هداية محمد التتر (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)
في قطاع غزة، بينما يصارع الغزيون من أجل البقاء، يرى مرضى الأورام السرطانية أنفسهم في عداد الشهداء، ما لم يتم إجلاؤهم أو إدخال العلاج إليهم. ففي ظل انهيار المنظومة الصحية، وإغلاق المعابر الحدودية، تتفاقم الأوضاع الصحية لـ 12,000 مريض سرطان، وذلك بانتشار المرض في أجسادهم، وزيادة الخطورة على حياتهم.
نقاوم المرض والمحتل
في مدرسة غرس الحديثة، تقف مديرة المدرسة الكاتبة والروائية أمل أبو عاصي،[1] المصابة بسرطان الثدي، بقوة وثبات يخفي وراءه الكثير من الآلام والأوجاع، فتروي جانباً من التجربة التي يعيشها مرضى السرطان في قطاع غزة؛ إذ تقول والغصة تخنق صوتها: "نحن نقاوم المرض كما نقاوم المحتل بكل عنفوان، نعلن الحرب على المرض وعلى ما يفعله في الشكل والمظهر وعلى ما يضعفه في الجسد."
قبل تسعة أشهر من الآن، أصيبت أبو عاصي بسرطان الثدي وكانت في المرحلة الثانية، إلاّ إن المرض تطوّر لاحقاً وظهرت بؤر جديدة في الثدي والإبط، وأيضاً الأوضاع التي فرضتها الحرب أدت إلى تعقيد عملية التشخيص؛ إذ تعذر استكمال الفحوص اللازمة بعد نزوح المختبر الذي كانت تتابع فيه حالتها، وهو ما تسبب في تلف عينة الورم وأعاق تحديد طبيعة المرض بصورة دقيقة.
تُعبّر الكاتبة أمل بكلمات يقطر منها الوجع قائلة: "نصف أيامي أعيشها طريحة الفراش، عشرةٌ منها بُعَيد كل جرعة كيماوي، أتردد خلالها على المشفى بسبب المضاعفات، فأبقى فيها حبيسة الغرفة. كل لقمة تدخل فمي هي قنبلة موقوتة من الألم، ليالٍ طويلة أمضيها بين الأنين والرجاء، بينما أحاول استعادة شيء من قواي في الأيام العشرة الأخريات لأحاول القيام بأمانة الرسالة السامية التي أحملها."
تصف أمل الألم بأنه أصبح جزءاً ثابتاً من تفاصيل حياتها اليومية، في ظل نقص الأدوية المساندة والمسكنات المناسبة، وعدم توفر العلاج الإشعاعي لمرضى الأورام في القطاع، مشيرة إلى أن ما يُفقده العلاج الكيماوي من قوة أو صحة أو ملامح لا يلغي إرادة الاستمرار، وتؤكد أن المرضى يسعون ليُنظر إليهم بصفتهم بشراً لهم أحلام وعائلات ومستقبل، لا مجرد أرقام في قوائم الانتظار أو سجلات المرضى.
وفي سياق ذلك، تنتظر أبو عاصي فرصة للعلاج خارج قطاع غزة بعد حصولها على أوراق التحويل اللازمة؛ إذ تقول وقلبها ينفطر ألماً لما آل إليه حال المرضى: "معاناتي لا تختلف عن معاناة آلاف المرضى الآخرين الذين يواجهون المصير ذاته، فمريض السرطان في غزة يخوض معارك متوازية مع المرض الذي يواصل الانتشار، ومع نقص الأدوية والعلاجات، ومع صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية المتخصصة، فضلاً عن تعقيدات السفر لتلقي العلاج."
كما تختصر أبو عاصي واقع مرضى السرطان في غزة بقولها: "إن المرض لا ينتظر الحروب أو المفاوضات أو التهدئة، بل يواصل تقدمه في أجساد المرضى، بينما تتآكل فرص العلاج يوماً بعد يوم. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يدفع المرضى ثمن مرضهم مرتين، مرة بسبب الإصابة نفسها، ومرة بسبب حرمانهم من حقهم في العلاج والرعاية الصحية."
علاوة على ذلك، وفقاً لمدير مركز المعلومات الصحية زاهر الوحيدي،[2] يوجد نحو 12,000 مريض سرطان داخل قطاع غزة، ويواجه عدد كبير منهم خطر الوفاة نتيجة توقف العلاج وتعذر الوصول إلى الخدمات الطبية التخصصية، مشيراً إلى أن 4000 مريض لديهم تحويلات طبية للعلاج أو التشخيص خارج قطاع غزة، ولا سيما لتلقي العلاج الإشعاعي والعلاج الكيماوي وبعض العلاجات الهرمونية غير المتوفرة محلياً، إلاّ إن إغلاق المعابر وصعوبة السفر حالا دون حصول هؤلاء المرضى على الرعاية اللازمة، الأمر الذي انعكس في حالتهم الصحية وأدى إلى وفاة 1200 حالة سرطان خلال حرب الإبادة الجماعية في ارتفاع ملحوظ مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.
جسد منهك وعمليات متكررة
تستعيد آية محسن،[3] البالغة من العمر 24 عاماً، تفاصيل رحلتها مع سرطان الرحم، التي تداخلت مع الحرب والنزوح وفقدان المنزل، فتقول بحزن دفين: "كنت حاملاً عندما اكتشفت المرض، ونصحني الأطباء بإنهاء الحمل كونه يشكل خطراً على حياتي، إلاّ أنني رفضت المجازفة بحياة الجنين، وأصررت على إكمال الحمل حتى النهاية."
بعد ولادة طفلتها بعملية قيصرية، خضعت مباشرة لاستئصال الرحم، غير أن المرض لم يتوقف عند ذلك الحد؛ إذ امتد إلى مناطق أُخرى خارج الرحم، لتبدأ مرحلة جديدة وأكثر تعقيداً من العلاج والمعاناة، خضعت خلالها لعدة جرعات من العلاج الكيماوي، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة، إنما سببت لها مضاعفات خطِرة أدخلتها إلى العناية المركزة.
تصف آية السنوات الثلاث الأخيرة بأنها سلسلة متواصلة من العمليات الجراحية والتدخلات الطبية، وتضيف بكلمات يقطر منها الوجع: "بعد استئصال الرحم، بدأت كتل سرطانية بالظهور مجدداً داخل البطن؛ الأمر الذي استدعى إجراء عمليات متكررة لفتح البطن واستئصالها، وكلما أزال الأطباء كتلة سرطانية، تعود أُخرى إلى النمو بعد فترة قصيرة لا يفصل بينها سوى شهر واحد."
وتتابع بنبرة متهدجة تختزل سنوات المعاناة: "بطني ما زال يعاني آثار العمليات المتكررة، وحالتي الصحية تتدهور باستمرار؛ إذ أحتاج إلى وحدتي دم كل أسبوعين تقريباً، كما أن فصيلة دمي نادرة، الأمر الذي يجعل تأمين الدم أمراً بالغ الصعوبة، كما أعاني جرّاء ارتفاع دائم في درجة الحرارة، وضعف شديد في القدرة على الحركة، وإرهاق يجعل أبسط النشاطات اليومية عبئاً ثقيلاً."
لم تنفصل رحلة المرض عن تداعيات الحرب التي أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية؛ إذ توضح آية بمرارة: "في كثير من الأحيان لا أتمكن من الحصول على أدويتي التي تصل تكلفتها الشهرية إلى 1500 شيكل، بينما أضطر في أوقات أُخرى إلى تأجيل المراجعات الطبية أو التخلي عنها بسبب عدم توفر ثمن المواصلات."
وعلى الرغم من الألم المتواصل، فإن آية متمسكة بأطفالها الثلاثة باعتبارهم الدافع الأساسي للاستمرار؛ إذ تقول بصوت يتهادى بين الصمود والانكسار: "كل ما أريده هو أن أتمكن من السفر قبل أن تتدهور حالتي أكثر، وأن أتعافى وأعود قادرة على رعاية أطفالي."
مرض يتقدم وعلاج غير مكتمل
يروي وليد جندية (24 عاماً) بدوره،[4] معاناته مع الورم السرطاني الذي كان على وشك التعافي منه "لولا حرب الإبادة الجماعية المستمرة حتى الآن"، ويقول بصوت يخبئ وراءه وجعاً لا يندمل: "كنت على موعد مع جلسة الإشعاع الذري في مستشفى المطلع بالقدس المحتلة في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلاّ إن إغلاق المعابر حال دون خروجي؛ وهو ما ضاعف من حالتي الصحية وأعاد الورم السرطاني مرة أُخرى."
ويوضح أنه أجرى عدة عمليات جراحية لاستئصاله، "عقبها تلقي جرعات من العلاج الكيماوي، لكنها لم تحقق النتيجة المطلوبة، فالعلاج المتوفر يحدّ من انتشار المرض موقتاً، لكنه لا يعالجه بصورة كاملة، إذ إن حالتي تتطلب علاجاً إشعاعياً متخصصاً غير متوفر في قطاع غزة."
ويؤكد أن أي تأخير في علاج مرضى السرطان يمكن أن يؤدي إلى تسارع انتشار المرض وتراجع فرص السيطرة عليه، ويقول: "كل ما أتلقاه الآن عبارة عن أدوية مساندة أو مسكنات تساعد على التخفيف من الأعراض، لكنها ليست العلاج الذي أحتاج إليه فعلاً."
ويشير إلى أن علاجه الحقيقي يتطلب الحصول على تحويلة طبية ومغادرة القطاع، مشيراً إلى أنه تلقى اتصالات تفيد بإمكان سفره خلال أسابيع، "غير أن تلك الوعود لم تتحقق حتى الآن، شأنه شأن كثير من المرضى الذين ينتظرون دورهم في السفر."
مرحلة صحية كارثية
تعليقاً على ما تقدم، قال مدير مركز غزة للسرطان، الدكتور محمد أبو ندى:[5] إن الوضع الصحي لمرضى السرطان في قطاع غزة بلغ "مرحلة كارثية وغير مسبوقة" في ظل استمرار الحرب وتدمير القطاع الصحي ومنع إدخال الأدوية والعلاجات الطبية.
وأوضح الطبيب أن النقص في الأدوية بلغ مستويات خطِرة، إذ إن ما بين 64% و66% من أدوية الأورام نفدت كلها أو بات مخزونها شبه معدوم، فضلاً عن أن 47% من الأدوية الأساسية المستخدمة في القطاع الصحي نفدت بالكامل. بالإضافة إلى ذلك، تعاني المستشفيات نقصاً حاداً في أدوية العلاج الكيماوي وأدوية أمراض الدم والمستهلكات الطبية والمواد اللازمة للفحوص المخبرية.
وقد أضاف الطبيب أن هذا النقص أدى إلى تعطيل البروتوكولات العلاجية المعتمدة لعلاج السرطان؛ "إذ إن غياب دواء واحد أو أكثر من مكونات الخطة العلاجية يجعلها غير قابلة للتطبيق طبياً، ونتيجة لذلك، تشهد غزة انقطاعاً شبه كامل في سلاسل علاج الأورام، في وقت تعتمد فيه معالجة السرطان عادة على مزيج من الجراحة والعلاج الكيماوي والعلاج الإشعاعي والعلاجات الموجهة والمناعية."
وقد بيّن مدير مركز غزة للسرطان أن العلاج الكيماوي الوريدي متوقف في معظم الفترات، بينما لا تتوفر خدمات العلاج الإشعاعي داخل قطاع غزة أساساً، "وهو ما كان يدفع نسبة 30%-40% من المرضى إلى السفر للخارج قبل الحرب، بينما تبقى اليوم أعداد المرضى القادرين على مغادرة القطاع لتلقي العلاج محدودة للغاية مقارنة بالحاجة الفعلية."
ولفت إلى أن الرعاية المقدَّمة حالياً إلى عدد كبير من المرضى لم تعد علاجاً للسرطان بالمعنى الطبي الكامل، إنما أصبحت تقتصر في كثير من الحالات على الرعاية التلطيفية وإدارة الألم، في أثناء انتظار إمكان السفر أو توفير العلاج، بينما يستمر المرض في التقدم لدى العديد من المرضى من دون تدخل علاجي فعّال.
وعن تداعيات انقطاع العلاج، أوضح أبو ندى أن ذلك يؤدي إلى تسارع انتشار الأورام وانتقالها إلى مراحل متقدمة خلال فترة زمنية قصيرة؛ وهو ما يقلص فرص الشفاء ويزيد معدلات الوفاة، كما يفاقم معاناة المرضى نتيجة الآلام الشديدة التي يصعب السيطرة عليها في ظل النقص المتكرر في المسكنات، فضلاً عن التداعيات النفسية والاجتماعية المتمثلة في القلق والاكتئاب وفقدان الأمل لدى المرضى وعائلاتهم.
وأضاف أن الأوضاع المعيشية والصحية الناجمة عن الحرب، بما في ذلك سوء التغذية وضعف المناعة وانتشار الالتهابات وصعوبة الحصول على الرعاية الطبية، تزيد من تدهور الحالة الصحية لمرضى السرطان وتضاعف المخاطر التي تهدد حياتهم.
وقد ختم أبو ندى بالقول إن واقع مرضى السرطان في قطاع غزة يمكن تلخيصه في ثلاثة مؤشرات رئيسية: انهيار شبه كامل في توفر أدوية الأورام، وتعطل البروتوكولات العلاجية الأساسية، وارتفاع حاد في معدلات الوفيات، إذ حوّلت هذه المؤشرات المرض في كثير من الحالات إلى حالة يصعب السيطرة عليها أو علاجها.
وبين مرض يتقدم بلا انتظار، ومنظومة صحية تتآكل تحت وطأة الحرب، يجد آلاف المرضى أنفسهم عالقين بين الحاجة الملحة إلى العلاج واستحالة الوصول إليه.
[1] الكاتبة الروائية أمل اليازجي، (14/6/2026، مقابلة أجرتها الصحافية والباحثة هداية محمد التتر).
[2] مدير مركز المعلومات الصحية زاهر الوحيدي، (10/6/2026، مقابلة أجرتها الصحافية والباحثة هداية محمد التتر).
[3] آية محسن المصابة بمرض السرطان، (9/6/2026، مقابلة أجرتها الصحافية والباحثة هداية محمد التتر).
[4] وليد جندية المصاب بمرض السرطان، (10/6/2026، مقابلة أجرتها الصحافية والباحثة هداية محمد التتر).
[5] مدير مركز غزة للسرطان الدكتور محمد أبو ندى، (13/6/2026، مقابلة أجرتها الصحافية والباحثة هداية محمد التتر).