير الأمم المتحدة المتعلقة بالتسامح وقبول الآخر، ولا سيما فيما يتعلق بالمناهج الدراسيّة المعتمدة في مدارسها داخل فلسطين المحتلة.

من أبرز تلك المراكز مركز Impact-SE، وهو مركز إسرائيلي مختصّ بمراقبة المناهج الدراسيّة. وكذلك منظمة UN Watch في جنيف والتي ترصد ما تُسمّيه “الإنحياز ضدّ إسرائيل” داخل مؤسسات الأمم المتحدة. إضافةً إلى المنظمة الإسرائيلية NGO Monitor التي تراقب عمل المنظمات غير الحكوميّة الدوليّة، وتقيّم مدى التزامها “بالشفافية والحياد” من وجهة نظر إسرائيلية، وغيرها الكثير.

وبعد طوفان الأقصى تصاعدت وتيرة هذه التقارير بصورة غير مسبوقة، وهو ما اعتبره المفوض العام للوكالة، فيليب لازاريني، محاولةً لصرف الأنظار عن الفظائع المرتكبة في الحرب، عبر نزع الإنسانية عن الضحايا وتهيئة المبررات لاستهداف الأونروا ومنشآتها وموظفيها.

ورغم أنّ الاتهامات التي تكيلها تلك المنظمات وغيرها للأونروا سبقتْ حرب طوفان الأقصى، إلا أنّ ما يعنينا هنا هو التحول الملحوظ في طريقة تعاطي إدارة الأونروا مع هذه التقارير بعد الحرب. فقد اتسمت استجابتها قبل الطوفان بطابعٍ دفاعيٍّ، ارتكز على  نفي الاتهامات والتشكيك في دوافع الجهات التي تقف وراءها، مع التأكيد على امتلاك الوكالة سياسات وإجراءات داخلية لضمان الحياد ومساءلة الموظفين، واعتبار تلك التقارير جزءاً من حملة سياسية تستهدف شرعية الوكالة ودورها في قضية اللاجئين الفلسطينيين. 

أما بعد الحرب، فقد شهد هذا النهج تحوّلاً لافتاً؛ إذ لم تعد الإدارة تكتفي بالردود الإعلاميّة أو الدبلوماسيّة، بل اتجهت إلى تبني إجراءات عملية أكثر سرعة واتساعاً، شملت تعليق عمل موظفين فور ورود الاتهامات، والتعاون مع التحقيقات الأممية المستقلة، وقبول المراجعة الخارجية التي قادتها كاثرين كولونا، فضلاً عن الإعلان عن تنفيذ إصلاحات تتعلق بالحياد، وتعزيز الرقابة الداخلية والتدريب.

أين الموظفون؟ هل ستختفي الوكالة؟

وضمن سياسة تقليص عدد الموظفين، وعلى إثر الحرب على غزّة أُحيل ما يقارب 600 موظف في الأونروا إلى “إجازة استثنائية”، بعد أن دفعتهم ظروف الحرب إلى اللجوء إلى مصر، وكان قسم منهم جرحى أو مرافقين لجرحى، وقد تلقوا قرارات فصلهم النهائية قبل انتهاء الإجازة السنوية في كانون الثاني/ يناير 2026. في هذا السياق، يذكر الموظف في الأونروا (أ.ع.) من غزّة أنّه كان يستعد لمرافقة ابنته الجريحة إلى مصر لتلقي العلاج، لكنه تراجع عن ذلك وأرسل ابنته الأخرى بدلاً منه، بعدما تابع ما حصل مع زملاءٍ له  فقدوا وظائفهم عقب خروجهم من غزّة للعلاج أو كمرافقين. ووفق روايته فإنّ عدد هؤلاء تجاوز الخمسمائة موظف.

وقبل الحرب، وبعد تقليص الإدارة الأميركية تمويل الأونروا عام 2018، أعلنت الوكالة الاستغناء عن 267 موظفاً في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، كما حوّلت أكثر من 500 موظف إلى عقود جزئية، فيما تحدثت تقارير آنذاك عن عدم تجديد عقود قرابة ألف موظف في القطاع ضمن برامج مختلفة، الأمر الذي فجّر احتجاجات واسعة داخل الوكالة.

ويرى جمال عبد الله، الرئيس السابق للمؤتمر العام لاتحادات العاملين في الأونروا حتى عام 2023، أنّ موجات الفصل وتقليص الوظائف التي شهدتها الوكالة خلال السنوات الأخيرة لا تمكن قراءتها على أنها استجابات مؤقتة لأزمات مالية أو سياسية طارئة، بل تندرج ضمن سياسة أوسع بدأت ملامحها بالظهور منذ عام 2017، وهدفت إلى تقليص الكادر البشري للوكالة وإعادة تشكيل بنيتها الوظيفية.

ويشير عبد الله إلى أن من أبرز المؤشرات على هذا التوجه توقف الوكالة عن تعويض الموظفين الذين يغادرون الخدمة بسبب التقاعد أو الاستقالة بتعيينات دائمة جديدة، والاعتماد بدلاً من ذلك على العقود المؤقتة والوظائف قصيرة الأجل. وبحسبه، أدى هذا النهج إلى تراجع أعداد الموظفين المثبتين واتساع دائرة العاملين بعقود مؤقتة وخصم 20% من الراتب الأساسي، وإلغاء تثبيت سعر صرف الدينار والدولار.

ويضيف أن آلاف العاملين بنظام الأجر اليومي (Daily Paid) أمضوا سنوات طويلة في العمل دون الحصول على استقرار وظيفي مماثل لما يتمتع به الموظفون المثبتون، الأمر الذي جعل شريحة واسعة من العاملين أكثر عرضة للتأثر بإجراءات التقليص وإعادة الهيكلة.

كما يشير إلى أن العاملين في القدس تأثروا بدورهم بالإجراءات التي رافقت إغلاق مقرات الأونروا في المدينة، بما في ذلك فقدان بعض الامتيازات الوظيفية المرتبطة بمكان العمل، ومنها علاوة القدس وهي علاوة تمنح لموظفي القطاع العام و الأوقاف الأردنية تبلغ ألف شيكل كبدلٍ مالي لمواجهة تكاليف المعيشة الباهظة في القدس

ويعتبر عبد الله “أن تراكم هذه السياسات على مدى سنوات خلق بيئة طاردة للموظفين”، تتراجع فيها فرص الاستقرار والترقي الوظيفي، وتزداد فيها حالة عدم اليقين بشأن مستقبل العاملين داخل الوكالة. ووفقاً لبيانات اتحاد الموظفين العرب في الأونروا، فإنّ عدد العاملين داخل قطاع غزّة تراجع من 13 ألفاً عام 2019 إلى حوالي 9600 موظف هذا العام، وفي الضفة الغربيّة من 7100 موظف إلى حوالي 3500 موظف فقط. 

حتى النقابة استهدفت!

وفي سياق متصل، شهد الدور النقابي للعاملين في الأونروا تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة،  بفعل جملة من الإجراءات والتغييرات التي حدّت من قدرة الاتحادات والمؤتمر العام على تمثيل العاملين والدفاع عن حقوقهم. وقد تجلى ذلك بصورة خاصّة بعد إضراب عام 2023 الذي انتهى بفصل رئيس المؤتمر وأربعة أعضاء آخرين، قبل أن تأتي توصيات تقرير كولونا  لتكريس هذا المسار عبر إعادة تشكيل آليات التمثيل النقابي داخل الوكالة وتقليص مساحة تأثيرها في القرارات الإدارية.

أوصى التقرير المذكور بمراجعة النظام الأساسي لاتحاد الموظفين وفرض تدقيق على ممثلي النقابات من ناحية الحياد مما يعني أن الشخص الذي يريد الترشح يجب أن تُفحص خلفياته ونشاطاته حسب مفهوم “الحياد” الذي تفرضه الدول المانحة. كما أوصى الى فصل القضايا ذات الأهمية القصوى بالنسبة للموظفين مثل الرواتب والمزايا الوظيفية إلى آليات إدارية أخرى بدلاً من بقائها بالكامل ضمن إطار العمل النقابي على حد وصف التقرير، وتقليص عدد أعضاء المؤتمر الى سبعة أعضاء فقط، أربعة منهم “كوتة نسائية”. أسهمت هذه القرارات في إفراغ اتحاد الموظفين من مضمونه ودوره التاريخي مما حدّ من قدرته على مواجهة القرارات الإدارية التعسفية بحق العاملين.

ماذا بعد؟ الباب مفتوح على مزيد من الضغوط..

لم تكن الأونروا منذ تأسيسها في 1949 مجرد وكالة إغاثة تقدّم الخدمات للاجئين الفلسطينيين فحسب، بل تحولت أيضاً إلى أحد الشواهد الدولية المستمرة على قضية اللاجئين وحقهم في العودة. ولذلك يرى عدد من الباحثين والنقابيين والعاملين السابقين في الوكالة أن الأونروا ظلت هدفاً دائماً للسياسات الإسرائيلية الرامية الى إنهاء وجودها.

ويشير هؤلاء إلى أن الاحتلال لم ينجح في إلغاء الوكالة عبر المسار الدولي، إذ إن استمرار عملها وتجديد ولايتها يخضعان لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي واصلت منحها التفويض بأغلبية واسعة من الدول الأعضاء. لذلك، وبدلاً من السعي إلى إنهائها “قانونياً”، اتجه الاحتلال على تقويض قدرتها على العمل ميدانيّاً وماليّاً.

يقول جمال عبد الله إن الضغوط المتواصلة على الدول المانحة، وربط التمويل بشروط سياسية وأمنية، أدت إلى إدخال الأونروا في حالة دائمة من الدفاع عن شرعيتها عبر استرضاء الدول المانحة، فأصبحت مع مرور الوقت أكثر حساسية تجاه الاتهامات الموجهة إليها، وأكثر ميلاً إلى اتخاذ إجراءات سريعة وحازمة بحقّ موظفيها حفاظاً على استمرار التمويل.

أخيراً، تكشف الوقائع التي استعرضها المقال أنّ قرارات فصل الموظفين لا يمكن قراءتها بمعزل عن مجمل السياسات التي انتهجتها “الأونروا” خلال السنوات الأخيرة، والتي شملت تقليص التوظيف، وإعادة هيكلة الامتيازات الوظيفية، وتراجع بعض المزايا المرتبطة بمكان العمل، الى جانب تقليص البرامج والخدمات، وتقليص التواجد الجغرافي للوكالة، ومحاولة تحجيم دور اتحاد العاملين. ومن هذا المنظور، لا يبدو فصل الموظفين إجراءً استثنائياً أو منفصلاً، بل جزءاً من مسار أوسع تتبعه الوكالة في إدارة الضغوط السياسية والمالية المتزايدة التي تواجهها.

وإذا كانت “الأونروا” تنظر إلى قرارات الفصل بوصفها وسيلة لحماية الوكالة وضمان استمرارها على المدى القريب، فإنّ الوقائع تشير إلى أنً هذا النهج لم يؤدِّ إلى احتواء الضغوط، بل أسهم في توسيع نطاقها. وفي قصة السبعين موظفاً خير دليل، فقد اعتبر التقرير الذي صدر عن UN Watch تعليقاً على فصلهم، أنّ فصل عدد محدود من الموظفين لا ُيعالج ما وصفه بـ”المشكلة البنيوية” داخل الوكالة، ودعا إلى اتخاذ إجراءات بحقّ نحو 1500 موظف آخر في قطاع غزّة، زاعماَ ارتباط معظمهم بحركة “حماس”. يشير ذلك إلى أن الاستجابة لمطالب الفصل لم تُنهِ دائرة الاتهامات بل فتحت الباب أمام مطالب جديدة أكثر اتساعاً، الأمر الذي يثير تساؤلات حول جدوى هذا النهج، وانعكاساته على مستقبل الوكالة ودورها.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.