مقالات

من شوخات إلى وينغيت وشيلواح.. آباء العقل الأمني الإسرائيلي

post-img

بشار اللقيس (الملتقى الاستراتيجي)

ثلاثة لا يمكن قراءة تاريخ المؤسسة العسكرية الإسرائيلية دون الرجوع إليهم: إسرائيل شوخات، أورد وينغيت، ورؤوفين شيلواح. عمل الثلاثة في النصف الأول من القرن العشرين على إنشاء ومأسسة المؤسسة الأمنية والعسكرية في إسرائيل. الأول كان ماسحًا للأحذية في القدس عند باب الخليل، فيما لم يكن الثاني إسرائيليًا ولا يهوديًا، حيث عمل في السودان وعلى حدود إثيوبيا، وهناك اكتسب اسمه وأهميته. أما الثالث فكان ابنًا لعائلة من سكان حي ميا شعاريم؛ الحي الحريدي في ضواحي القدس. وكان من بين أولئك الذين قدموا إلى فلسطين أواخر القرن التاسع عشر، ورحلته من الجو الحريدي إلى الجو العسكري-الأمني شاهدة على تحول ثقافي وهوياتي يهودي كبير.

الشخصية الأولى: إسرائيل شوخات (1886 - 1962)

عام 1904، هاجر إسرائيل شوخات وشقيقه إليعازر إلى فلسطين، وعملا سويًا في حقول بيتاح تكفا وبساتينها قبل أن ينتقل إسرائيل إلى ريشون لتسيون. تأثر شوخات هناك بميخائيل هالبرين، الذي صاغ تصوراته الفكرية والنظرية. فهالبرين، المولود في مدينة فيلنيوس عام 1860، زار فلسطين للمرة الأولى سنة 1885، قبل أن يستقر عام 1886 في ريشون لتسيون. ويُعتبر هالبرين أحد أكثر شخصيات الصهيونية العمالية والحركة الاستيطانية اليهودية في فلسطين تأثيرًا. ولعب دورًا مركزيًا في الهجرة اليهودية الثانية. وفور وصوله إلى فلسطين عمل على إنشاء قوة عسكرية يهودية تكون نواة لجيش يهودي، كما تخيّل إقامة مستوطنات يهودية تتبنى نمط حياة قريبًا من البدو وتسيطر على مناطق استراتيجية.

كما التقى إسرائيل شوخات بألكسندر زايد، وشاركه أفكاره، ومنه استقى تصوراته العملية. فزايد وُلد في سيبيريا عام 1886 لعائلة صهيونية محافظة. وبعد انتقال العائلة إلى "فيلنا" في ليتوانيا الحالية، انضم ألكسندر إلى منظمة "أحباء صهيون"، وراح يعمل للوصول إلى فلسطين إلى أن كان له ما أراد سنة 1904، وقد استقر في الجليل، ثم لاحقًا في الشيخ بريك، وعمل في حراسة أراضي الصندوق القومي اليهودي. كما واظب على تشجيع الاستيطان في فلسطين والعمل في الأرض، حتى أصبح قبل مماته رمزًا من رموز الميثولوجيا الصهيونية والحركة العمالية اليهودية، إلى حد وصفه بعد وفاته بالقديس.

وقد بدأ شوخات وزايد العمل سويًا منذ عام 1906 على تأسيس النواة الأولى للجيش اليهودي، فوُلدت منظمة بار غيورا في العام التالي، ثم تبعها في عام 1909 تأسيس منظمة هاشومير.

انتقل شوخات إلى القدس لإقناع قادة المعاهد الدينية (اليشيفوت) بالانضمام إلى الجهود المبذولة لإنشاء قوة عاملة صهيونية، لكن محاولاته باءت بالفشل. ولإعالة نفسه عمل في تلميع الأحذية عند باب الخليل. وبعد مدة اضطر إلى التخلي عن العمل اليدوي، وعمل مساعدًا لإسرائيل بلكيند، وهو معلم ومؤرخ يهودي روسي ألّف العديد من الكتب والمقالات، من بينها دراسات حول السكان العرب في فلسطين، ويُعد أحد أبرز المؤسسين لحركة "بيلو" الصهيونية بعد مذابح العواصف الجنوبية (1881 - 1884). وقد قادت بيلو موجة الهجرة اليهودية الأولى إلى فلسطين بعد صدور قوانين ألكسندر الثالث المعادية للسامية عام 1882، بهدف تأسيس استيطان زراعي وسياسي لليهود.

أبدى شوخات اهتمامًا خاصًا بالشركس المقيمين في فلسطين، كمثال على كيفية تمكّن أقلية صغيرة من الحفاظ على هويتها وفخرها في بيئة معادية في كثير من الأحيان. وقد تردد شوخات على ميناء حيفا لتفقد الوافدين الجدد، بحثًا عمّن يجندهم. وهناك، تعرف على ديفيد بن غوريون واقتنع به، فدعاه لحضور المؤتمر التأسيسي لحزب "بوعالي تسيون/حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي اليهودي في أرض إسرائيل" أواخر 1906، بحضور جماعة "الروستوفيين" (جماعة مؤلفة من 30 شابًا من روستوف، كرسوا جهودهم لإنشاء طبقة عاملة عربية يهودية موحدة).

وهناك، تلاعب شوخات بالانتخابات وجاء ببن غوريون رئيسًا للجماعة، حيث كان الأخير ضرورة تقتضيها المرحلة بالنسبة إليه، فمن خلاله سيتمكن إسرائيل شوخات من إقصاء الروستوفيين، الذين كانوا ممالئين للعرب أكثر مما يلزم. ومن خلال بن غوريون سيتمكن الرجل من فصل الاقتصادين اليهودي والعربي، وإقرار منع توظيف العرب في المؤسسات اليهودية. وهذه الخطوة كانت اللبنة الأولى في بداية بناء مجتمع استيطاني مستقل عن أي مصادر خارجية.

الشخصية الثانية: أورد وينغيت (1903 – 1944)

وُلد أورد تشارلز وينغيت لعائلة بريطانية في الهند عام 1903، وتلقى تعليمه في بيت عائلة تنتمي إلى "إخوان بليموث" (إحدى طوائف البروتستانت)، فاهتم بدراسة الكتاب المقدس والتزم به، وركز خلال نشأته على ترتيل سفر المزامير، الذي تعرف منه على تاريخ بني إسرائيل. كانت قصص التوراة مادة ثقافته الأولى، قبل أن يتوجه إلى الدراسة الأكاديمية العسكرية في وولويتش. وهناك، انكب على دراسة تاريخ إنجلترا العسكري.

كان اللورد كرومر والجنرال غوردون قدوتيه. فاللورد كرومر هو إيفلين بارينغ (1841 - 1917)، القنصل العام البريطاني في مصر بين عامي 1883 و1907، وغوردون هو الجنرال تشارلز غوردون (1833 - 1885)، الضابط البريطاني الذي أرسلته حكومته عام 1884 إلى الخرطوم لمواجهة الثورة المهدية، فبقي في المدينة إلى أن حاصرته قوات المهدي، وانتهى الأمر بسقوط الخرطوم ومقتله عام 1885، ليتحول موته إلى أسطورة بريطانية عن القائد المسيحي الذي بقي وحيدًا في مدينة محاصرة وقاتل حتى النهاية.

بعد أن أنهى وينغيت دراسته العسكرية عام 1923، عُيّن برتبة ملازم ثانٍ في وحدة المدفعية، وانكب على دراسة اللغة العربية، تجهيزًا للعمل العسكري في الشرق. وفي عام 1928، خدم في الجيش السوداني-البريطاني، وعُيّن مسؤولًا عن الحراسة في منطقة الحدود مع الحبشة، لمنع تجار الرقيق من عبور الحدود. وهناك تعرف على أساليب مواجهة عصابات السلب ومهربي الحدود، وامتلك معرفة باللغة العربية والعادات الشرقية. واستمر في خدمته تلك حتى عام 1933، حين عاد إلى بريطانيا، وفي سبتمبر/أيلول 1936 أُرسل إلى فلسطين للعمل ضابطًا في الاستخبارات، بعد أشهر من اندلاع الثورة العربية الكبرى. كان وينغيت مؤيدًا كبيرًا للصهاينة، ويرى في "إسرائيل" حلمًا لا بد من أن يولد.

في كتابه "جدعون يذهب إلى الحرب: قصة الميجور جنرال أورد وينغيت"، يقدم المؤرخ العسكري ليونارد موسلي صورًا متعددة عن دور وينغيت في بناء العقلية العسكرية الإسرائيلية. يقول موسلي: بتاريخ 4 أيلول 1938، خرج وينغيت على رأس مجموعة من وحدات الليل الخاصة في عملية استطلاع، سائرًا بجانب أنبوب نفط حتى وصل إلى عين حارود. ومع بزوغ الفجر - حوالي الساعة الثالثة صباحًا - وصل وينغيت ورجاله إلى قرية ليد الوادين، قرب مجدو، التي كانت مضربًا كبيرًا للبدو المتهمين بتهريب السلاح. حاصرت مجموعة الليل القرية، ووقع أول اشتباك، وقُتل فيه اليهود خمسة رجال فلسطينيين، واعتُقل أربعة.

وعندما تقدم وينغيت حاملًا بندقية تركية على كتفه نحو جنوده في الخطوط الأمامية، بدا هادئًا. قال لهم: "أحسنتم، أنتم فتيان جيدون، وستكونون جنودًا ممتازين". وانتقل إلى الأسرى العرب الأربعة، وسألهم بالعربية: "هل لديكم سلاح في هذه القرية، أين خبأتموه؟". فهز العرب برؤوسهم نفيًا وأبدوا جهلهم، فانحنى وينغيت، وجمع ترابًا من الأرض، وأدخله في فم أحدهم، ودفعه في بلعومه حتى كاد يختنق. ثم قال: أين السلاح؟ فلم يُستجب له، فاستدار إلى أحد الصهاينة وأشار إلى العربي الذي كان يسعل ويتقيأ. قال: "أطلق النار عليه"... فنفذ الأمر، وحملق الباقون لحظة في جثة العربي التي وقعت بين أقدامهم. مع نهاية العملية كان قد قُتل نحو 14 فلسطينيًا، فيما سيطرت وحدات الليل الخاصة على القرية.

يقول حجاي أشد "اقترح يونغيت أنه في مقابل كل هجوم يتم من قرية عربية ضد مستوطنة صهيونية يجب الهجوم على أهالي تلك القرية". وبين عامي 1936 – 1939، وأثناء الثورة العربية الكبرى في فلسطين، بدأت ملامح التعاون العسكري بين البريطانيين والهاجاناه تظهر واقعاً على الأرض. ومنح التعاون الهاجاناه فرصة للبدء بمشروع الشرطة الإضافية (JSP) بالتعاون مع النقيب أورد وينغيت.

قُسّمت الشرطة الإضافية إلى عشر كتائب، ووُزعت على كامل تراب فلسطين. واعتمد وينغيت عقيدة دفاعية جديدة. ففي السابق، كان الدفاع ضد الهجمات العربية يتم عند محيط المستوطنات. ومع عقيدة وينغيت الجديدة، فقد صار الهجوم خير وسيلة للدفاع. أسس وينغيت لعقيدة ستُعرف مع الوقت بعقيدة "تجاوز الحدود". وتجلت فعالية هذه العقيدة في عمل فرق وينغيت الليلية الخاصة (SNS)، والقوات المتنقلة (نوديديت)، والقوات الميدانية (فوخ). وسيعود إلى هذه الفرق "الفضل" في قمع الثورة العربية. فقد تم حشد نحو 16 ألف شرطي يهودي، بالإضافة إلى القوات الميدانية بقيادة إسحاق ساديه.

جدير بالذكر أن إسحاق ساديه وُلد في مدينة لوبلين في بولندا عام 1890. وبدأ حياته العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى عندما التحق بالجيش الروسي كضابط صف، فقاتل وشغل منصب قائد كتيبة. وهاجر إلى فلسطين عام 1920، حيث أسس كتيبة ترومبلدور للعمل (غيدود هاعفوداه) وقادها. وعندما اندلعت أعمال شغب عام 1936، انضم ساديه إلى الهاغاناه، ووضع سياسة للدفاع عن المستوطنات، فشكّل سرايا ميدانية تابعة للهاغاناه بقيادته لتنفيذ هذه الاستراتيجية.

أثّر وينغيت وساديه في عقلية موشيه ديان ويغآل آلون. وكان لهما أثر بالغ في تغيير العقيدة الأمنية الصهيونية. فما بين عامي 1936 و1939 (فترة الثورة العربية الكبرى في فلسطين)، تمكن وينغيت مع شريكه إسحاق ساديه من إقناع القيادة العسكرية الصهيونية والبريطانية بالخروج من حدود المستوطنات ومهاجمة الثوار العرب في الزمان والمكان غير المناسبين لهم. وعمل الرجلان سويًا في القدس وجنوب الجليل وفي منطقة سهل بني عامر. وأسسا سويًا قوات الجوالة (القوات المتحركة) وسرايا الميدان (فوخ)، ووحدات الليل الخاصة. وسيعود للرجلين فضل تأسيس البلماح، أو الوحدات الخاصة في الهاجاناه، وكان ساديه أول قائد لها في عام 1941، والذي شكّل لاحقًا قلب "جيش الدفاع الإسرائيلي". وفي عام 1945، رُقي إلى منصب القائم بأعمال رئيس الأركان العامة للهاغاناه، ومن خلال منصبه نسق الأعمال القتالية ضد البريطانيين.

الشخصية الثالثة: رؤوفين شيلواح (1909 – 1959)

اسمه الحقيقي رؤوفين زاسلنسكي. وُلد في القدس في 20 كانون الأول/ديسمبر عام 1909، ابنًا لحاخام القدس أهارون زاسلنسكي، الذي نشر العديد من المؤلفات التوراتية حول الوصايا المتعلقة بالأرض.

قطع رؤوفين زاسلنسكي، ابن القدس المستقبلية، نصف الطريق من "المستوطنة القديمة" إلى معسكر "المزراحيين" الديني القومي، ومن منزل جديه في ميا شعاريم إلى عالم الحركة العمالية العلماني المنفتح في أواخر عشرينيات القرن الماضي. ومنذ ثلاثينيات القرن العشرين، وتحديدًا منذ الثورة العربية الكبرى، ظهر اسم رؤوفين كأحد مبتكري أسلوب جمع النفوذ السياسي والأمني خدمة للصهيونية.

سعى زاسلنسكي، الذي سيصير اسمه رؤوفين شيلواح بعد قيام الدولة عام 1948، إلى بناء كيان استخباراتي ذي بُعد إقليمي وعالمي جدير بالاهتمام، من خلال تحويل إسرائيل إلى أصل أمني استراتيجي. كان مقتنعًا بأن على إسرائيل أن تكون بلدًا مصدرًا للأمن لا مستهلكًا له. لذا، أسس شيلواح للاستخبارات الاستباقية التي تصب في مصلحة إسرائيل ومصلحة شركائها قبل قيام "الدولة" وبعده.

وفي أواخر عام 1939، طور زاسلنسكي/شيلواح مفهومه للاستخبارات. قال: "ينبغي لعمليات الاستخبارات أن تشمل الاستطلاع والعمليات الخاصة خلف الخطوط. وعلى إسرائيل ألا تتعجل بالضرورة في الاعتراف بالعمليات التي يقوم بها الأمن". أسس شيلواح منظوره الخاص لهذه العمليات، واعتبر أن مجالها ينبغي أن يبقى في منطقة التداخل الغامض بين تطبيق القانون والدفاع عن النفس، كلما تعلق الأمر بضمان المصالح اليهودية الحيوية.

تأثر شيلواح بالبريطانيين، لكنه لم يتجاهل نمط العمل الأمني الخاص بالسوفييت ولا بالأميركيين. صحيح أنه تبنى، كالبريطانيين، حِيَل خداع العدو وتكتيكات "فرّق تسد" وسياسة إثارة الفتن بين الأعداء والمنافسين، للمحافظة على توازن القوى. لكنه أيضًا استفاد من السوفييت والأميركيين، عبر إيسر باري (إيسر بيرنزفايغ 1897 - 1958)، أول رئيس لجهاز الاستخبارات العسكرية، وإيسر هاريل (إيسر هالبرين 1912 - 2003)، الذي كان أول رئيس للشاباك، ثم للموساد. وقد تركت تأثيرات هؤلاء بصمتها على المجتمع الاستخباراتي اليهودي، وعلى كافة أجهزة الأمن في سنوات إسرائيل الأولى.

الأهم في قراءة تجربة رؤوفين شيلواح هي الفترة التي تلت انتقاله للعمل السياسي والدبلوماسي، حيث بلور في القدس فكرة "تحالف الأطراف" وجعلها محور أنشطته. وكان هذا التحالف جزءًا من السياسة الأمنية المناسبة لاحتياجات دولة محاصرة بحزام من الأعداء. وشكّل التحالف طبقة أمان إضافية فوق "التحالف الاستراتيجي" مع الولايات المتحدة وأوروبا. وهو ما ضمن رؤية أمنية واضحة في تل أبيب، بين مستويات الأمن الثلاث: الأمن الاستراتيجي، والأمن الوسيط، والأمن التكتيكي.

لماذا نستعيد أسماء هؤلاء؟

ثمة استعادة لأدبيات هؤلاء الثلاثة في إسرائيل اليوم، وإن لم يكن ميراث هؤلاء الثلاثة غائباً كلياً. فمثلاً، في كتابه "فرسان القلب: إنشاء منظومة العبور ونشاطها في حرب يوم الغفران"، يقر أرنون غولان بأثر وينغيت على التشكيلات الإسرائيلية المهاجمة في حرب أكتوبر 1973، بما في ذلك أثر وينغيت على تشكيلات قوات الهندسة على الجبهة المصرية. وفي مجلة معراخوت يستعيد المقدم (احتياط) أفيرام هاليفي، نائب قائد وحدة سييرت متكال السابق، نماذج لستة من قاطعي الطرق/ اللصوص من الذين تحتاجهم إسرائيل اليوم؛ أورد أسماء تشارلز وينغيت، توماس إدوارد لورانس أو "لورانس العرب"، ديفيد ستيرلنغ مؤسس القوات الجوية الخاصة (SAS)، مئير هار زيون قائد سرية في قوات المظليين، أفراهام أرنان مؤسس وأول قائد لسيريت متكال، وأميرام ليفين القائد التاسع لوحدة سيريت متكال.

يقول هاليفي: ثمة حاجة لاستعادة منطق اللصوصية وقطاع الطرق في المؤسسة الأمنية والعسكرية. "قطّاع الطرق، أولئك الذين يتمتعون بالشجاعة الفكرية والعملياتية والذين لا يخشون تحدي النظام والأعراف ويتصرفون بطريقة تتجاوز الحدود، ثمة حاجة إليهم على الرغم من كل التحديات التي فرضها هؤلاء على النظام، فمزاياهم تفوق عيوبهم، وغيابهم أشد خطورة من وجودهم".

ثم يذهب هاليفي أكثر إلى استدعاء سِيَر الملوك الأولين عند اليهود بالقول: "تُعد العلاقة بين داود النبي والملك شاؤول مثالًا ممتازًا على نشأة قطاع الطرق: كان شاؤول هو المرشد/الراعي الذي شجع داود على تجاوز الحدود، ورغم أن العلاقة بينهما توترت، إلا أن داود حافظ على روح قطاع الطرق حتى بعد اعتلائه العرش، بل إنه رعى قطاع طرق بدورهم، مثل يوآب بن زروية". ويقصد بذلك أحد قادة جيش داود، الذي لم يتمكن من تطويعه، فأوصى سليمان بقتله حسب النص التوراتي.

ستتخذ استعادة منطق اللصوصية وقطاع الطرق بعداً يتجاوز حدود العمل العسكري، والتصورات الأمنية، مع غيرشون هكوهين. مثلاً، في ورقته الصادرة في عام 2025 عن "معهد بيسا" بعنوان "إسرائيل والاتجاهات الناشئة في سوريا"، يستعيد اللواء (احتياط) غيرشون هكوهين جدلاً إسرائيلياً قديماً حول التصور الأمني لإسرائيل المتمثل في "الفيلا في الغابة".

يقول هكوهين: منذ بداية المشروع الصهيوني خاض المجتمع اليهودي، علناً وسراً، صراعاً متوتراً بين اتجاهين: الانكفاء داخل حدود "الفيلا" أو الاندماج في فضاء المنطقة الأوسع. انعكس هذا التوتر في إسرائيل على مختلف الصعد. سياسياً في انقسام اليمين واليسار، عسكرياً في انقسام الهجاناه وإتسل، وحتى معمارياً. ففي حين بُنيت مستوطنات الهجرة الأولى على محور رئيسي، مثل كفار تابور ويفنئيل بما يسمح بحركة العرب واليهود عبر المستوطنة، بُنيت مستوطنات الهجرة الثالثة وما بعدها خارج الطريق الرئيسي على هيئة معسكر مغلق. ونتيجة لأحداث 1936 – 1939 (الثورة الفلسطينية الكبرى)، ونشاط إسحاق ساديه ووحدات وينغيت الميدانية، نشأ خلاف حول مسألة الخروج من السياج إلى الفضاء المفتوح. أثار نهج وينغيت جدلاً داخل كيبوتسات مرج بني عامر نابع من سؤال جوهري: "أين يقع الخط الذي يكون عنده واضحاً للجميع أنهم يدافعون عن وجودهم؟ هل هو خط السياج أم ما وراءه؟".

يقول هكوهين: لم يكن هذا الجدل أخلاقياً فحسب، بل بدا مسألة عملياتية. فمفهوم الدفاع لدى ساديه ووينغيت تطلّب الاحتكاك مع المحيط خارج أسوار المستوطنات. وهو إذ يستعيد هذه الذاكرة يرمي إلى القول بأنه "لو اتخذت إسرائيل موقفاً سلبياً يقتصر على المراقبة والدفاع عند خط الجولان دون الجرأة على تجاوز جدران الفيلا، فلن تمتلك أدوات التأثير والمساومة اللازمة لضمان مصالحها الأمنية في النظام الناشئ في سوريا ولبنان".

ويضيف هكوهين: يتشكل الواقع الإقليمي اليوم بفعل الذاكرة التاريخية والأحلام الدينية والوطنية، ولا يسير وفق نموذج خطي ثابت. ولشرح المنحنى الخطي للمنطقة يقول: الدرس الذي يرفض الكثيرون في الغرب قبوله هو أن منطقة الشرق الأوسط أشبه ما تكون بنظام بيئي غير مستقر باستمرار. والنظام البيئي ينبغي التنبه على الدوام أنه نظام حساس لأي تغيير طفيف. والنقيض المفاهيمي للنظام البيئي هو نظام السكك الحديدية المتطور. في نظام السكك الحديدية، يُخطط للاستقرار التشغيلي ويُدار وفقاً لتصميم هندسي خطي. أما في النظام البيئي، فالاستقرار هو نتيجة توازن النظام، وهو دائماً مؤقت وحساس للتغيرات. يُجسد الشرق الأوسط منطق النظام البيئي، لا منطق نظام السكك الحديدية. ما يعني أن التغيير في منظومة القوى في منطقة ما، مثل تراجع قوة حزب الله في لبنان، لا بد من أن يُحدث تغييراً في مناطق أخرى ضمن ديناميكية تُخل بتوازن النظام بأكمله.

لذا، ثمة تحولات بطيئة مرات لكنها كبيرة الأثر مستقبلاً. وكل دول المنطقة تسعى إلى المشاركة الفعالة خارج حدودها. لكن ثمة أسئلة تواجه إسرائيل من نمطين أو نوعين: أين تقع حدود إسرائيل بالضبط؟ ومتى على إسرائيل أن تخرج من حدودها؟ ثم ماذا تريد من خارج حدودها إذا ما خرجت؟ والنمط الآخر من الأسئلة هو: كيف ستتعاطى إسرائيل مع نظام الأمن الإقليمي ذو الطبيعة البيئية الحساسة؟ وكيف سيتعاطى خصومها؟ الأكيد أن إسرائيل تتعاطى اليوم مع الشرق الأوسط باعتبارها لصًا أو قاطع طريق، هذا واضح للجميع، لكن من غير الواضح بعد كيف سنتعاطى نحن مع إسرائيل.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.