مقالات

الميلاد والموت والحياة: عن أطوار حياة النازحين من مخيمات شمال الضفة الغربية

post-img

تقى حنون (مؤسسة الدراسات الفلسطينية)

مع نهاية تموز/يوليو من العام 2026 يكمل الطفل يمان حسين عامه الأول نازحاً مع والديه وأختيه في غرفة صفية بمدرسة الموحّد، التي نزحت والدته إليها من مخيم طولكرم، تحمله جنيناً ذا ثلاثة أشهر. الموعد نفسه يصادف انتهاء أمر جيش الاحتلال العسكري الرابع بتمديد احتلاله لمخيميّ طولكرم ونور شمس، وهو ما يسميه "عملية عسكرية" في المخيمين، مانعاً اللاجئين من العودة أو الاقتراب إلى منازلهم في المخيمات منذ بدء اجتياحه لمدينتيّ طولكرم وجنين ومخيماتهما في نهاية كانون الثاني/يناير 2025، الذي من المرجح أن يمدده لفترة إضافية بأمر عسكري خامس.

طوال هذه المدة، يكبر ويولد جيل جديد من الأطفال بعيداً عن مخيماتهم، ويتشكل لديهم معنى جديد للمنزل مع عائلاتهم المشتتة، ويتخلق وعي الأجيال التي تكبرهم في أوضاع قاسية تضاعف عبء الأسئلة المطروحة على الوالدين، وتضاعف ارتباك الأبناء في مطلع مرحلة بناء الهوية والبحث عن الذات، وقد اجتمعت عليهم أعباء قضية اللجوء الموروثة وهمّ النزوح الذي يعيشونه.

ملك عيشة والدة لطفلين: زين (6 سنوات) وزينة (3 سنوات)، عاشا معها قبل عامين عمليات اجتياح الاحتلال العنيفة المتتالية، والتي انتهت بانفجارٍ أحدثه الاحتلال في منزلهم أمامهما نهاية عام 2024 مخلفاً دماراً كبيراً، فنزحت منه الأم قبل أن يبدأ الاجتياح الأخير. "أصبح زين أكثر عنفاً، يتشاجر مع الأطفال ويقول إنه سيأخذ حقه بيده"، تقول ملك مشيرة إلى أن الظلم الذي خبره طفلها كغيره في المخيم انعكس في سلوكه، محاولةً التأقلم في وسط جديد حمل معه تحدي إدارة انفعالات طفلها الغاضبة. وعلى الرغم من أن زينة لم تكن تعي ما يدور حولها عند نزوحهم، إلاّ إنها شهدت مع عائلتها بعد أكثر من عام هدم بيت جدها في المخيم. "نزحت عائلتي إلى عنبتا وفي كل مرة نذهب لزيارتهم نمرّ من جانب المخيم، فتشير زينة: دار سيدو هدوه"، أضافت ملك. وتسمع زينة باستمرار حديث عائلتها عن العودة إلى المخيم كما تقول والدتها، وتشير إلى أي مجموعة من المنازل تراها في صورة ما "مخيماً".

هذا النمو المضطرب يسير بالتوازي مع الذبول المحتوم لكبار السن، وغيرهم من اللاجئين الذين توفوا في ظل النزوح وأوضاعه القاهرة بعيداً عن منازلهم، محرومين من فرصة الوداع الأخيرة لأماكن احتضنتهم وأجدادهم لأكثر من 77 عاماً، كما حُرِمَت عائلاتهم من ممارسة طقوس الحزن الجماعي والعزاء في إثر تشظيهم في مناطق متباعدة حالت دون اجتماعهم للمواساة كسابق عهدهم، أو حتى للاحتفاء والفرح في الأعياد والمناسبات. وباتت المخيمات التي كانت مضرب الأمثال في التقارب اللصيق، الذي مثّل في كثير من الأحيان شبكة دعم وأمان أو رقابة تخترق الخصوصية، طَلَلاً يحن إليه النازحون بإيجابياته وسلبياته معاً.

وفي غمرة الحرب الأميركية على إيران، ومواصلة الاحتلال عدوانه على غزة، وتغوّل الاستيطان المهول في الضفة الغربية، يعيش النازحون سلسلة من الأحداث المؤسفة، التي ربما كانت ستستحوذ على اهتمام العالم، في أوضاع أقل تعقيداً ودموية، منها على سبيل المثال لا الحصر، انتحار الشاب النازح ثائر سالم (27 عاماً) من مخيم طولكرم، حرقاً وسط المدينة بعدما أنهكه العجز عن مجاراة حاجاته بعد النزوح، وخسارته لعمله عقب الـ7 من تشرين الأول/أكتوبر، وهدم الاحتلال لمنزله الذي ورثه عن والده، بينما لم يجد ملاذاً للمبيت بعد النزوح سوى المستشفى بعد تنقله بين منازل أقاربه، قبل أن ينتحر. كذلك فُجِعت عائلة وجيه يوسف خضر قرعاوي (65عاماً) بوفاته فجأةً بنوبة قلبية على أعتاب منزله المحروق والمدمر في أطراف مخيم نور شمس، في أثناء عودته إليه لتفقده بصدمة وألم.

أوضاع مماثلة يعايشها آلاف النازحين من دون مصدر دخل يكفيهم وعائلاتهم، وبلا دعم نفسيّ، ما ينهكهم باضطراد دون أن تلوح في الأفق أي بادرة انفراج تعيدهم إلى مخيماتهم أو تعيلهم في ظل تدهور الوضع الاقتصادي، وخصوصاً مع نهب الاحتلال المتزايد لمقدرات الفلسطينيين والاستيلاء على أموالهم وعلى رأسها أموال المقاصة، وتقليص رواتب العاملين في الأونروا، لنقص حاد في "التمويل". وبطبيعة الحال، فالمعاناة التي تثقل كاهل الراشدين لا تقل في وطأتها على الأصغر سناً من الفتية والمراهقين، مع انهماك عائلاتهم في تأمين متطلبات حياتهم اليومية، ما سهّل انجرار بعضهم إلى عادات مضرة أغرقت الأجيال التي تكبرهم، كالتدخين وغيرها.

"علمتُ من إحدى الجارات أن ابني الذي يبلغ 14 عاماً يدخن"، قالت لي إحدى السيدات النازحات من مخيم طولكرم بحسرة، واصفة شعورها بالحيرة إزاء الموقف، والاغتراب في مكان نزوحهم الجديد. كما روت حادثة وفاة شقيقة زوجها التي كانت تقيم معهم، بعدما اضطرها الاحتلال إلى النزوح على حمّالات طبية دون مراعاة كسور جسدها آنذاك. "لم يحضر العزاء عدد يذكر من أهل المخيم بسبب تَفَرُّقِنا... ثم بدأت النساء بزياتي في مجموعات بعدما بلغهن خبر الوفاة متأخراً"، أضافت السيدة. في حين روت أسيل بلال كيف يمكن لوطأة الضغط النفسي أن تتسبب لفتى لم يتجاوز عمره الـ 17 عاماً بجلطة استدعت عملية قسطرة لإنقاذ حياته، متحدثة عن شقيقها عمرو بلال، الذي لن يعود إلى سابق عهده بسبب حاجته المستمرة إلى الدواء، وضرورة تجنب الأحمال الثقيلة والانفعال، علماً بأنه معيلٌ أساسي لأسرته بعد استشهاد أخيه الأكبر راكان في قصف الاحتلال لمخيم طولكرم نهاية عام 2024، ونزوحه مع عائلته لمركز إيواء مدرسة الموحد.

وعلى الرغم من قسوة أوضاعهم، فإن النازحين يحاولون استئناف مسيرة حياتهم التي عطلها الاجتياح كإتمام زفاف مؤجل، أو ارتجال مشاريع متواضعة جديدة بعدما دمر الاحتلال القديمة منها. "وقت خطوبتي لم يكن أخواي بجانبي لأنهما معتقلان إدارياً لدى الاحتلال... أجلتُ تحديد موعد زفافي على أمل الإفراج عنهما، وبعد 6 أشهر نزحنا من بيتنا، لم أتخيل أن تصبح الأمور أصعب... مرّ عام على خطوبتي ولم يعد بالإمكان تأجيل الزفاف أكثر... كنت أتمنى حضورهما"، روت بتول من مخيم نور شمس حكايتها بعين دامعة، إذ أتمت زفافها لتلتحق ببيت زوجها، بعدما أجبرها الاحتلال وعائلتها على النزوح من منزلهم. "ظروفنا تتدهور باستمرار... صراحة قد ترين تناقضاً في كلامي، لكني أكيد كأي فتاة أرغب بعيش كل مشاعر الأمومة والزواج، أود عيشها قبل أن... يعني لا ضمان للغد في ظروفنا هذه"، أضافت بتول قاصدة اختلاس لحظات الفرح قبل أن يباغتهم الموت والدمار الذي يلاحق الفلسطينيين، مجهزاً على أرواحهم وأحلامهم في أي لحظة.

نزحت رشيدة البركة من مخيم طولكرم، وهي سيدة منفصلة عن زوجها، تقيم بكرافان في أرض أخيها (المعتقل في سجون الاحتلال) بضاحية اكتابا، وتعتاش من زراعة الأرض لإعالة نفسها وابنتيها "طالبتا جامعة وتوجيهي"، بعد استشهاد ابنها نهاية عام 2024 وهدم الاحتلال للمنزل الذي تقيم به في المخيم. "كنت يائسة من الحياة... وعندما أخرجونا من منازلنا أردت أن أعيل نفسي بنفسي، لا أن أكون عالة تنتظر عطف الآخرين"، توضح رشيدة التي حصلت على مساعدة من الإغاثة الزراعية بعد تقدمها بطلب لذلك. وتكثر محاولات النازحين لإيجاد مصدر دخل يعينهم بشتى الطرق، غير أن النجاح في تحصيل ذلك بات على درجة من الصعوبة لعموم الفلسطينيين في الضفة الغربية، بينما يعتمد كثير من النازحين على الإعانات المالية والعينية المحدودة من الأونروا وسواها، لتسيير أمورهم اليومية.

إنّ تمني اللاجئين العودة إلى مخيماتهم التي أُنشِئت بالدرجة الأولى لاحتواء مأساتهم فبقيت ماثلة تذكرهم بها، نابعٌ ببساطة من حاجة ملحة إلى مأوى لا يثقل كاهلهم بتكاليف النزوح المادية الباهظة. غير أن همهم يتجاوز الحاجة المادية الخالصة إلى شعور جامع يؤرق المقتدرين والمعدمين على حد سواء، يتمثل في إلغاء حالة "اللجوء" وسلب المساحة التي احتضنت أعمار أجدادهم وآبائهم وذكرياتهم قهراً، بما يحرمهم حتى مما يرمز إلى حقوقهم المسلوبة، وينثرهم عشوائياً، كأنما يستحضر مأساة أجدادهم للمرة الأخيرة، ليمحو أثرها.

من نحن

• رؤية "المُراقب" "المُراقب" يستلهم الماضي لفهم الحاضر من أجل استشراف المستقبل، ويقدم المعلومات والمعرفة بأسلوب مبتكر ليمتلك القارئ وصانع القرار قوة المعرفة الواضحة عبر المعلومة الموثوقة والموثقة التي يقدمها "المُراقب" بدقة واحترافية. • أهداف "المُراقب" - إيصال رسالة إعلامية مباشرة الى من يهمه الأمر أن هناك من في الأمة يهتم بأن يعرّف ليصنع مستقبل أفضل. - أن يكون "المُراقب" الموقع الأول لكل مُتابع وصانع قرار. - إيصال المعلومة الصحيحة والموثوقة إلى المُتابع في الوقت المناسب. - تأمين خدمة معرفية راقية في مجال الإعلام والمعلومات. - تقديم معلومات ذي قيمة مضافة لصناع القرار. • سياسات "المُراقب" - "المُراقب" لا يميل لأي جهة. - "المُراقب" توجه فقط نحو الحق والحقيقة. - "المُراقب" كاتب ذو مصداقية بكل شفافية. - "المُراقب" يقدم المعلومة الصحيحة الموثوقة الموثقة. - "المُراقب" يعمل من أجل المعرفة وزيادة المعرفة. - "المُراقب" باحث دائم عن المعلومات لإيصالها الى المُتابع وصانع القرار.