بشار اللقيس (الميادين نت)
مطلع عام 2008، تداعت نخبة من رموز اليسار الإسرائيلي بدعوة من "معهد شموئيل نعمان" لوضع واحدة من أكثر خطط التنمية الاقتصادية شمولًا في «إسرائيل».
وضمت المجموعة شخصيات بارزة، من بينهم: إيلي هوروفيتس (رئيس شركة "طيفع")، ودافيد بروديت (المدير العام السابق لوزارة المالية)، واللواء المتقاعد إسحق بن يسرائيل (رئيس مديرية البحث والتطوير التكنولوجي بوزارة الدفاع)، إلى جانب يورام ياهف (مدير معهد التخنيون للإدارة)، ويهوشواع يورتنر (رئيس الأكاديمية الوطنية للعلوم).
وانطلق هؤلاء من قناعة راسخة مفادها أن طوق نجاة «إسرائيل» مرهون باندماجها الاقتصادي في النظام العالمي، وأن أي تباطؤ في هذا المسار سينعكس سلبيًا على بقائها واستقرارها.
على مدى أشهر، تواصلت الدراسات واللقاءات المكثفة لتشمل مختلف القطاعات السياسية والاجتماعية، حتى تبلورت بحلول نيسان/إبريل 2008 «خطة إسرائيل 2028» لتكون استراتيجية تنموية شاملة.
وانطلق واضعو الخطة من رؤية مفادها أن الازدهار الاقتصادي والاجتماعي يرتبط مباشرة بترسيخ السلام مع السلطة الفلسطينية والدول العربية المحافظة؛ إذ اعتبروا أن الاستقرار الأمني والاقتصادي لن يتأتى دون سلام دائم يفتح آفاقًا جديدة للتنمية، في حين تُشكّل الحروب الشاملة عائقًا رئيسًا أمام تحقيق هذه الأهداف.
ورغم أن إيهود أولمرت (زعيم حزب كاديما) كان يترأس حينها حكومة يُحسب توجّهها على اليمين، إلا أنه سارع إلى تبنّي الخطة وتوجيه الجهاز الحكومي للعمل بموجبها؛ وهو ما شكّل مفارقة لافتة تمثلت في تقاطُع أطروحات التنمية الرؤيوية التي صاغتها نخبة محسوبة على اليسار مع التوجهات السياسية للحكومة القائمة.
على أية حال، ظلت الخطة حاضرة في أروقة العمل الحكومي الإسرائيلي؛ إذ أُجريت عام 2013 مراجعة شاملة لتقييم الإنجازات ورصد الفجوات القائمة. كما عقد "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" عام 2018 مؤتمرًا خاصًا بعنوان: (Israel 2028: Revisiting the 2008 Strategic Plan at the Halfway Point)؛ لتقييم مسار التنفيذ بعد مرور منتصف المدة الزمانية للخطة (عشر سنوات على إطلاقها).
رؤية الخطة ومرتكزاتها الأساسية
انطلق واضعو «خطة إسرائيل 2028» من مقولة مفادها أنه لا يمكن لإسرائيل القبول بمستويات متوسطة؛ سواء في مجالات الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، أو في كفاءة الإدارة والمنظومة الأمنية. وفي الوقت ذاته، حذّروا من خطورة اتساع الفجوات الاجتماعية وتعاظم عوامل التفكك الداخلي.
ولتحقيق هذه المعادلة، تبنّت الخطة نموذج «اقتصاد السوق»، مع التحفظ على التوجهات النيوليبرالية المتطرفة بشأن تقليص دور الدولة. وطرحت بدلًا من ذلك مفهوم اقتصاد «حر، متوازن، ومنصف» — أو ما أطلقوا عليه «اقتصادًا بوجْهٍ إنساني» — يستند إلى التنوع الثقافي والقدرات العلمية والتكنولوجية، ويضع جودة رأس المال البشري وتنميته في صدارة أولوياته التنموية.
أهداف الخطة
سعت «خطة إسرائيل 2028» إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، جاء في مقدمتها:
-مضاعفة دخل الفرد: رفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى أكثر من 50 ألف دولار بحلول عام 2028، مقارنةً بـ 23 ألف دولار عام 2007.
-تحقيق نمو متسارع ومتوازن: استهداف معدل نمو سنوي للناتج المحلي يتجاوز 6%، وزيادة معدل نمو الناتج الفردي بنسبة 4.5% سنوياً على مدار عشرين عاماً.
-معالجة "ازدواجية الاقتصاد": الحد من الفجوة الهيكلية بين قطاع التقنية العالية (Hi-Tech) المتقدم عالمياً، والقطاعات الاقتصادية التقليدية المتردية.
-دمج الفئات المهمشة: مضاعفة نسب المشاركة في القوى العاملة لدى القطاعات الأكثر ضعفاً اقتصادياً، ولا سيما المجتمع العربي والوسط الحريدي.
-تقليص الفوارق الاجتماعية: الحد من التفاوت الطبقي من خلال إرساء قواعد اقتصاد سوق متوازن ومنصف، وإشراك كافة شرائح المجتمع في مواجهة التحديات التنموية.
-تحديث التعليم والبحث العلمي: النهوض بالمؤسسات التعليمية وتعزيزها، بدءاً من رياض الأطفال وصولاً إلى التعليم الجامعي ومراكز الأبحاث العلمية والتطبيقية.
-تحديث القطاعات التقليدية والتكنولوجية: إدخال التكنولوجيا المتقدمة في فروع الاقتصاد التقليدي، مع تهيئة البيئة المواتية لاستدامة النمو السريع في الصناعات الدقيقة.
-تطوير الحوكمة والبنية التحتية: رفع كفاءة المؤسسات الحكومية وقدرتها على الإدارة والتخطيط، إلى جانب تحديث البنى التحتية المادية على المستوى الوطني.
لِمَ هذه الخطة؟
عام 2004، صدر مجلد ضخم من جزأين للسوسيولوجي عوز ألموغ بعنوان: «وداعًا لشوليك: تحولات القيم لدى النخبة الإسرائيلية»، ليغدو أحد أبرز المصنفات الأكاديمية التي أضاءت على التحول القيمي بين جيلين: جيل الصهيونية الأولى وجيل ما بعد الصهيونية.
لم يكن «شوليك» شخصية حقيقية، بل نمطًا رمزيًا شاع في أدبيات نخب حركتي "مباي" و"مابام" خلال العقود الأولى لتأسيس إسرائيل؛ ليجسد صورة الشاب اليهودي الرياضي، الذي يحمل البندقية أو محراث الأرض، ويجمع في شخصه بين القومية، والعمل، والبساطة، والتضحية، والتعلق العضوي بالجماعة والأرض.
ومن هذا المنطلق، يحمل عنوان «وداعًا لشوليك» دلالة رمزية تشير إلى أفول النموذج الإسرائيلي الأول وبزوع نمط اجتماعي جديد. ومع ذلك، يظل السؤال المحوري يتردد عبر فصول الكتاب: ما هي معالم الإسرائيلي الجديد؟
يكشف ألموغ ملامح هذه الشخصية عبر عناوين فصول صيغت بمنطق المتقابلات الثنائية؛ فمن «الفن الدعائي إلى التعبير الشخصي والسياسي»، ومن «حكم مباي إلى حكم المحكمة العليا»، ومن «حب الوطن الأفلاطوني إلى علاقة زوجية متنازعة»، وصولًا إلى «التربية السلطوية إلى حكم الطفل»، ومن «الرجولة الفحولية إلى النسوية»، ومن «التطهرية إلى الجنسية». ومن خلال هذه التحولات، يرسم ألموغ معالم شخصية إسرائيلية جديدة: أكثر عولمة وانفتاحًا، وأقل ارتباطًا بالفكرة القومية التقليدية.
كان هذا النمط الجديد بالذات هو ما تتلمّس معالمه التيارات السياسية من يسار ويمين مطلع الألفية، وهو عين ما انشغلت به النخبة المخططة لـ «خطة إسرائيل 2028».
الجذور التاريخية
منذ عشرينيات القرن الماضي، ارتبط النموذج الاجتماعي-الاقتصادي في إسرائيل بسمتين رئيسيتين: الزيادة السكانية المطردة بفعل الهجرات المتتابعة، ومعدلات النمو الاقتصادي السريع. ففي الفترة الممتدة بين عامي 1952 و1972، تضاعف حجم السكان بنحو ضعفين ونصف، بينما سجل الناتج المحلي الإجمالي معدلات نمو أسرع؛ إذ بلغ متوسط نمو حصة الفرد من الناتج نحو 5.7% سنوياً، فيما تجاوز متوسط نمو الناتج الإجمالي 10% سنوياً. وقد استندت هذه الطفرة الشديدة إلى قفزة استثنائية في الإنتاجية العامة بلغت 4.4% سنوياً، مما كرس حينها مقولة «المعجزة الاقتصادية الإسرائيلية».[5]
غير أن عام 1973 شكّل نقطة انكسار حادة في منحنى الصعود الاقتصادي؛ إذ تباطأ متوسط نمو الناتج الفردي في مرحلة ما بعد الحرب إلى 1.5% سنوياً، فيما خرج التضخم المالي عن السيطرة ليصل عام 1984 إلى نحو 400% سنوياً. وبلغ الدين الخارجي 87% من إجمالي الناتج المحلي، ووصل الدين العام إلى ذروة قياسية قاربت 180% من الناتج الإجمالي.
وقد أرجعت التحليلات الاقتصادية الإسرائيلية هذه الأزمة الهيكلية إلى تداعيات «حرب يوم الغفران» (حرب أكتوبر 1973)، وما ترتب عليها من قفزة باهظة في النفقات الدفاعية والأمنية، بالتزامن مع الأزمة العالمية لأسعار النفط والسلع الأساسية. كشفت أزمة السبعينيات والثمانينيات الممتدة هشاشة الاقتصاد الإسرائيلي وسرعة تأثره بالمتغيرات الإقليمية والدولية، مما دفع خبراء الاقتصاد إلى التساؤل عما إذا كانت «المعجزة» قد انتهت نهائياً، وعما إذا كان الاقتصاد يتخذ مسار الاستدانة والاضطراب الشائع في اقتصادات أمريكا اللاتينية.
ثورة التكنولوجيا والتكنولوجيا الحيوية: شريان حياة جديد
جاءت ثورة التكنولوجيا التي شهدتها الولايات المتحدة والعالم الغربي خلال الثمانينيات لتشكل رافعة إنقاذ للاقتصاد الإسرائيلي؛ إذ أتاحت قطاعات الحوسبة، والاتصالات، والبيولوجيا الجزيئية، والمعلوماتية الحيوية (Bioinformatics) مخرجاً استراتيجياً من مأزق الأزمة الهيكلية.
ويستند هذا التوجه إلى جذور عميقة في الثقافة السياسية الإسرائيلية؛ فمنذ حرب عام 1948، ينظر الفكر المؤسسي الإسرائيلي إلى العلوم الطبيعية والتطبيقية كشرط وجودي يرتبط بقدرة الدولة على بناء جيش ومجتمع حديثين.[6] وقد أتاحت الثورة العلمية استغلال التنوع البشري المتاح، والصناعات الأمنية المتقدمة، وطفرة التكنولوجيا العالية (Hi-Tech) مطلع الثمانينيات، لتتحول إسرائيل إلى نقطة جذب لرؤوس الأموال المغامرة والاستثمارات المباشرة.
وتوفر الدراسة المعنونة: «الاقتصاد الجزئي للتنافسية: قطاع التكنولوجيا الحيوية الإسرائيلي»[7] قراءة تفصيلية لحجم نمو هذا القطاع؛ ففي عام 1984، لم يكن هناك سوى 15 شركة تعمل في مجال التكنولوجيا الحيوية بأرباح بلغت 15 مليون دولار. وبحلول عام 1990، ارتفع العدد إلى 63 شركة بإنتاجية تجاوزت 200 مليون دولار، قبل أن تسجل الأرقام قفزة نوعية بحلول عام 2000 لتصل إلى 149 شركة تضم نحو 3,495 عملاً، بمبيعات سنوية قاربت 1.8 مليار دولار. ومن بين 557 شركة أُدرجت في قاعدة بيانات «معهد علوم الحياة الإسرائيلي» عام 2006، كانت 45% منها قد تأسست بين عامي 2001 و2006، بينما تُعزى 77% منها إلى الفترة الممتدة بين 1996 و2006.
وفي دراستهما: «Science for Survival: Biotechnology Regulation in Israel»، ترصد الباحثتان باربارا براينساك وأوفر فايرشتاين مسار تطور قطاع البيوتكنولوجيا،[8] بدءاً من عام 1969 حين غدا تمويل البحث والتطوير الصناعي ركيزة في سياسات الابتكار الحكومية، مروراً ببرامج BIRD التي ربطت الشركات المحلية بالنظام التكنولوجي الأمريكي وسهلت نفاذها إلى الأسواق العالمية، وصولاً إلى أواخر التسعينيات مع دخول صناديق الاستثمار المتخصصة، والرهان على نماء شركات وطنية تجسد نماذج عالمية كبرى مثل Genentech وChiron.
ولإسناد هذا التحول، انطلقت منذ مطلع الثمانينيات حزمة إصلاحات اقتصادية هيكلية؛ ففي عام 1987 تم تحرير حركة رؤوس الأموال وإلغاء القيود على تحويلات العملات الأجنبية، مع اعتماد نظام أسعار صرف متعددة، وإجراء تخفيض ملموس في السعر التبادلي للشيكل مقابل العملات الرئيسية من خلال الخفض الرسمي أو عبر تعديل الضرائب والرسوم على التصدير والاستيراد. كما سُمح للبنوك بتجنيد مدخرات مرتبطة بأسعار الصرف، وأُلغيت القيود الكمية على الاعتمادات المالية بالعملة الأجنبية، إلى جانب إلغاء آليات التمويل المفضل المعتمدة حكومياً؛ مما رفع كفاءة السوق المالي ونجاعته.
ساهمت هذه الإصلاحات الهيكلية في تعزيز الارتباط العولمي لإسرائيل بالصناديق الأميركية تمويلاً، وبالأسواق العالمية إنتاجاً؛ غير أنها أدت في الوقت ذاته إلى تشكل شرائح جديدة أقل التزاماً بالأيديولوجيا الصهيونية الأولى. ومن هنا جاء مشروع «خطة إسرائيل 2028» كحلقة وسيطة تسعى لجسر الفجوة بين نمطين: الإسرائيلي العولمي المتأثر باقتصاد السوق، والإسرائيلي الأول المتصل بالنموذج المؤسس («شوليك»).
«إسرائيل 2028»: نقلة المقاربة من السوق إلى المختبر
إذا كان الاقتصاد الإسرائيلي قد اعتمد خلال العقود الستة الأولى على قطاعات الإلكترونيات والحواسيب ونظم الاتصالات (ICT/ECC) — وهي مجالات ارتبط نموها تاريخياً بالإنفاق على البنية العسكرية والدفاعية — فإن التكنولوجيا التي ركزت عليها «خطة 2028» استهدفت إعادة هيكلة الموارد نحو تحقيق أسبقية مختبرية في علوم الحياة، والبيولوجيا الجزيئية، وتقنيات النانو.
وتكمن المفارقة في أن التركيز على هذه الحقول المتقدمة أفضى إلى تعميق ظاهرتي «الأمننة» و«العسكرة»؛ إذ يُعاد توظيف التقدم في علوم الجينات والبيولوجيا لخدمة المنطق الحربي والعسكري.
يشكل هذا التداخل مدخلاً لفهم تجدد وتعاظم أبعاد العسكرة داخل المجتمع الإسرائيلي؛ فخلافاً لتطلعات النخب اليسارية المخططة، أسهم تقاطع العلوم الجينية مع المنظومة الدفاعية في إعادة صياغة مفهوم القوة والأمن القومي. لم تعد العسكرة تقتصر على تطوير العتاد والأسلحة التقليدية، بل امتدت لتجعل من الجسد البشري والبنية البيولوجية مسرحاً عملياتياً واستراتيجياً. وبذلك تحول التحليل المجتمعي للحرب من مفهوم «المركب العسكري-الصناعي» إلى «المركب العسكري-البيولوجي»، المتمثل في التحالف بين المؤسسات العسكرية، والمختبرات الأكاديمية، وشركات البيولوجيا لتوجيه الأبحاث الجينية نحو الأغراض الأمنية.[9][10]
يتجلى هذا التكامل المؤسسي عبر صروح أكاديمية بارزة، في مقدمتها معهد التخنيون في حيفا، الذي يقود تحويل الهندسة والعلوم التطبيقية إلى تقنيات قتالية لمصلحة شركات عسكرية كبرى مثل «رافائيل» و«إلبيت سيستمز»، ومعهد وايزمان للعلوم، الذي يشكل البيئة الأساسية لأبحاث الجينوم، والبيولوجيا، والذكاء الاصطناعي الأحيائي. وبرغم طبيعته الأكاديمية، يوفر معهد وايزمان القاعدة العلمية لمفهوم «الأمننة الجينية - Genomic Securitization»؛ إذ تُستغل البيانات البيومترية والجينية المنبثقة عن أبحاثه لتطوير أنظمة الرقابة الحيوية والتتبع، وتقييم الاستجابات المناعية ضد التهديدات البيولوجية.
ويمتد هذا النسيج ليصل إلى البنية التعليمية برمتها، بدءاً من المراحل التعليمية الأولى ووصولاً إلى البرامج النخبوية؛ مثل برنامج «تالبيوت – Talpiot» للتدريب العسكري المتقدم، ومشاريع الأبحاث التابعة لمديرية تطوير الأسلحة والبنية التحتية التكنولوجية «ماباط - MAPAT».
ومن خلال هذه القنوات المزدوجة، يُعاد إنتاج المعرفة لخدمة تقنيات «الاستخدام المزدوج - Dual use technology»؛ بحيث تسخر التطبيقات الطبية لخدمة التمويل العسكري، وتزود المنظومة الأمنية بأحدث أدوات التخليق البيولوجي لضمان التفوق الاستراتيجي.
التبعات الاستراتيجية والاجتماعية
خلافاً للرهانات الأولية للنخب اليسارية في بداية القرن الحالي، والتي تمثلت في تغليب قيم العولمة المجتمعية والانفتاح الاقتصادي، أفضى تبني الحكومات اليمينية المتعاقبة لـ «خطة إسرائيل 2028» إلى نتائج مختلفة؛ إذ التقى الطرفان على زيادة «أمننة» المجتمع ومنظوماته التقنية، لكن اليمين توظف الخطة لتعزيز الانغلاق الهوياتي وترسيخ المنطق الحربي.
وعلى المستوى العملياتي، تتعدد التطبيقات العسكرية لهذه التقنيات؛ بدءاً من رفع كفاءة الجندي عبر أدوات التعديل الجيني الدقيق لزيادة التحمل البدني والنفسي وتقليص الحاجة إلى النوم، وصولاً إلى أمننة البيانات الجينية للسكان وتطوير المواد البيولوجية القتالية. إن تحويل الشفرات البيولوجية إلى بيانات رقمية قابلة للتحليل والتنبؤ يفتح آفاقاً جديدة للاستهداف والمراقبة الديموغرافية، مما يقلص الفواصل بين الشقين المدني والعسكري.
وتخلق هذه التحولات إشكاليات أخلاقية وقانونية معقدة تتعلق بالموافقة المستنيرة، وحرية الإرادة، وإمكانية ظهور طبقات اجتماعية أو فئات قتالية محصنة جينياً، إلى جانب التحديات التي تواجه المعاهدات الدولية للحد من سباق التسلح البيولوجي والأمن السيبراني الأحيائي.
يمثل هذا المنطق الاستراتيجي الروح الحاكمة لوثيقة البنية التحتية في «خطة إسرائيل 2028»؛ إذ تنتقل الدورة التنموية والتكنولوجية من مسارها الأول (الدولة ← الجيش ← الأمن ← الحوسبة) إلى مسارها الثاني المتقدم:
الجامعة ← المختبر ← البيولوجيا الجزيئية ← براءة الاختراع ← الشركة الناشئة ← رأس المال المغامر ← السوق العالمي.
وهو المسار الذي تفصله أوراق البحث الصادرة عن كلية الأعمال بجامعة هارفارد (Harvard Business School)، مستعرضةً آليات تحويل الأبحاث الأساسية في الجامعات الإسرائيلية إلى صناعة بيوتكنولوجية عالمية وتنافسية.
الهوامش:
[1] https://www.neaman.org.il/en/israel-2028-vision-strategy-economy-society-global-world/
[2] https://www.neaman.org.il/project/israel-2028-vision-strategy-for-israel-heb/
[3] https://www.neaman.org.il/en/project/integrating-ultra-orthodox-population-israeli-economy/
[4] ألموغ استخدم في العنوان اسم شاروليك، ولكن جرت في الأدبيات العربية تسمية هذه الشخصية بشوليك. رابط الكتاب: https://www.poratbooks.co.il/3-13138
[5] إيلي هوروفيتش، إسرائيل 2028: رؤية استراتيجية اقتصادية – اجتماعية في عالم عولمي، ترجمة سليم سلامة، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، رام الله – فلسطين، ص 44 – 48.
[6] خلال حرب 1948، أنشأت إسرائيل ما يُعرف بـ"Science Corps"، أو "الفيلق العلمي" (يُعرف اختصاراً باسم حمِد - Hemed). تشكل الفيلق في البداية من وحدة عسكرية ضمت عدداً من العلماء والباحثين في مجالات الفيزياء والكيمياء، بهدف تسخير أبحاثهم العلمية في التطوير التكنولوجي لصالح المجهود الحربي وصناعة الأسلحة محلياً. ويُعتبر هذا الفيلق النواة الأساسية التي ولدت منها الصناعات الدفاعية والعسكرية الإسرائيلية لاحقاً. عام 1952، تم تفكيك هذا السلاح وتحويله إلى هيئة مدنية - عسكرية تابعة لوزارة الحرب الإسرائيلية، وصار يُعرف اليوم باسم "رافائيل" (Rafael - وحدة تطوير الوسائل القتالية)، وهي واحدة من أكبر شركات التصنيع العسكري في إسرائيل الآن.
[7] Alastair Bell, Jessica Freireich, Terry Heymann, Eric Mboma Tamutunu, Alia Zaharudin (2006), Israeli Biotechnology Sector, Harvard Business School, https://www.isc.hbs.edu/Documents/resources/courses/moc-course-at-harvard/pdf/student-projects/Israel_Biotechnology_2006.pdf
[8] Barbara Prainsack , Ofer Firestine (2006), ‘Science for survival’: biotechnology regulation in Israel, Science and Public Policy, Volume 33, Issue 1, Pages 33–46.
[9] https://wim.mil.pl/en/2025/09/15/miedzy-laboratorium-a-sztabem/
[10] https://www.armyacademy.ro/reviste/rev2_2024/Cepisca_Cirdei_RAFT_2_2024.pdf