ماهر الشريف (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)
"لقد تجاوز عنف المستوطنين نقطة اللاعودة"؛ هذا ما توصل إليه تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة في 13 آب/أغسطس الجاري، تعليقاً على أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين ومساكنهم في الضفة الغربية المحتلة، وخصوصاً على الأحداث التي شهدتها قرية "قصرة" الواقعة في محافظة نابلس.
فبحسب هذا التقرير، فإن هجمات المستوطنين على سكان هذه القرية تزايدت منذ إقامة نقطة استيطانية قريبة منها في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وشملت اقتحام المنازل وقطع المياه والكهرباء عنها، والاعتداءات الجسدية، وأعمال التخريب، والسرقات، وحرق المنازل، بما في ذلك أحد المساجد. ويعتبر التقرير "أن هذه الأعمال الإجرامية، التي يرتكبها المستوطنون بدعم أو موافقة من السلطات الإسرائيلية، تهدف بوضوح إلى جعل الحياة مستحيلة على هذه العائلات وإجبارها على مغادرة أراضيها"، ويقدّر أنه "منذ بداية هذا العام، قُتل 76 فلسطينياً، بينهم 18 طفلاً، على يد قوات الأمن الإسرائيلية أو المستوطنين، كما نزح نحو 3800 فلسطيني وفلسطينية، نصفهم تقريباً من الأطفال، بسبب أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون وعمليات الهدم والطرد"[1].
أسلوب إجرامي جديد: حصار منازل الفلسطينيين
في حين أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي يوم الخميس في 13 آب/أغسطس الجاري أنه طرد حوالي اثني عشر مستوطناً كانوا يحاصرون عائلتين فلسطينيتين في منزليهما في قرية "قصرة" جنوب نابلس، بعد أن نصبوا خيمة بالقرب منهما، وهاجموا السكان بإلقاء الحجارة عليهم، إلا أن العديد من هؤلاء المستوطنين عادوا بعد بضع ساعات، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز". وجاءت عملية الجيش هذه بعد تزايد الاهتمام الإعلامي بالحادثة، لا سيما عقب الكشف عن أن أحد مالكي المنزلين، لؤي أبو ريدة (46 عاماً)، يحمل الجنسية الأميركية، الأمر الذي دفع مايك هاكابي، سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، إلى إدانة المستوطنين عبر منصة "إكس"، معلناً أن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل التدخل، وكتب في موقف غير معتاد من قس إنجيلي سبق له أن أعلن مراراً وتكراراً عن دعمه للمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية المحتلة ورفضه قيام دولة فلسطينية: "إن أفعال أولئك الذين ارتكبوا هذا العمل الإرهابي الشنيع، الذي يهدف إلى ترهيب ومضايقة هذه العائلة، هي أفعال مثيرة للاشمئزاز".
"ما زلنا محاصَرين"، هذا ما قاله يوسف حسن، البالغ من العمر 30 عاماً، الذي لا يزال محبوساً في الداخل مع شقيقه وابنه. وقال إن عائلته بدأت تعاني من نقص في الطعام والماء. بينما قالت عائشة حسن (35 عاماً) لصحيفة "نيويورك تايمز": "نحن خائفون جداً"، مؤكدة أنها لا تزال محاصرة في منزلها برفقة والدتها المسنة، "لكننا لن نغادر، حتى لو كلفنا ذلك أرواحنا". ووفقاً لوكالة "فرانس برس"، سار عشرات من النشطاء الإسرائيليين يوم الجمعة نحو المنزلين المحاصرين، رافعين العلم الفلسطيني ولافتات تطالب بـ "العدالة للجميع"، وتم وضع مشروبات وطعام أمام أحد المنازل، حيث كانت القوات الإسرائيلية متمركزة. ويحذر كبار المسؤولين الإسرائيليين السابقين الذين أشرفوا في السابق على الضفة الغربية المحتلة من أن الجيش "يفقد السيطرة على المنطقة ويترك المستوطنين يتصرفون كما يشاؤون". ويقول غاي هازوت، عميد الاحتياط الذي أشرف في السابق على أجزاء من المنطقة بصفته قائداً في جيش الاحتلال، لصحيفة "نيويورك تايمز": "لقد فقد الجيش الإسرائيلي السيطرة في الضفة الغربية"[2].
في 14 آب/أغسطس الجاري، نشر لويس إمبرت، مراسل صحيفة "لوموند" الباريسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مقالاً بعنوان: "في الضفة الغربية، الجيش الإسرائيلي يتعرض للإذلال على يد حفنة من المستوطنين الذين يحاصرون منازل فلسطينية"، أشار فيه إلى أن قيادة الجيش الإسرائيلي بعد أن "فشلت في طرد بضعة مستوطنين من "شبان التلال"، وجهت غضبها نحو ضحاياهم الفلسطينيين"، وأضاف: "لعلها مسرحية كوميدية، أو فودفيل، لولا أن أرواحاً على المحك؛ فمنذ يوم الأربعاء في 12 آب/أغسطس، يدخل الجنود الإسرائيليون ويخرجون من منازل منعزلة على تلة في قصرة، بالضفة الغربية المحتلة، يُغلقون الأبواب بعنف، ويأمرون الملاك الفلسطينيين بمغادرة المكان، وهو ما يرفضونه. ويزعم الجيش أنه يطردهم من منازلهم لحمايتهم من المستوطنين الإسرائيليين الذين نصبوا خيمة عند سفح منازلهم، وقطعوا عنهم المياه والكهرباء والطريق، ويضايقونهم بهدف الاستيلاء على أراضيهم... ويضع الجيش نفسه في موقف مثير للسخرية بفشله في إخلاء هذه المجموعة الصغيرة من النشطاء اليهود، مما أثار جدلاً وطنياً في إسرائيل، حيث يُعد سيطرة المستوطنين على مؤسسات الدولة أمراً محرجاً". ويتابع المراسل نفسه، فيكتب: "لقد باءت العملية الأولى بالفشل يوم الثلاثاء، فقد قاوم "شبان التلال" (المستوطنون المتطرفون)، فأطلق الجنود قنابل صوتية ثم تراجعوا، تاركين بضعة حراس إلى جانب المستوطنين، الذين يمنعون وصول الصحافة، ونشرت قيادة الجيش كتيبة جديدة في المنطقة وأُرسل كبار الضباط من الضفة الغربية، ويقوم قائدهم، آفي بلوط، بإجراء مفاوضات، وقد ندد السفير الأميركي مايك هاكابي، الداعم المتحمس للاستيطان، بالعمل العسكري الذي قام به النشطاء، ورأى فيه عملاً من أعمال الإرهاب اليهودي"[3].
وزير الحرب يريد نقل صلاحيات حفظ أمن المستوطنين إلى الشرطة
أعلن وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، يوم الجمعة في 14 آب/أغسطس الجاري أنه ينوي نقل جميع صلاحيات حفظ الأمن المتعلقة بالمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى الشرطة. وعقب اجتماع مع كبار المسؤولين العسكريين، كلف كاتس جيش الاحتلال بإعداد خطة، بالتنسيق مع الشرطة الإسرائيلية والسلطات المختصة، "تهدف إلى نقل جميع صلاحيات تطبيق القانون المدني في يهودا والسامرة [الضفة الغربية] إلى الشرطة الإسرائيلية"، وفقاً لما أورده مكتبه في بيان. وأضاف البيان: "ستقوم الشرطة بإعداد وتشكيل قوة مناسبة مكلفة بمعالجة الشؤون المدنية، وستُمنح جميع الصلاحيات والميزانيات اللازمة". ويأتي هذا الإعلان في الوقت الذي تثير فيه أعمال المستوطنين الإجرامية في قرية "قصرة" ردود فعل دولية حادة[4].
وأشار وزير الحرب إلى أن مهمة الجيش "تتمثل في مكافحة الأنشطة الإرهابية وحماية حدود إسرائيل، وليس مطاردة شبان التلال"، وهي صيغة "تكشف عن رفضه الاعتراف بحجم أعمال العنف القاتلة التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية المحتلة"، وأضاف بأن مكافحة أعمال العنف التي يرتكبها الإسرائيليون في الضفة الغربية "لا تدخل في نطاق دور الجيش الإسرائيلي الذي ليس قادراً، على أي حال، على تولي مهمة إنفاذ القانون في الشؤون المدنية" في تلك المنطقة، لا سيما بسبب "الزيادة المتوقعة والمرحب بها في عدد سكان المستوطنات"، بعد موافقة الحكومة الحالية على إنشاء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية المحتلة.
ففي ظل النظام الحالي، لا يمكن لجيش الاحتلال احتجاز المواطنين الإسرائيليين المتورطين في أنشطة إجرامية في الضفة الغربية إلا لفترة وجيزة قبل تسليمهم إلى الشرطة الإسرائيلية. وغالباً ما تقوم الشرطة الإسرائيلية بعد ذلك بالإفراج عنهم دون توجيه تهم إليهم، ونادراً ما تتم مقاضاة الإسرائيليين على أعمال العنف التي يرتكبونها ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. ويؤكد المنتقدون "أن تطبيق القانون قد تراجع أكثر منذ تولي وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، الذي تربطه علاقات طويلة الأمد بالمتطرفين القوميين في الضفة الغربية، الوزارة المسؤولة عن الإشراف على الشرطة الإسرائيلية"[5].
خطوة جديدة على طريق الضم الفعلي
يرى العديد من المراقبين أن خطة وزير الحرب الإسرائيلي هذه تشكل خطوة إضافية نحو الضم الفعلي للضفة الغربية المحتلة، وهو هدف يعمل على تحقيقة، بصورة حثيثة، الائتلاف الحكومي الحالي، جنباً إلى جنب مع توسيع الاستيطان والسيطرة على الموارد الحيوية للضفة، ولا سيما المياه.
فبينما كان المستوطنون يحاصرون منازل سكان قرية "قصرة"، كان وزير الحرب يسرائيل كاتس، برفقة عدد من النواب والوزراء، يجتمعون في مستوطنة "غانيم" شرق جنين للاحتفال بإعادة تأسيسها، وذلك بعد مرور أكثر من 20 عاماً على تفكيكها. وقد صرّح الوزير قائلاً: "لقد عدنا إلى غانيم، وعدنا لنبقى". ومن بين المستوطنات الأربع في الضفة الغربية المحتلة التي تم تفكيكها سنة 2005 - إلى جانب جميع المستوطنات في قطاع غزة - أُعيد مؤخراً تأسيس ثلاث مستوطنات منها. ويبدو أن هذا الإعلان يحظى باهتمام إيجابي في إسرائيل يفوق ذلك الذي نالته الأحداث الإجرامية في قرية "قصرة"؛ فعلى سبيل المثال، عنونت قناة "إي 24 نيوز" خبرها بـ : "بعد 21 عاماً على إخلائها، غانيم تعود إلى الحياة". وفي الشارع الوحيد الذي شُقّ حديثاً في الموقع، "تفوح رائحة الأسفلت الطازج في الأجواء"، حسبما رصد مراسل لوكالة "فرانس برس" في المكان. وبدت الابتسامات على وجوه السكان الجدد وذويهم - الذين جاؤوا لمساعدتهم على الاستقرار- وهم ينظرون إلى منازلهم الجاهزة (مسبقة الصنع) الجديدة كلياً. وفي شاحنة قريبة، كانت عشرات وحدات التكييف - التي لا تزال داخل صناديقها - جاهزة للتركيب. وقالت ريوت باران (35 عاماً) وهي تقف أمام منزلها: "قبل شهر، لم يكن هنا شيء؛ جبل صخري، بالكاد توجد أشجار، ولا ظل تقريباً، لقد وصلنا للتو"[6].
وقبل أسابيع قليلة من احتفال المسؤولين الإسرائيليين بـ "عودة الحياة" إلى مستوطنة "غانيم"، كان مستوطنون يقومون بتحويل مسار مياه مخصصة لمزارعين فلسطينيين في قرية "فصايل" بمنطقة الأغوار، لتغذية مسبح يقع في موقع أثري، وذلك في واحدة من حالات عديدة للاستيلاء على الموارد المائية في الضفة الغربية المحتلة. وكان مصدر المياه هذا شريان حياة للقرية، إذ اعتمد عليه الفلسطينيون لأجيال لتأمين الغذاء وفرص العمل، ولتعويض النقص في إمدادات المياه غير المنتظمة التي توفرها إسرائيل لصنابير المياه في منازلهم. يقول سعد نمر، وهو أحد المزارعين الذين يفلحون الأرض: "لا تزال إمدادات المياه مقطوعة عنا حتى يومنا هذا، مما يحرمنا من المياه التي نعتمد عليها في منازلنا ومصادر رزقنا وأراضينا الزراعية"، ويضيف: "إنهم يعملون الآن على إنشاء منتزه ترفيهي حول المسبح"، وذلك في إطار استراتيجية تهدف إلى جعل الحياة في الضفة الغربية لا تطاق. فقد كان من المفترض أن تعج البيوت البلاستيكية وحقول سعد نمر بمحاصيل الباذنجان والكوسا والبطيخ، لكنه - في ظل غياب المياه - عجز عن زراعة أي شيء في تلك الأرض القاحلة التي أحرقتها الشمس، ويوضح قائلاً: "لقد تسبب المستوطنون، بقطعهم للمياه عنا، في تكبيدنا خسائر فادحة، وحكموا على العديد من العائلات بفقدان وظائفها ومصادر رزقها". وفي المقابل، زعم يشاي شرايبر - وهو مستوطن إسرائيلي يبلغ من العمر 21 عاماً جاء للسباحة في المسبح القريب من "فصايل" في أحد أيام شهر آب/ أغسطس - أن الفلسطينيين "لم يعودوا يجرؤون على الاقتراب من المكان، فالآن، وبعد أن رأوا هذه الحشود من الناس - وكل هذه المجموعات من اليهود القادمين للسباحة هنا - أصبحوا يخشون المجيء"، مضيفاً أن الضفة الغربية "ملك للشعب اليهودي، وأنه إذا لم يرغب الفلسطينيون في قبول السلطة اليهودية، فعليهم الرحيل"[7].
ويعتقد كثير من المحللين أن الخطوات التي تتخذها حكومة الاحتلال في الضفة الغربية تندرج ضمن مخطط يرمي إلى ضم هذه المنطقة إلى إسرائيل بحكم الأمر الواقع. ففي ندوة حول هذا الموضوع عقدها "راديو فرانس"، في 10 آب/ أغسطس الجاري، بمشاركة بنجامين فيوريني، أستاذ مشارك في القانون الخاص والعلوم الجنائية بجامعة باريس 8، وكلير دوهاميل، مراسلة قناة "فرانس 24" في القدس والضفة الغربية، وآلان ديكهوف، عالم اجتماع ومدير أبحاث في مركز الدراسات الدولية التابع لمعهد العلوم السياسية في باريس، أشير إلى أن أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون في الضفة الغربية المحتلة "ليست حوادث معزولة؛ إذ يكشف أحدث تقرير لمنظمة العفو الدولية (الصادر في حزيران/ يونيو 2026) عن سياسة واسعة النطاق تهدف إلى ضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، حيث يعيش نحو 500 ألف إسرائيلي في مستوطنات تُعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، إلى جانب ما يقرب من ثلاثة ملايين فلسطيني". وتشمل هذه السياسة "إنشاء طرق وبنى تحتية ونقاط استيطانية جديدة تزحف تدريجياً نحو هذه الأراضي".
ذكرت كلير دوهاميل، خلال تلك الندوة، أن الوضع الراهن يجب أن يُقرأ في ضوء الأحداث الأخيرة التي شهدتها قريتا "تل" و"صرة" بالقرب من نابلس؛ إذ أعادت هذه الحوادث "إشعال دوامة العنف التي نشهدها يومياً في الضفة الغربية ونغطيها بانتظام بصفتنا صحفيين". وقد أيّد رأيها هذا آلان ديكهوف، مشيراً إلى أن الضفة الغربية تشهد "تصاعداً في أعمال العنف بين المستوطنين والفلسطينيين"؛ وهو وضع يصفه بأنه "حرب منخفضة الحدة" تدور رحاها في ظل الصراع الدائر في غزة، فضلاً عن الاشتباكات في جنوب لبنان والتوترات مع إيران. ويلفت ديكهوف أيضاً إلى أنه "في حين يشارك الجيش في هذا العنف، فإن المستوطنين يشاركون فيه أيضاً بشكل مباشر ومتزايد"، مستفيدين من "تساهل معين من جانب الجيش، الذي يحظى بدوره غالباً بدعم شخصيات سياسية مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش". ومن وجهة نظره، يساهم كل ذلك في "توسيع المشروع الاستيطاني". وفي هذا السياق، يؤكد بنجامين فيوريني، أن "هذا العنف ليس من صنع مستوطنين متطرفين فحسب، بل هو نتاج منظومة متكاملة". وتضيف كلير دوهاميل أن مثل هذا العنف يدفع الحكومة إلى "بناء نقاط استيطانية وإضفاء الشرعية عليها"؛ وهي بؤر استيطانية "تُعد غير قانونية بموجب القانونين الدولي والإسرائيلي على حد سواء، ومع ذلك، فإن هذه الأشكال المختلفة من الاستيطان هي التي تشكل النظام الاستعماري الذي يحكم الضفة الغربية"، وهو نظام "ينظر إليه الجنود الإسرائيليون أنفسهم باعتباره جزءاً من استراتيجية لاحتلال الأرض".
وترى كلير دوهاميل أن الحياة اليومية للفلسطينيين "تتسم أيضاً بواقع السيطرة المكانية التي يفرضها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون من خلال الحواجز ونقاط التفتيش وشق طرق جديدة تطيل أوقات التنقل وتجعل الوصول إلى مناطق معينة أمراً متعذراً". وتصف الحواجز الصفراء بأنها "رمز لمرحلة ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ فهذه الحواجز - الموضوعة عند مداخل القرى وعلى امتداد معظم الطرق الرئيسية - غالباً ما تُفتح بشكل عشوائي ودون وجود جنود إسرائيليين لتشغيلها، وهي بذلك تعيق الوصول إلى القرى والموارد الطبيعية (مثل المياه) والأراضي الفلسطينية، مما يضطر الفلسطينيين لسلوك طرق التفافية قد تصل مسافتها إلى عشرات الكيلومترات". ويكشف أحد تقاريرها لقناة "فرانس 24"، مدى عرقلة هذه الحواجز المادية للوصول إلى الرعاية الصحية ومرور سيارات الإسعاف. ويرى "بنجامين فيوريني" أن هذه الأوضاع تمثل "انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني على حد سواء"؛ مشيراً إلى أن محكمة العدل الدولية أصدرت رأياً في 19 تموز/يوليو 2024 يفيد بأن "عملية الاستيطان هذه غير قانونية بموجب القانون الدولي"، كما يلفت الانتباه إلى انتهاك "مبدأ حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير".
ويتبنى بنجامين فيوريني وجهة النظر القائلة بأن عملية ضم بحكم الأمر الواقع تجري حالياً. ففي رأيه، تنتهج الحكومة الإسرائيلية سياسة تهدف إلى تقويض حل الدولتين. وكما أكد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لسنة 2024، فإن "على الدول - بما فيها فرنسا - التزاماً بعدم المساهمة في الإبقاء على وضع استعماري غير قانوني، التوقف عن التبادل التجاري مع المستوطنات الإسرائيلية"؛ إذ إن هذه المستوطنات غير قانونية، واستمرار التجارة معها "يعزز هذا الوضع غير القانوني ويكرّسه في نهاية المطاف". كما يتفق آلان ديكهوف مع مفهوم الضم بحكم الأمر الواقع؛ فبينما يشير إلى أن بعض الفلسطينيين قد يطالبون بضمٍ قانوني رسمي شريطة أن يمنحهم ذلك وضع المواطنة الكاملة - إلا أنه يلفت الانتباه إلى أن الوضع الراهن يصب في مصلحة الحكومة الإسرائيلية: "فمن ناحية، يستمر الاحتلال ويظل الفلسطينيون خارج النظام الإسرائيلي، ومن ناحية أخرى، يُدمج المستوطنون في النظام الإسرائيلي وكأنهم مواطنون عاديون". وتؤيد كلير دوهاميل وجهة النظر هذه، مضيفةً أنه قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان بعض الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة - بعد أن فقدوا الأمل في قيام دولة فلسطينية - ينظرون إلى الضم الرسمي باعتباره أمراً "مرغوباً لحياتهم اليومية"، شريطة أن يوفر لهم "مزيداً من الحقوق أو إمكانية السفر إلى الخارج". ووفقاً لها، أصبحت هذه الفكرة "نادرة بشكل متزايد، لا سيما منذ اندلاع الحرب في غزة؛ إذ لم يعد الفلسطينيون يؤمنون بإمكانية قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ولا بدمجهم رسمياً في إسرائيل، وبالتالي، فإن معظم الفلسطينيين في الضفة الغربية يعيشون ويصمدون اليوم في ظل هذا الفراغ السياسي"[8].
[1] https://news.un.org/fr/story/2026/08/1159303
[2] https://www.geo.fr/geopolitique/deux-familles-palestiniennes-assiegees-que-se-passe-t-il-en-cisjordanie-233248
[3] https://www.lemonde.fr/international/article/2026/08/14/en-cisjordanie-l-armee-israelienne-humiliee-par-une-poignee-de-colons_6746229_3210.html?srsltid=AfmBOorreuGx7PwqxFnNSMpvzif-ikHOIidkNid-J7Zg-jPjdAJHk1Zd
[4] https://actu.orange.fr/monde/colons-en-cisjordanie-un-ministre-israelien-pour-un-transfert-du-maintien-de-l-ordre-a-la-police-CNT000002rkNQG.html
[5] https://fr.timesofisrael.com/qusra-en-plein-chaos-katz-veut-transferer-le-maintien-de-lordre-a-la-police/amp/
[6] https://www.leparisien.fr/international/israel/un-acte-de-terreur-lambassadeur-americain-en-israel-condamne-le-siege-de-maisons-palestiniennes-par-des-colons-israeliens-13-08-2026-CXWIEXOVJFCAZDKOWEALD6LQTI.php
[7] https://www.france24.com/fr/moyen-orient/20260814-guerre-eau-cisjordanie-occup%C3%A9e-colons-isra%C3%A9liens-acculent-palestiniens
[8] https://www.radiofrance.fr/franceculture/podcasts/questions-du-soir-le-debat/la-cisjordanie-est-elle-deja-en-voie-d-annexion-par-israel-2248875