تقارير

جنوب القوقاز وتراجع النفوذ الروسي

post-img

بيرم بلجي (موقع Orient XXI)

يعود الحضور الروسي في جنوب القوقاز إلى معاهدتَي غوليستان (1813) وتركمنجاي (1828)،1 اللتين كرّستا ضمّ الإمبراطورية الروسية تدريجيًا لجورجيا وأرمينيا الشرقية وجزء من أذربيجان الحالية. وعلى امتداد ما يقرب من قرنين، ثم طوال الحقبة السوفياتية، رسّخت موسكو موقعها بوصفها القوة المهيمنة على هذه المنطقة الواقعة عند تقاطع أوروبا والأناضول والشرق الأوسط وآسيا الوسطى. ورغم الطابع الاستعماري لهذه الهيمنة، فقد تركت أثرًا عميقًا ودائمًا في البنى السياسية والهويات الوطنية.

ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، أخذت هذه المكانة المميّزة تتآكل تدريجيًا، على وقع الأزمات الروسية وإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية الإقليمية. غير أن حرب ناغورني قره باغ الثانية (2020-2023) وغزو أوكرانيا عام 2022 سرّعا هذا التراجع. ومع أن روسيا لم تختفِ من جنوب القوقاز، فإنها باتت مضطرة إلى تأخذ بعين الاعتبار وجود فاعلين رئيسيين آخرين، في مقدمتهم تركيا والقوى الغربية، فضلًا عن الصين، ومؤخرًا الهند.2

أدوات نفوذ متعددة

يعتمد نفوذ موسكو تاريخيا على أربع ركائز رئيسية. أولها عسكرية، إذ تتمركز القوات الروسية في القاعدة 102 في غيومري بأرمينيا، التي افتُتحت عام 1995 ويمتد عقد إيجارها حتى عام 2044. كما تتولى منذ عام 1992، عبر حرس الحدود التابعين لجهاز الأمن الفدرالي الروسي (FSB)، مراقبة حدود أرمينيا مع تركيا وإيران. ويُضاف إلى ذلك نشر قوات لحفظ السلام في ناغورني قره باغ بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وانضمام أرمينيا إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي،3 التي تمثل الإطار العسكري الرئيسي في الفضاء السوفياتي السابق.

أما الركيزة الثانية فاقتصادية. إذ لا تزال روسيا رسميًا الشريك التجاري الأول لأرمينيا بحصة تتجاوز 40% من تجارتها الخارجية، وهي نسبة ارتفعت منذ عام 2022 في ظل العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، نتيجة الدور الذي تؤديه يريفان في الواردات الموازية المتجهة إلى روسيا. كما تنتمي أرمينيا إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وبالنسبة إلى جورجيا، ورغم القطيعة السياسية التي أحدثتها حرب 2008، فما تزال تربطها مبادلات تجارية وسياحية مهمة مع جارتها الشمالية، في حين تحافظ أذربيجان تعاونًا مهمًا مع موسكو في مجال الطاقة.

أما الركيزة الثالثة فبشرية، إذ يعمل في روسيا مئات الآلاف من الأرمن والأذربيجانيين والجورجيين، وتشكل التحويلات المالية التي يرسلونها إلى ذويهم موردًا مهمًا للاقتصادات الوطنية، وهو ما يشكل أداة نفوذ لا ينبغي التقليل من شأنها. وإلى جانب ذلك، فإن روسيا كثيرا ما اضطلعت بدور الحَكَم الرئيسي في النزاعات الإقليمية. فعلى امتداد نحو ثلاثة عقود، كانت لاعبًا محوريًا في ملف ناغورني قره باغ عبر مجموعة مينسك4 التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، قبل أن تتولى التفاوض على وقف إطلاق النار عام 2020.

ناغورني قره باغ والحرب في أوكرانيا

هزّ حدثان بصورة عميقة موقع روسيا في جنوب القوقاز. أولهما مسار ناغورني قره باغ. فبعد الهزيمة الأرمينية في خريف 2020، بدا أن موسكو عززت موقعها بالتفاوض على وقف إطلاق النار ونشر نحو ألفي جندي لحفظ السلام. لكن هذا النجاح الظاهري لم يدم طويلًا. ففي سبتمبر/أيلول 2023، شنّ الجيش الأذربيجاني هجومًا خاطفًا على الاقليم، انتهى باستسلام السلطات الانفصالية ونزوح شبه كامل للسكان الأرمن، فيما بقيت القوات الروسية دون تدخل. وفي يريفان، عُدّ هذا التقاعس خيانةً للالتزامات الأمنية التي كانت أرمينيا تعتقد أنها حصلت عليها من موسكو في إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي. ومنذ ذلك الحين، كثّف رئيس الوزراء نيكول باشينيان انتقاداته لروسيا، وعلّق مشاركة بلاده في المنظمة، وسرّع تقاربه مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

أما القطيعة الثانية فكانت أعمق أثرًا. فمنذ أن استنزفتها الحرب في أوكرانيا ابتداء من فبراير/شباط 2022، تراجعت قدرة روسيا بصورة كبيرة على التحرك في جوارها. كما تدهورت صورتها في مجمل فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي، في وقت تركزت فيه مواردها العسكرية والمالية والدبلوماسية على الجبهة الأوكرانية.5 وأضعفت العقوبات الغربية بدورها أدوات نفوذها الاقتصادي، مع أنها جعلت في الوقت نفسه من أرمينيا منصة رئيسية للواردات الموازية إلى روسيا.

وتوترت العلاقات مع أذربيجان بدورها. فقد أدى سقوط طائرة تابعة لشركة أذربيجان إيرلاينز في 25 ديسمبر/كانون الأول 2024، بنيران الدفاع الجوي الروسي قرب غروزني في الشيشان، إلى أزمة دبلوماسية حادة بين باكو وموسكو. ولم تُخفّف اعتذارات فلاديمير بوتين المتأخرة، في خريف 2025، من حدّة التوتر إلا جزئيًا.

وقد تجسّد تراجع النفوذ هذا في تطورات ملموسة على الأرض. فمن يناير/كانون الثاني 2025 إلى مطلع عام 2026، انسحب حرس الحدود الروس من المواقع التي كانوا لا يزالون يشغلونها على حدود أرمينيا مع تركيا وإيران. ولأول مرة منذ الاستقلال، باتت هذه الحدود تحت سيطرة السلطات الأرمينية وحدها. ولم يبق اليوم سوى القاعدة 102 في غيومري. ورغم أن انسحابها غير مطروح رسميًا على المدى القريب، فإن بقاءها بات موضع نقاش علني في أرمينيا، حيث يطالب جزء من الطبقة السياسية الموالية للغرب بسحبها.

تركيا تملأ الفراغ

لم يخلّف تراجع موسكو فراغًا استراتيجيًا، بل فتح المجال أمام صعود قوى جديدة أصبحت تشارك اليوم في إعادة تشكيل جنوب القوقاز.6 وكانت تركيا المستفيد الأكبر من هذا التحول. فباعتبارها حليفًا ثابتًا لأذربيجان، لعبت دورًا حاسمًا في انتصار باكو خلال حرب ناغورني قره باغ الثانية، بفضل دعمها العسكري والتقني والسياسي. إذ لم يعد النفوذ التركي يقتصر على الجانب الأمني فحسب.7 وعلى الصعيد السياسي، تواصل منظمة الدول التركية8 تعزيز بنيتها المؤسسية بمشاركة فاعلة من أذربيجان. وجاء اتفاق السلام الموقّع في واشنطن في 8 أغسطس/آب 2025 بين يريفان وباكو ليعزز هذا المسار أكثر. وينص الاتفاق على فتح ممر للنقل عبر إقليم سيونيك الأرميني لربط أذربيجان بمقاطعة ناخيتشيفان المعزولة جغرافيًا عن باقي أراضيها، ومنها بتركيا. وقد أُطلق على المشروع اسم “ممر ترامب للسلام والازدهار الدوليين” (TRIPP)، ومُنحت جهات أميركية حق استغلاله لمدة تسعة وتسعين عامًا. وفي الواقع، فإن هذا المشروع يستعيد فكرة قديمة لممر زانغزور الذي طالما دافعت عنه أنقرة وباكو. وإذا نُفّذ، فسيؤمّن ربطًا بريًا مباشرًا بين تركيا وآسيا الوسطى الناطقة بالتركية، وذلك على حساب المصالح الروسية والإيرانية. كما عززت القوى الغربية بدورها حضورها في المنطقة. فقد نشر الاتحاد الأوروبي بعثة مراقبة مدنية في أرمينيا، فيما وقّعت واشنطن في يناير/كانون الثاني 2025 شراكة استراتيجية مع يريفان. وبعد أسابيع قليلة، شرعت الحكومة الأرمينية رسميًا في مسار تشريعي تمهيدًا للتقارب مع الاتحاد الأوروبي. ومن اللافت أيضًا أن الجماعة السياسية الأوروبية عقدت في 4 مايو/أيار 2026 اجتماعًا موسعًا في يريفان.

وتكثف التعاون العسكري كذلك. فقد أصبحت فرنسا من أبرز موردي الأسلحة لأرمينيا، وزودتها بمدافع “سيزار” ورادارات “غراوند ماستر” ومركبات مدرعة من طراز “باستيون”، بالتوازي مع تزايد التدريبات المشتركة بين القوات الأرمينية والأميركية.

صعود الصين والهند

تتحرك الصين بوتيرة أكثر هدوءًا. فبكين تعمل على تطوير “الممر الأوسط” الذي يربط آسيا الوسطى بأوروبا، متجاوزًا الأراضي الروسية عبر بحر قزوين والقوقاز. ومع تراجع جاذبية الطرق التي تمر عبر روسيا، تزداد أهمية هذا المحور اللوجستي. كما تبدي الصين اهتمامًا متزايدًا بأرمينيا، حتى إنها أعلنت دعمها لانضمام محتمل ليريفان إلى منظمة شنغهاي للتعاون، من دون أن تسعى مع ذلك إلى منافسة موسكو بصورة مباشرة.

وأخيرًا، تبرز الهند كفاعل يتعزز حضوره تدريجيا. فبعدما ظلت أرمينيا تعتمد طويلًا على الصناعة العسكرية الروسية، اتجهت إلى نيودلهي بعد عام 2022، مع تأخر تنفيذ عدة عقود بسبب صعوبات الإنتاج الروسي. وأصبحت الهند اليوم أكبر موردي الأسلحة إلى أرمينيا، من خلال صفقات شملت راجمات صواريخ “بيناكا”، ومدافع “أتاغس”، ومنظومات دفاع جوي “أكاش”، ورادارات، تجاوزت قيمتها 600 مليون دولار في السنة المالية 2024-2025 وحدها9. ويخدم هذا التعاون مصالح اقتصادية بقدر ما يعكس التنافس الإقليمي بين الهند وباكستان، الحليف المقرب من تركيا وأذربيجان. وخلال سنوات قليلة، تراجعت حصة روسيا من واردات أرمينيا من الأسلحة من أكثر من 90% إلى نحو 10% فقط.

استماتة موسكو

ومع ذلك، سيكون من المبالغة القول إن روسيا في طريقها إلى الانسحاب من جنوب القوقاز. فما تزال موسكو تحتفظ بمقومات نفوذ راسخة، وتستفيد من شبكات سياسية واقتصادية وإعلامية، خصوصًا في أرمينيا وجورجيا، وبدرجة أقل في أذربيجان.

ويجسد الوضع في جورجيا استمرار هذا النفوذ. فعلى الرغم من التوجه الأوروبي المعلن لتبليسي، فإنها تحافظ على علاقة براغماتية مع موسكو، في حين لا تزال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية خاضعتين بحكم الأمر الواقع للسيطرة الروسية منذ حرب 2008. وقد أفسحت المواجهة المفتوحة المجال أمام نوع من الوضع القائم، ما يزال يمنح روسيا وسائل ضغط على جارتها. أما ما أصبح فعلًا من الماضي فهو احتكار روسيا للملف الأمني وللهندسة الجيوسياسية في جنوب القوقاز. فعلى مدى نحو قرنين، لم يكن ممكنًا أن يحدث تحول كبير في المنطقة من دون أن ترسم موسكو حدوده، أو تُراعى مصالحها على الأقل. تلك الحقبة ولّت.

فاليوم، تشارك تركيا والقوى الغربية والصين والهند، كلٌّ وفق أولوياته الخاصة - من إبراز النفوذ الإقليمي والاندماج الأورو-أطلسي إلى الترابط الاقتصادي والتنويع الاستراتيجي- في إعادة تشكيل فضاء طالما عدّه الكرملين مجال نفوذه الحصري. وهكذا، لا يعبّر ما يجري في جنوب القوقاز عن مجرد تراجع للقوة الروسية، بل يجسّد انتقال المنطقة نحو نظام إقليمي متعدد الأقطاب. فما تزال موسكو فاعلًا رئيسيًا، لكنها لم تعد الحَكَم الوحيد. وهذا التحول يعكس تغيرًا أوسع في موازين القوى الدولية: فمنذ عام 2022، لم تعد روسيا تملك الموارد السياسية والعسكرية والدبلوماسية التي كانت تتيح لها أن تفرض بمفردها قواعد اللعبة في “جوارها القريب”. وبذلك، يبرز جنوب القوقاز كأحد أكثر المختبرات دلالة على إعادة تشكيل موازين القوى في أوراسيا.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.