مقالات

الدوافع الأميركية والأوروبية في العودة لـ"عسكرة" القطاعات الصناعية المدنية

post-img

محمد عبده (الميادين)

منذ أوائل العام الجاري، لوحظ تسارع كبير في الاتفاقات والاجتماعات المرتبطة بالتصنيع العسكري بين الحكومة الأميركية والحكومات الأوروبية المختلفة، من جهة، وشركات صناعة السيارات الكبرى، من جهة أخرى. وهو أمر، وإن لم يكن جديداً من حيث المبدأ، فإن حجم هذا التسارع والتزامن اللافت في إبرام هذه الاتفاقات يمكن اعتبارهما، في حد ذاتهما، مؤشراً على توجه عام وشامل لدى هذه الحكومات للعودة إلى استراتيجية سابقة طُبّقت خلال الحرب العالمية الثانية، تقوم على الاعتماد بصورة رئيسية على القطاعات الصناعية المدنية.

تجارب الحرب العالمية الثانية

تاريخياً، كانت لألمانيا، خلال الحرب العالمية الثانية، تجربة مهمة في هذا الصدد، إذ جرى، بحلول أوائل أربعينيات القرن الماضي، تحويل المصانع الألمانية الرئيسية المرتبطة بقطاع السيارات، بدرجات متفاوتة، نحو التصنيع الدفاعي، وعلى رأسها مصانع شركات "أودي" و"فولكس فاغن" و"بي إم دبليو" و"مرسيدس - بنز" و"فورد" و"مان"، التي تولت تصنيع وتجميع المركبات العسكرية ومحركات الشاحنات والطائرات ومكونات عسكرية أخرى.

وكان هذا التحول، عملياً، سهل التنفيذ نسبياً، بالنظر إلى أن جانباً من الفلسفة الرئيسية التي بُنيت عليها بعض هذه الشركات، أو أُعيد تنظيمها وفقها في تلك المرحلة، ارتبط بالتوجهات العسكرية والتوسعية للرايخ الثالث.

وكانت للولايات المتحدة الأميركية تجربة مهمة أيضاً في هذا الصدد، عبر مبادرة "ترسانة الديمقراطية"، التي أطلقها الرئيس الأميركي الراحل فرانكلين روزفلت، وقضت بوقف شبه كامل لإنتاج السيارات المدنية في شباط/فبراير 1942، وتحويل عمليات إنتاج السيارات، التي كانت تتمركز بصورة كبيرة في مدينة ديترويت، لخدمة المجهود الحربي الأميركي.

وشمل ذلك مصانع شركة "فورد"، ومن بينها مصنع "ويلو رَن"، الذي كان من أكبر منشآت تصنيع الطائرات في العالم آنذاك، إلى جانب مصانع شركات أخرى مثل "جنرال موتورز" و"كرايسلر".

وفي ذلك التوقيت، تولت شركات صناعة السيارات الأميركية تنفيذ عقود دفاعية ضخمة، حتى بالمعايير الحالية، ولا سيما شركة "جنرال موتورز"، التي نفذت عقوداً تجاوزت قيمتها 12 مليار دولار وفق أسعار تلك المرحلة، وشملت تصنيع طيف واسع من المنظومات والمعدات المستخدمة في الجيش الأميركي، ما جعلها، حينها، أحد أكبر المقاولين الدفاعيين في الولايات المتحدة طوال فترة الحرب.

شركات السيارات الأميركية والعودة الموسعة إلى الصناعات الدفاعية

بالعودة إلى الوقت الحاضر، نجد أن استراتيجية الأمن القومي الأميركية شددت بصورة صريحة على أهمية امتلاك اقتصاد قوي وديناميكي ومبتكر، وقاعدة صناعية قادرة على تلبية المتطلبات الإنتاجية في زمنَي السلم والحرب.

وأوضحت الاستراتيجية، في هذا الإطار، أن الوصول إلى هذا الهدف لا يتطلب فقط قدرات إنتاجية صناعية مرتبطة مباشرة بالقطاع الدفاعي، بل أيضاً قدرات إنتاجية في القطاعات غير المباشرة المساندة له، وفي مقدمتها القطاعات المدنية. وهو أمر تشير التوجهات الأميركية الحالية إلى ضرورة وضعه في صدارة أولويات السياسة الاقتصادية والصناعية الوطنية.

وحقيقة الأمر أن التشابك بين القطاعات الصناعية العسكرية والمدنية في الولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى كان قائماً، بصور مختلفة، خلال السنوات الماضية، إلا أن هذا التشابك تصاعد بصورة كبيرة منذ أوائل العام الجاري.

ففي نيسان/أبريل الماضي، عقدت الإدارة الأميركية سلسلة من الاجتماعات والمباحثات مع المديرين التنفيذيين لكبرى الشركات الأميركية العاملة في قطاع صناعة السيارات، وعلى رأسها شركتا "فورد" و"جنرال موتورز"، بهدف بحث إمكان إعادة توجيه جزء من الطاقات الإنتاجية لهذه الشركات لتلبية احتياجات القطاع الدفاعي، ولا سيما ما يرتبط بصناعة المحركات المختلفة، وهياكل الصواريخ، وقذائف المدفعية الثقيلة، والتقنيات المرتبطة بالدفاع الجوي.

وتُعد هذه السلسلة من الاجتماعات المكثفة مكملة لجولة مماثلة من اللقاءات التي عقدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في آذار/مارس الماضي، مع المديرين التنفيذيين لعدد من أكبر الشركات الأميركية العاملة في القطاع الدفاعي، بهدف بحث سبل إعادة ملء المخزونات الأميركية من الصواريخ الجوالة وصواريخ الدفاع الجوي، وتعويض ما استُنزف من هذه القدرات خلال الحرب الأميركية على إيران.

ويُعد توجه الإدارة الأميركية نحو مجموعة "جنرال موتورز" مبرراً من عدة جوانب، فهو توجه كان، عملياً، في طور التصاعد خلال السنوات الأخيرة.

فقد وقعت المجموعة، عبر شركة "جنرال موتورز للدفاع"، عقداً رئيسياً مع الجيش الأميركي عام 2020، بقيمة تبلغ نحو 214 مليون دولار، لتصنيع وتوريد مركبات خفيفة مخصصة لنقل جنود المشاة، ثم حصلت على عقد آخر لتطوير وإنتاج مركبات مدرعة مخصصة لحماية الدبلوماسيين الأميركيين.

لكن انخراط المجموعة في الصناعات الدفاعية الأميركية انتقل إلى مستوى مختلف خلال العام الجاري، بعدما وقعت "جنرال موتورز للدفاع"، في حزيران/يونيو الماضي، مذكرة تفاهم مع شركة "لوكهيد مارتن"، بهدف بحث سبل تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية.

ويركز التعاون بين الشركتين على تقوية سلاسل الإمداد الدفاعية، وتطوير قدرات التصنيع والتصميم، ودراسة فرص زيادة الطاقة الإنتاجية، من خلال الاستفادة من خبرة "جنرال موتورز" في التصنيع التجاري واسع النطاق، وخبرة "لوكهيد مارتن" في الإنتاج الدفاعي.

شركات السيارات الأوروبية تلحق بركب الصناعات الدفاعية

المثير للاهتمام في هذه التوجهات أن مسارات مماثلة بدأت تظهر تدريجياً في عدد من الدول الأوروبية. ففي فرنسا، على سبيل المثال، بدأت شركات عاملة في قطاع صناعة السيارات بحث إمكان دخولها في قطاع الصناعات الدفاعية، استجابة لدعوات حكومية لتعزيز القاعدة الصناعية العسكرية بعد بدء الحرب في أوكرانيا.

ومن بين هذه الشركات مجموعة "رينو"، التي اتجهت إلى دخول مجال صناعة الطائرات المسيّرة بالتعاون مع شركة "تاليس"، المتخصصة في الصناعات الدفاعية والتقنيات الإلكترونية، ضمن شراكة تهدف إلى تطوير قطاع فرنسي مستقل للمسيّرات.

كما أعلنت "رينو" و"تاليس"، في حزيران/يونيو الماضي، نموذجاً أولياً لمركبة عسكرية حملت اسم "4 TROOP"، وهي مركبة تكتيكية متعددة المهمات، تستند إلى خبرة "رينو" الصناعية، فيما تتولى "تاليس" تزويدها بأنظمة الاتصالات الآمنة والتقنيات الرقمية وأجهزة الاستشعار. وتُعد هذه الشراكة نموذجاً للتعاون بين شركات صناعة السيارات والشركات العاملة في القطاع الدفاعي، إذ تُقسّم المهمات المرتبطة بالمشاريع العسكرية بين الشركات المنضوية في مثل هذه الشراكات، بما يسمح بالاستفادة من الخبرات الصناعية واللوجستية لشركات تصنيع السيارات، إلى جانب الخبرات التقنية والتصميمية للشركات الدفاعية.

وفي ألمانيا، التي تتمتع شركات صناعة السيارات فيها، كما سبق ذكره، بخبرة طويلة في مجال الصناعات الدفاعية، تبرز شركة "مرسيدس - بنز" مثالاً مهماً على التوجهات الدفاعية الجديدة للشركات العاملة في هذا القطاع. فعلى الرغم من أن الشركة تعمل بالفعل على إنتاج مركبات مرتبطة بالقطاع العسكري، سواء عبر الشاحنات العسكرية التي تنتجها شركة "دايملر تراك"، أو عبر النسخ العسكرية من بعض سياراتها المدنية، مثل مركبة "وولف" المستندة إلى طراز "جي كلاس"، فإن انخراط مجموعة "مرسيدس - بنز" المباشر في هذا المجال تقلص منذ عام 2021، بعد فصل قسم إنتاج الشاحنات وتحويله إلى شركة مستقلة تحت اسم "دايملر تراك"، مع احتفاظ المجموعة بحصة كبيرة فيها.

وخلال الفترة الأخيرة، تحدثت تقارير عن توجه "مرسيدس - بنز" إلى توسيع تعاونها مع شركات متخصصة في التقنيات الدفاعية، عبر توفير مركبات يمكن دمج أنظمة دفاعية مضادة للمسيّرات عليها، ولا سيما المسيّرات العاملة بمنظور الشخص الأول "FPV". كما تحدثت تقارير عن مباحثات تتعلق بإمكان توظيف قدرات مصانع تابعة لمجموعة "فولكس فاغن" في إنتاج منصات ومركبات مخصصة لحمل منظومات دفاع جوي، في إطار التوسع الأوروبي في الاستفادة من البنى الصناعية المدنية لتلبية الطلبات الدفاعية.

الشركات البريطانية والعقود العسكرية

وتعمل الشركات البريطانية، من جانبها، على الدخول بصورة أكبر في مجال الصناعات الدفاعية. ففي أيار/مايو الماضي، بدأت شركات بريطانية لصناعة السيارات، من بينها شركة "جاكوار لاند روفر"، الاستعداد لدخول مناقصات مرتقبة لوزارة الدفاع البريطانية، لتوريد مركبات دفع رباعي ومركبات عسكرية خفيفة تحل محل أجزاء من الأسطول البريطاني القديم.

وتكمن أهمية عودة شركة مثل "جاكوار لاند روفر" إلى هذا المجال في أن انخراطها المباشر في الصناعات الدفاعية تقلص منذ سنوات، بعد وقف إنتاج الطرازات العسكرية التقليدية من مركبات "لاند روفر" في بريطانيا، مع استمرار استخدام نماذج معدلة من سياراتها في عدد من التطبيقات العسكرية والأمنية.

دوافع العودة إلى التصنيع الدفاعي

كتقييم عام، يمكن القول إن توجه الشركات العاملة في صناعة السيارات نحو القطاعات المختلفة للصناعات الدفاعية، وهو توجه يشمل أيضاً شركات آسيوية عملاقة في مجال الصناعات الثقيلة والسيارات، مثل مجموعة "هيونداي" الكورية الجنوبية و"كاواساكي" اليابانية، يُعزى، من الناحية التكتيكية، إلى عدة عوامل.

ومن بين هذه العوامل التحول العالمي الأبطأ من المتوقع نحو السيارات الكهربائية، إذ وجدت قطاعات صناعة السيارات على المستوى العالمي، ولا سيما القطاع الأوروبي، نفسها أمام أزمات هيكلية في هذا المجال، في ظل تصاعد المنافسة الصينية في سوق السيارات الكهربائية.

وبالتالي، كان التوجه نحو الصناعات الدفاعية بمنزلة أحد الحلول للاستفادة من القدرات التصنيعية لشركات السيارات، ولا سيما أن هذا الوضع تزامن مع زيادة الإنفاق العسكري في عدد كبير من دول العالم بعد بدء العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022، إلى جانب الطبيعة المتغيرة للعمليات الحربية والتقنيات القتالية المستخدمة، في ظل تصاعد أنماط جديدة من التسليح.

ويضاف إلى ذلك أن دولاً مثل الولايات المتحدة الأميركية باتت تضع مبدأ "الانتقال الصناعي" ركناً أساسياً في سياساتها الدفاعية، بحيث يجري استغلال قدرات شركات صناعة السيارات وإمكاناتها في إطلاق خطوط لإنتاج الذخائر والتقنيات المسيّرة، ما يسهم في خفض تكاليف الإنتاج وتسريع عمليات التصنيع والتوريد.

وبات هذا التوجه من الدلائل الواضحة على أن القدرات الصناعية الدفاعية تشكل حجر زاوية في تحديد نطاق أي حرب أو عملية عسكرية وحجمها ومداها، في ظل الأنماط المستحدثة من العمليات القتالية، التي تُستهلك فيها كميات كبيرة من الذخائر المتنوعة. ومن المؤكد أن هذا التوجه سيعيد، بصورة شبه كاملة، ترتيب أسواق الصناعات الدفاعية على المستوى الدولي، مع دخول مجموعات صناعية عملاقة لم تكن، خلال السنوات السابقة، منخرطة بصورة رئيسية أو مؤثرة فيها.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.